سجلوا عندكم

الياس زغيب قارئًا “عمران” لكريستيان بلّان الخاروف: دعوة إلى تعميم تجارب المميّزين من أبناء بلادنا المعاصرين ليكونوا قدوة ومثالاً يحتذى

Views: 83

د. الياس زغيب

أن أعود إلى رعيّة مار فوقا في غادير كأن أفتحَ كوّة ضوءٍ على ماضٍ جميل يعبَقُ بأريج الطّفولة وبساطة العيش.

موقف الكنيسة والدّرج المؤدّي إلى منزل أنسباء لي تقاسمت وإيّاهم رغيف الحلم، قادنا إليه درج من الكدّ مرصوفٌ كرصفِ الذّكريات فوق درج مار فوقا. غادر أنسبائي الحيّ، لكنّ ذكراه لم تغادرني وربّما لم تغادرهم. بيد أنّ مار فوقا عاد ليجتذب اهتمامي وتقديري منذ أصبحَ الخوري جوزف سلّوم خادمًا للرّعيّة؛ وللخوري جوزف ما له في القلب من محبّة وإعجاب، وقد جمعتنا أواصر قرابة وصداقة، أنا الباحث عن حرفٍ أروّي به نفسي، وهو رسول الكلمة الّذي تفتخر به بلدتنا الحبيبة كما الكنيسة ولبنان.

“عمران” لكريستيان بلّان الخاروف الزّميلة على جلجلة التّربية والتّعليم، وإن كان القطاع في المملكة لا يعاني ما يعانيه في لبنان، إلاّ أنّه على مستوى التّحدّيات وتوعية النّاشئة والحفاظ على الهويّة والقيم “فكلّنا في الهمّ شرق” و”كما في بيتك في اسطنبول”!

عنوان الكتاب “عمران” يحمل دلالات متعدّدة، فعلى الغلاف صورة شابٍّ وسيم يفتح ذراعيه مبتسمًا للحياة، كأنّه يحلّق في سماء زرقاء صافية فوق قرية لبنانيّة المعالم بشجرها وسهولها الخضراء وقرميدها الأحمر. وحين تتصفّح الكتاب تجد أنّ الشّابّ الوسيم هو الشّاعر “عمران شحاذي” صاحب السّيرة الّذي زيّن الصّفحات بقصائد زجليّة وبلغة محكيّة لبنانيّة. وهو من عاش ازدواجيّة العمر بين عمر في العمل والتّحصيل العلميّ وعمر في الكتابة والشّعر، وبين عمر مع العائلة وعمر مع النّاس خصوصًا كبار السّنّ منهم. وهنا تتبدّى الدّلالة الثّانية: العمر عمران؛ ويأخذنا هذا التّأويل إلى الكاتبة الّتي لها عمران من التّجارب، عمر في وطنها الأمّ عاشت معظمه قبل ظهور الإنترنت وهيمنة التّكنولوجيا على حياتنا، وعمر في الغربة بعيدًا عن الأهل في زمن التّطوّر والذّكاء الاصطناعيّ وما يخبّئه لنا من مفاجآت.

 

أمّا الدّلالة الثّالثة فهي العمران المقابل للهدم، لكأنّ الكاتبة والشّاعر بتركيزهما على القيم الإنسانيّة يعتبران أنّ العمران الحقيقيّ يتجلّى ببناء الإنسان وبتنمية قيم الاجتهاد والمروءة وعزّة النّفس والكرامة ورعاية العائلة وخدمة الآخرين والصّدق والمواطنة وغيرها ممّا يزخر به مضمون الكتاب؛ في مواجهة كلّ ما يتهدّد هويّة الإنسان وثقافته ويهدم كِيانَه الأخلاقيّ ويبدّد حضوره كقيمة إنسانيّة، ويحيله إلى رقم بشريّ في تعداد الأمم.

فهنيئًا لمن يواجه ويصمد، وهنيئًا لمن يعيش العمرَ عمرين!

أمّا على صعيد التّجربة، فإنّ ازدواجيّة اللّغة تجربة فريدة تَشاركَ فيها من عاشت عمرًا مع العربيّة الفصيحة، ومن عاش عمرًا في أحضان الزّجل والمحكيّة اللّبنانيّة. ونجاح هذه التّجربة يعكس التّكامل بين الكاتبة والشّاعر، ويكسر الشّعر صلابة الفصيحة وإن كُتبت بلغة أدبيّة أنيقة، ويجعل السّرد أقرب إلى القرّاء؛ كما يعكس الانتماء إلى البيئة اللّبنانيّة الأصيلة. مع ملاحظتنا أنّ الشّعر جاء في خدمة النّثر ما أثّر سلبًا على الشاعريّة في بعض الأماكن؛ فالشّعر ابن الحرّيّة وعدوّ التّأطير والتّوجيه. غير أنّ الشّاعر استطاع في أماكن أخرى أن يطوّع الموضوع ويصهره في قالب شعريّ جميل كما في قوله:

مين الشّعر إلا فجر مبحوح

وحطّاب فايق والفأس عرقان

مين الشّعر إلا نبع مدبوح

ولوما اندبح ما بيشرب البستان

وغيرها من اللّمع الغزيرة الّتي تحمل رسائل حول االفضائل والصّداقة والأهل والانتصار على الجهل والتّنمّر…

أمّا الكاتبة كريستيان، فالملاحظ أنّها غمست ريشتها في حبر العنفوان لتقول في الإهداء: “إلى كلّ من يقرأ، لا تخف التّحليق فلك السّماء وما بعدها…”، والدّعوة إلى التّحليق هي دعوة إلى التّرفّع عن المادّة وعن الموروثات وعن كلّ ما يعيق نجاح الإنسان وتميّزه. وأصرّت على تعميم التّجارب النّاجحة المعاصرة، لتكون أكثر تأثيرًا في طلاّب اليوم، زارعة فيهم الأمل متحدّية إفرازات وسائل الإعلام ووسائل التّواصل الاجتماعيّ وما فيها من فضائح وأفكار هدّامةٍ تشتّت الفكر وتضيّع البوصلة. معتمدة لذلك أسلوبًا شيّقًا تطغى عليه الجمل الفعليّة، والمعلوم أنّ الجملة الفعليّة تعبّر عن الحركة، ما يعكس ديناميّة الشّخصيّة وسعيها الدّؤوب لتخطّي الحواجز وتأكيد النّجاح.

قد تكون الفكرة جديدة إلّا أنّها جديرة بالدّراسة والاهتمام، وربّما هي دعوة جدّيّة لنستفيق ونعي غنى مجتمعنا، ونتتبّع أخبار من نجح في تذليل الصّعاب وحقّق حلمًا يسهم في بناء الحضارة ويفيد الوطن، على أن نهدر الوقت على من طلّق ومن قتل ومن خان ضميره وقيم أهله.

“عمران” هو دعوة إلى العمران، إلى الرّفعة والسّموّ وإلى تعميم تجارب المميّزين من أبناء بلادنا المعاصرين لكي يكونوا قدوة ومثالاً يحتذى.

شكرًا للسّيّدة كريستيان بلان الخاروف، وإلى مزيدٍ من التّجارب النّاجحة والكتب القيّمة خدمة للوطن وللأجيال الصاعدة.

عشتم وعاش لبنان!

***

*ألقيت خلال حفل  توقيع الكاتبة كريستيان بلّان الخاروف لكتاب “لأنّها امرأة”، وكتاب “عمران” الّذي جمع ما بين الفصحى والعامّية، والنّثر والشّعر في رعيّة مار فوقا-غدير.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *