سجلوا عندكم

رسالة إلى فيروز، أم الزياد، شهيد العطاء بازدياد

Views: 117

في سنوية الفنان الكبير زياد الرحباني، رسالة

من: العبد الخبير في اوجاع الفراق،

إياد محمد علي الخطيب

 

الى الايقونة الأم،

وأم الأيقونة، باللّحنِ والرسم والدم،

 

 الى سَيْماء الغناء السماوي

وقْتَ ازدياد العطاء الى السماء

 في ارتقاء زياد الكوْني

 ابن سفيرتنا الى النجوم،

 الى فضاءٍ خصصه الله من الكون للنجوم..

 

اكتب اليكِ بالدمع والسهرِ والصبر ويدٍ منهوكة من صُحبة مُهجة العناء. اكلمك وانا مكلوم مثلك من خبرة ما اردت ان اختبرها. ولو بيدي لضربتها قبل ان تزورني ضربة القضاء الا انه الله قاهرنا، نحن عباده، يُجبرنا الجبّار على وداع الأحباء. فأمَرَ الملاك، ولا لوم على الملاكِ الذي لا يستطيع اللا تلبية النداء؛ اصعب نداء. فوصل الملاك ارضنا الصفراء، بقلق و حزن لانه جاء غير مُصدقٍ لمشروعٍ صعبٍ من الرثاء لروحٍ نقية، صلاتُها الصِدْقُ،  ليحررها من ارض ملأها النفاق وكسَّرها الجوْر و لإجحاف والبغي والقهر والاستبداد والاعتداء. وهي ما حاربه كله فلذة كبدك، الفارس “زياد” ابن الفارسيْنِ، وحده مجابهاً الأعداء. وكان صعباً طبعاً عل الملاك تنفيذ هذا الأمر من القهّار، لان الملائكة تعشق في الارض من الإنس اهل الفروسية و الأخلاق و العقول والمواهب النُجباء.

 

 فيا أماً مخلصة صادًقةً من اعظم الأمهات،

اقرأي واسمعي من خبرتي ولو اخذتِ منها بضعة أجزاء. فالمثلُ الخبيرُ ينصح بسؤال الخبيرِ و ليس الأطباء. وبعض الخبرة قد يساعد على استعادة قدرة التفكير. و ادعو الله ان يكون فعل هذا البعض ما يريدهُ العقلُ وما تُحبهُ السماء، و مُؤكّدٌ انه ما يبتغيه زياد.

وما اصعب ان اكتبها رسالةً لاشاركك صراخاً معَ وبلا بُكاء. فالكتابة تُعيدُ من عالم الخبايا المحبوسة مُهجاً و افكاراً لا اقوى عليها و لا على قوتها الرعناء. هي آلامٌ من فراقاتٍ اللا ان الله ضمّنها حكمة الحكماء. مع انني كنت افضل اللا اشتري الحكمة بفراق الاحبة، فهي تذكرني بصورة امي الثكلى التي احرق قلبها فراق الابن البكر  ثم اختها الحبيبة ثم الزوج الفنان العظيم في بضعة اشهرٍ رعناء.  فاصبَحَتْ كمن أَحرَقَ جسدَها اشرسُ الشُعاعات من  شموس السماء. وكيف تُحرقُ ذُكاءٌ بامواجٍ من ذُكاءِ، وكانت هي مصدر اللهبِ من النشاط في نهارها؟ وصارت لياليها وايامها معها كلها لهبٌ ورثاء!

وتعب عقلي مُساءلةً؛ لماذا واين تُصبح الام الحُرَّةُ سجينةً في قلبٍ حرارته تُضيء على فناء؟ ففكرت و تفكرت مراراً ولم اوتى من العلم اللا قليلا بعد لعنة الفِكرِ في كمٍ من الهمِّ. اللا ان هذا القليل، الذي لم احب تعلمه ابداً، ربما تعلمته لاكتب اليك ساعة صمت الاذنين و غياب المعاني من كلمات العزاء و تجمُّد العقل بجليدٍ من همومِ الغياب. و تعرفين طبعاً ان العزاء الذي نسمعه كل مرة بان “العوض بسلامتك و بسلامة العائلة” لا يُشفي من علة الفقد اذ لا أحد يُعوِّض عن وجود أحدٍ، كما قال الشاعر الكبير ابن الرومي في رثاء ابنه الاوسط:

“وأولادُنا مثْلُ الجَوارح أيُّها

فقدْناه كان الفاجِعَ البَيِّنَ الفقدِ

..

هَلِ العَيْنُ بَعْدَ السَّمْع تكْفِي مكانهُ

أم السَّمْعُ بَعْد العيْنِ يَهْدِي كما تَهْدي”

 

انا الآن موجوع مثلك… صدقيني اوجاعي من الحاضر والذكريات.. اللا ان اقربهم الى اوجاعك الم الأم الثكلى

الذي يراه الكل حتى الأعمى في نغم كلامها للارواح في الثريا. والسبب انَّ طيفَ الابن باسلٌ مغوار يهجم على الأم بلا انذار. ويُغالبها ويَغلبها ويُكبِّل قلبَها وان كانت حُرَّةً ابنة الاحرار. وهذه البسالة تحرق كل ما تصادمه، حتى شموس الليل والنهار. لكن لاجلك يا احبَّ الفنانين اليّ ولاهل الحق والعُقلاء، يا فيروز الأصوات و الصباحات وكل الاوقات، ساتوجع معك مراتٍ ومرات ولو ذبت مع الآلام وفيها الى النحول والانهيارات. فأنا ايضاً قد فقدت اعز الأخوة في الدنيا دون انذارٍ من الدنيا و بغدر الأيام. وكان عزيزاً عظيماً ابن فنانين عزيزين وبعده بوقتٍ اقصر من قصيرٍ فقدت خالتي اُخت أمي، وكأمٍ ثانيه في القلب والعينين، وبعدهما بعددٍ من الصباحات

 اصبحتُ فاقداً لاغلى ما عندي، ومن هو اقرب اليّ منيّ؛ ذلك الفنان الذي احببته كما يحب الابُ ابنه. فقدت ابي الفنان الخطيب  بفجعة مفاجئة وايضاً دون نذيرٍ او احتساب فصرت حبيس طاقاتٍ فظيعة الجَوْرِ من كل الإتجاهات. و اصبحت جدران سجني تنمو من داخلي و تحيط بمحيطي.

إقرأي يا فيروز ارجوك و لو لثوانٍ او دقائق من اجل زياد. لان بعد هذه الكلمات ما عندي من كَلِمٍ اللا الآهات و العزف وحدي على البيانو والصبر و الصلاة. ارسل رسالتي لانني موجوع كما تتالمين وارى أُمّاً تتالم كل يومٍ امامي فعرفت و تعلمت ان من يفهم مشاعرك اكثر مني هي الأم الثكلى التي اصابها نفس المصاب.

لذا هي رسالة قلق العقل في وقت لا يقدر عليه عقل؛ كما الهمني اياها الله بلا توقف و لا اجتهاد. فعذراً ان طالت او قصرت بحسب طول الصبر، اللا انها من قلب مُشتعلٍ الى آخر تحرقه جمرة الحداد.

——-

اما بعد،

في 26 تموز/يوليو 2025، حلمتُ، ويا للعجب، بالعظيم زياد الرحباني. وكانت أول مرة احلم بزياد اذ انني لم التق به من قبل، و تحدثنا في الحلم عن الفن و ما يجب انتاجه من أعمال و عن واليأس من الواقع، وخططنا لاعمال فنية. ربما كان ذلك الحلم لتفكيري الطويل عن غياب الفنانين الحقيقيين. وربما لانني شخصياً منهك من التعب و فقدان الامل.

وحين استيقظت، اعتقدت ان ذلك الحلم كان بسبب مشاهدتي المناضل اللبناني جورج عبدالله حراً بعد أن أفرجت عنه السلطات الفرنسية في 25 تموز/يوليو 2025، و ذلك بعد قضاء نحو 41 عاماً في السجن، ليكون من أقدم السجناء في فرنسا.

ساءلني عقلي، ماذا سيفعل زياد؟ هل سيُعبِّر عن هذا الحدث و هل سيُلحن اغنية لهذه المناسبة؟ و لا اعرف لماذا انشغلت بهذه الفكرة. وربما فكرَ احدٌ بذلك اللا انني لما نظرت الى هاتفي وجدت رسالة مفجعة انكرتها لمدة لان عقلي لم يحتملها كما معظم اللبنانيين بأن زياد الرحباني قد قرر مغادرة الأرض والإبتعاد عن عالمنا الذي ملأه الفكر السيء و الخواء.  فبكيت وبعد البكاء تساءلت ان كنت قد رأيتُ زياداً في الحلم بسبب التفكير بما سيحضّر لجورج عطالله ام لان روحه العظيمة زارتني في الحلم؟  في الحقيقة، لا اعرف لكنني سابقى اتساءل مدى الحياة..

و كما شعرتُ، شعر كل لبناني انه يحتاج الى  من يعزيه شخصياً. كأنّ زياد الرحباني ينتمي الى عائلته. وهكذا يكون الفنان الحقيقي الذي يُصبح فرداً من كل عائلة و اخاً لكل انسان. فالفنان الموهوب الصادق يوحِّد و يجمع، فنرى كل اطياف المجتمع عل اختلافها و خلافاتها تجتمِعُ على حبه و تقديره و الحزن لرحيله.

زياد المُناضل في سبيل الحق هو مثال الفنان الحقيقي الذي يستشهد مُقاوماً للظلم والفساد و الكراهية و الاستبداد. ولذلك و لاسباب اخرى رأيت قلمي يمسك بيدي يُسيرها لتكتب “رسالة الى فيروز”.

كتب قلمي الحبيب هذه الرسالة منذ حولٍ من الزمن، و ما كان لي حول ولا قوة على ارسالها من شدة تعبي و حزني على فراق الاحبة العظماء. قضيت مدة اعزف البيانو وحدي و اهدي بعض المقطوعات لزياد واشعر انني وهو فقط نستمع للموسيقى الجديدة التي حضرت الى اناملي من دون عِلمي.

يا فيروز الغناء،

حاولي ان تتكلمي وافصحي عن المُهج بصوتك، الذي يُلبِس قلوبنا لِباس الحُب و الطمأنينة، وهو الغناء..

قولي ما تبغين و ان امكن الغناء غني فليكن القول من صرخة القلب الصماء. ليَسمعَ صوتَك الملائكي كواكبُ الطرب و نجومُ الفن الحقيقي الصادق و صدق الصوت القادم من السماء.. فهم اهلك معك في السراء والضراء. و هم شهداء بجوار ربهم من اول لحظة إرتقاء. هذا وعد الله للفنان الشهيد الموعود.

سيسمعون صوتك و يطلبون من ربهم ان يصبرك و لك يتكاتفون. اما الملائكة فهمُ بقربك و حولك يغنون معك للزياد، فللَّه وحدَه ولفن الفنانين الحقيقيين بعونه البقاء. قومي من بين الاوجاع طرباً في محاربة اوجاع الضياع. اعرفها جيداً تلك الخبيثة بعد وداع، واعرف ضعفها امامك ان صرخت عليها فهي تخاف منك و تنصاع! كيف تكون الفاجعة والوداع لقرة العينين و فلذة كبد الانغام؟

انت كما الفارس العربي الأصيل،  تمتطين جواد الكرامة والعزة والقوة والنخوة  في حرب التحدي للظلم والغدر و انتصارًا للضعفاء. وكذا كان الفارس اللبناني العربي زياد. فانتصري لنفسك التي غدر بها الزمان. انتصري لروح زياد و عاصي وكل الشهداء. فالفنان الصادق في زمن بلادنا الحالي شهيد الدفاع عن الفن الأصيل المتنوِّر لاجل الوطن و الكرامة وبه يجب ان يكون الإقتداء. اللا ان ندرة إشغال العقول و غياب الذوق الرفيع في  شعوب معظمها لا همَّ له اللا اللهو والعيش بلا عناء، قد جعل الشعب نفسه يغتال بجهله ابطاله من الفنانين الكرماء. صدقي وعد الله. النصر لزياد و الأخوين رحباني و لك  فيروز مؤكدٌ تاكيدا. و بين رأيي و الحقيقة زمن للاثبات.

وكما قال شاعرنا، ابو الطيب المتنبي العظيم مثلكم يا عائلة الانقياء والشعراء، نُردد:

“وما الدهرُ الا من رواة” اغانيك و ألحان واعمال زياد و فن ابيه العاصي على النسيان و”الرحابنة” فلهم طول فضاء البقاء. فلا تبتعدي عن الناس و ابقي بحضرة احدهم و تكلمي و لا تأبهي لاي كان. ومع الكلام او الغناء تاتي حكمة من ربنا الاعلى اوصى بها و فندها بالتحلي بالصبر و اقامة الصلوات.. فعليك يا ام الزياد بالصبر و الصلاة.  اما عن الكتابة والذكر  فسيكتب الزمان برحب في كل يوم عن الرحباني زياد و ستزداد الصفحات كُتباً عنه في كل البلاد. ولا قوة لنا نحن معشر الإنس و لا قدرة اللا قبول الفراق على ضعفٍ و حزن و قلة حيلة. لكن كيف نصبر و نحن الضعفاء؟

الجواب هو اللا حل آخر امامنا فمهما فعل الضعيف لا يستطيع اعادة ما أُخذ منه عنوة، لذا نحن مجبورون على الصبر قهراً.  واما الصلاة فانت من اصدق من صلى في الكنائس و غنى لقدس فلسطين التي يُصلب فيها المسيح كل يوم جهراً. انت من علمنا بهارمونية الغناء مع المناسبات طرائق الصلاة والانتصار و العزيمة والإباء. و مرة ثانية يلتفت اليك الفارس العربي واشعر الشعراء، صديقنا المتنبي، الذي قال

 “الخيل والليل و البيداء تعرفني

 و السيف والرمح والقرطاس والقلم”

كذلك انت يا “فارستنا” الى النجوم و الى القدس والعودة والهجوم،  اقول لك:

الفنُّ و الصُّبحُ والأنغامُ تَعرفُكِ

والسمع واللحن و الإبداعُ و الكَلِم.

فدقي اجراس عودة العقول ، الآن الآن و غداً و بعد غدٍ وبعد بعد… وغني من جديد:

“بِعدوا الحبايب بَيْعَدوا

بعدوا الحبايب

عَ جَبل عالي بَيْعَدوا

والقلب دايِب

بِعدوا الحبايب بَيْعَدو”

وحين يبعد الأحبة الى جبل يصل علوه الى النجوم، و لما يذوب القلب في حرقة نجم فوق الغيوم، ما لنا اللا العودة الى انفسنا الحقيقية التي تحتاج اعلاء الصوت ليصل الى اعلى الجبل.

فان استطعت خذي بنصيحة الشاعرة كوثر مصطفى و “علي صوتك بالغناء” ان كانت “الاغاني ممكنة”، وان لم تكن فحركي الهواء بالكلام. وانا عالم بان العزف الصادق على اية اوتارٍ يخفف الالام، و تصل امواجه الى الله بأسرع من سرعة الضوء لا الانغام.

اوتاري كانت في البيانو، اما عندك فانعم عليك الله باجمل واعذب وارقى وانقى الاوتار معك و منك. حين تتحرك اوتار فيروز تحضر كل الملائكة فترحل الشياطين… يا صوتاً نصر الحق، انصر نفسك الآن و حاول ان تتكلم كل يوم لان هذا ما يريده الزياد.

فيروز، يا حبيبة الملايين، عليك بالصبر والصلاة والغناء ان امكن او الكلام… هذا ما عند خبير الفراق من رسالة بعد حلمٍ فيه زياد، و بعده السلام.

وأتفق مع العالم توماس اديسون الذي رأى من خلال خبرته ان افضل حل للتغلب على تذكر المشاكل و المآسي هو العمل فكيف اذا كان العملُ غناءً من ملاك الغناءِ، و هو طرَبُ الغناءُ؟

وقبل ان اودعك اهديك قصيدة كتبها والدي الفنان محمد علي الخطيب يرثي فيها ابنه البكر حين فقده بعد ان عاش معه و رعاه 51 حولاً، لربما تُعبر عن مشاعرك و قد تخفف عنك الماً من الآلام يا أُمّ زياد:

“أراك بيقظةِ عيني…

أراك بنومي..

أراك بدمعةِ أمّكْ..

أراك بدمعي..

وكيف اتجهتُ وأينَ أقمتُ..

فأنتَ معي..

بصبر فؤادي الحزينِ…

ولوعةِ صدري..

وحرقةِ دمعي بظلمِ اللهيبِ..

حضنتك طفلاً

وحين فرحتُ بنور شبابكْ..

رماني زماني بغدر الأماني..

وأفنى الذبولُ زهور حياتي..

فكيف من البؤسِ أرجو نجاتي؟!…”

وأخيراً اودعك و اذهب لانام و احلم. و اصلي قبل النوم ان يزورني في حلمي كل احبائي من العظماء و طبعاً معهم زياد.

و قبل الذهاب اراد قلمي ان يتوجه الى كل العوالم لينطق و يقول:

هل رأيتم ايقونة تُعلق اللا في كنيسة؟ اما الايقونتان فيروز و زياد، فهما معلقتان في قلوب كل من يصلي في الكنائس والمساجد و من لا يصلي، و من يبالي بالآخرة ولا يبالي. هل رأيتم أيقونةً لأعظم امٍ واعظم ابنٍ معاً اللا لسيدة الدنيا مريم العذراء و سيدنا يسوع المسيح عليهما السلام؟

هكذا تكون ايوقانات الام وطفلها. فحين اراد الله ان يُغير الحياة خلق سيدتنا مريم، ثم كما قال الشاعر القُروي، رشيد سليم الخوري، في قصيدة “حضن الأم” وهي من أجمل قصائده الإنسانية التي تتغنى بفضل الأم وحنانها المُقدس:

 “وكانت ليلةٌ فكان عيسى في حضن مريم”.

وكذلك لما اراد ربنا الأعلى ان يُغير ويُجمِّلَ لبنان والفن والوطن العربي كانت نُهاد حدّاد (فيروز) ثمّ كان الرحباني زياد.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *