لماذا تخلف المتخلفون/ توظيف المقدس لتبرير المدنس (حين يُستَخدم المقدس لتبرير انحطاط النزعات البشرية)
د. علي محمد عبد المنعم
افتتاحية
هذا المقال يأخذ في الاعتبار الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام.
منذ فجر التاريخ، نزلت الأديان لتُخرج الإنسان من فوضى الغريزة إلى نظام القيم العليا والأخلاق الحميدة والسلوكيات الراقية، ومن عبودية القوة الغاشمة إلى قداسة الحق ويقظة الضمير، ومن منطق الغاب إلى منطق إنساني متحضر.
جاءت الرسالات السماوية تحمل أملا أخلاقيًا عظيمًا: أن يصبح الإنسان أكثر رحمة، وأكثر عدلًا، وأكثر قدرة على تهذيب شهواته وغرائزه ونزعاته العدوانية. غير أن المفارقة الأكثر إيلامًا في التاريخ الإنساني، ليست في فشل الإنسان في بلوغ المثال الأخلاقي الكامل، بل في نجاحه الماكر الخبيث في تحويل المقدّس نفسه إلى أداة تخدم أهواءه الدنيوية المنحطة التي توافق أحط غرائزه الحيوانية في الإغتصاب والقتل والسلب والنهب و…
فكم من حربٍ رُفعت فيها رايات الدين بينما كانت دوافعها السياسية الحقيقية تتعلق بالسلطة أو الثروة أو النفوذ، وسلب ونهب مقدرات الشعوب بدون وجه حق؟
وكم من دماءٍ سُفكت باسم الإله وكلام الإله المقدس، بينما كانت الأيدي التي تسفكها غارقة في نوازع الكراهية والطمع والانتقام وأحط ما في الإنسان من غرائز؟
وكم من نصوصٍ مقدسة جرى اقتطاعها من سياقاتها الأخلاقية والإنسانية (على غرار لاتقربوا الصلاة) لتصبح غطاءً للعنف، أو وسيلةً للهيمنة، أو تبريرًا للتمييز والقمع، أو إشباعا لأي انحراف بشري؟
إن المأساة الكبرى لا تكمن في وجود الشر داخل الإنسان؛ فالشر جزء من الطبيعة البشرية منذ البداية، وإنما تكمن في لحظة عبادة الشر، حين يلبس القبح ثوب القداسة، ويصبح الحق باطلا والباطل حقا، ويتحول الاستغلال والقتل والاغتصاب وكل موبقات الإنسان إلى “واجب مقدس”، وتُختطف السماء لخدمة الأرض، ويُستدعى الله لتبرير نزوات البشر على ألسنة من بيدهم مقاليد الأمور من ساسة ورجال دين وإعلاميين و…
وهنا تظهر إحدى أخطر الإشكاليات الفلسفية والحضارية في التاريخ الإنساني: كيف استطاع الإنسان أن يحوّل الأديان، التي جاءت لتحريره أخلاقيًا، إلى أدوات يستخدمها في تكريس الدناءة ذاتها التي جاءت الأديان لمحاربتها؟!
الأديان بوصفها مشروعًا أخلاقيًا لا مشروع هيمنة
لم تكن الأديان الكبرى في جوهرها العميق، مشاريع سياسية أو اقتصادية بقدر ما كانت مشاريع أخلاقية تهدف إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل. فالأنبياء لم يأتوا لتوسيع إمبراطوريات، وإنما لتقويم الضمير الإنساني، وإعادة تعريف الخير والشر، والعدل والظلم، والحق والباطل، وتحجيم رغبات الإنسان، وكبح جماح شهواته، فإذا به يستخدمها لتحقيق أحط نزواته، وإطلاق حمم شهواته!
لقد ارتبط الدين في أصله بفكرة الارتقاء الإنساني؛ لذلك جاءت القيم المركزية في الرسالات السماوية قائمة على الرحمة والعدل والإحسان واحترام الإنسان. ففي القرآن الكريم:
﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾، وفي الإنجيل: “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم”، وفي التوراة تأكيد مستمر في الوصايا العشر على العدالة والرحمة وحرمة الدم.
لكن الإنسان، عبر التاريخ، كثيرًا ما نقل الدين من فضائه الأخلاقي إلى فضاء الصراع الدنيوي. وحين يحدث هذا الانتقال، لا يعود الدين غاية أخلاقية، بل يتحول إلى أداة تعبئة، أو وسيلة للسيطرة، أو غطاء يمنح الشرعية لرغبات السلطة.
وهنا تبدأ عملية “تدنيس المقدس”، ليس عبر مهاجمته من الخارج، بل عبر استغلاله من الداخل.
كيف يتحول المقدس إلى مدنس؟!
إن أخطر ما يميز الخطاب الديني حين يُساء استخدامه، أنه يمنح الإنسان شعورًا أخلاقيًا زائفًا بالتفوق وبأنه الأفضل والأرقى، والأخطر من ذلك أن الرب يحميه مهما ارتكب من فظائع الإجرام!
المجرم العادي قد يشعر بالذنب، وقد يتوب، أما الذي يرتكب الإجرام والفظائع باسم الدين المقدس، فإنه قد يشعر بأنه يؤدي “رسالة سامية”.
وهذه النقطة تحديدًا هي التي جعلت الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار يرى أن العنف حين يرتبط بالمقدس يصبح أكثر خطورة، لأن الإنسان لا يعود يمارس الجريمة بوصفها جريمة، بل بوصفها واجبًا أخلاقيًا، يتماهى بل ويتمادى في فعل المزيد من الجرائم والفظائع ما دامت ستقربه من الرب!
لقد شهد التاريخ أشكالًا متعددة من تحويل المقدس إلى مدنس:
- حروب دينية كرست الإيمان لخدمة المصالح السياسية، وللأسف لم تكن مدعومة من السياسيين والإعلاميين فقط، بل كانت مدعومة من رجال الدين أيضا.
- جماعات متطرفة دينيا جعلت من النصوص المقدسة وقودًا لجرائمها.
- أنظمة استبدادية استعانت بالخطاب الديني لتبرير القمع والقهر واستعباد الإنسان بأساليب أحط من الحيوانية.
- مؤسسات دينية تحالفت مع السلطة ضد الإنسان، وضد الدين الذي تمثله.
وفي كل تلك الحالات، لم يكن الدين هو المشكلة الحقيقية، بل الإنسان الذي يقوم بتفسير النصوص الدينية حسب هواه، ويحوّل الدين ذاته إلى أداة تخدم غرائزه وشهواته وتطلعاته في السيطرة على الآخرين ونهب ثرواتهم ومقدراتهم.
فالسكين التي تُستخدم في الجراحة لإنقاذ الحياة، يمكن أن تُستخدم أيضًا للقتل؛ والمشكلة هنا لا تكمن في الأداة، بل في اليد التي تمسك بها.
الانتقائية الدينية وصناعة “الإله على صورة الإنسان”
حين يسعى الإنسان إلى تبرير أهوائه، فإنه لا يرفض الدين غالبًا، بل يعيد تشكيله وصياغة أهدافه وتفسير نصوصه بما يتوافق مع رغباته. فيختار من النصوص ما يخدم موقفه، ويتجاهل ما يعارض شهوته ورغباته.
وهنا تظهر ظاهرة خطيرة يمكن تسميتها بـ”الانتقائية المقدسة”، حيث يتحول النص الديني من مرجعية أخلاقية تضبط الإنسان، إلى مادة خام يعيد الإنسان توظيفها لخدمة ذاته.
وقد أشار الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه إلى أن الإنسان كثيرًا ما يُسقط رغباته على السماء، فيخلق تصورًا للإله يعكس أهواء الإنسان النفسية لا الحقيقة الأخلاقية للدين.
ومن هنا يصبح الدين أحيانًا انعكاسًا لغرائز الجماعة، لا ضابطًا لها؛ وتتحول القداسة إلى غطاء نفسي يمنح الشر مشروعية رمزية.
السلطة والدين… التحالف الأخطر في التاريخ
حين تتحالف السلطة السياسية مع الخطاب الديني، يصبح المقدس عرضة للاستغلال بأكثر الصور خطورة. فالسلطة تدرك أن القوة المادية وحدها لا تكفي للسيطرة الطويلة، ولذلك تلجأ أحيانًا إلى استدعاء الشرعية الدينية من أجل تحويل الطاعة السياسية إلى واجب ديني.
وعبر التاريخ، استُخدم الدين أحيانًا:
- لتبرير الاستبداد والاستئثار بالسلطة.
- لتبرير الاستئثار بالثروة.
- لإضفاء القناعة بالقهر والفقر.
- لإخماد المعارضة.
- لتكريس الامتيازات الطبقية.
- لتبرير الاحتلال والحروب.
- لإضفاء الشرعية على العنف الاجتماعي.
- لتحليل انحرافات ﻻ يوافق عليها الدين.
وقد تناول عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر العلاقة المعقدة بين السلطة والشرعية، موضحًا أن السلطة تحتاج دائمًا إلى غطاء رمزي وأخلاقي كي تستمر، والدين كان — ولا يزال — أحد أقوى مصادر هذه الشرعية.
لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الدين خادمًا للسلطة بدل أن يكون رقيبًا أخلاقيًا عليها.
الفرق بين الدين والتدين
من الأخطاء الفكرية الشائعة الخلط بين الدين بوصفه نصًا ومبدأً وقيمة، وبين التدين بوصفه ممارسة بشرية قابلة للخطأ والانحراف.
فالدين في جوهره يكون دعوة إلى الرحمة، لكن المتدين قد يمارس القسوة.
والدين قد يدعو إلى العدل، بينما يستخدمه البعض لتبرير الظلم.
والدين قد يحرّم سفك الدماء، بينما تُراق الدماء باسمه.
وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ لأن كثيرًا من الانتقادات التي تُوجَّه إلى الأديان هي في حقيقتها انتقادات لسلوك البشر، لا لجوهر الرسالات نفسها.
فالإنسان لا يفسد الدين فقط حين يرفضه، بل قد يفسده أيضًا حين يحتكره، أو يتاجر به، أو يستخدمه سلّمًا لمصالحه الشخصية.
والأخطر أن البعض يُقيِّمُون الأديان من خلال سلوكيات التابعين لهذه الأديان، فاليهودية ﻻ يمكن تقييمها من خلال سلوكيات اليهود، والمسيحية ﻻ يمكن تقييمها من خلال سلوكيات المسيحيين ، وكذلك الإسلام ﻻ يمكن تقييه من خلال سلوكيات المسلمين.
إذا انحرفت سلوكيات التابعين للأديان عن جوهر أديانهم، فهذا ليس انحرافا للأديان ذاتها، بل هو انحراف للتابعين لهذه الأديان.
استعادة البعد الأخلاقي للدين
إن الخروج من أزمة “تدنيس المقدس” لا يكون بمحاربة الدين، وإنما بتحريره من الاستغلال البشري. فالمشكلة ليست في وجود المقدس، بل في تحويله إلى أداة دنيوية.
ولذلك فإن استعادة الوظيفة الحقيقية للدين تقتضي:
- إعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية فوق الشعارات الطائفية.
- الفصل بين قداسة النص وعصمة التفسير البشري.
- تعزيز التفكير النقدي الذي يمنع احتكار الحقيقة.
- ترسيخ قيمة الإنسان بوصفه الغاية الأساسية للأديان.
- مقاومة توظيف الدين في مشاريع العنف والكراهية.
فالدين الحقيقي لا يجعل الإنسان أكثر تعطشًا للدم، بل أكثر قدرة على الرحمة.
الدين الحقيقي يجعل الإنسان متحكما في غرائزه وشهواته، وليست هي المتحكمة فيه.
ولا يجعله أكثر استعلاءً، بل أكثر تواضعًا.
ولا يحوله إلى جلاد باسم السماء، بل إلى إنسان أكثر وعيًا بضعفه ومسؤوليته الأخلاقية.
خاتمة
إن أعظم المآسي الحضارية ليست أن يرتكب الإنسان الشر، بل أن يمنحه صفة القداسة. فحين يتحول الدين من قوة تهذيب إلى وسيلة تعبئة، ومن مشروع أخلاقي إلى أداة صراع، فإن الإنسان لا يسيء إلى الآخر فقط، بل يسيء إلى المقدس ذاته.
لقد جاءت الأديان لتُحرر الإنسان من عبودية الهوى، لكن الإنسان — في كثير من لحظات التاريخ — أعاد توظيفها لخدمة الهوى نفسه. وهنا تكمن المفارقة القاسية: أن يصبح ما أُنزل لإنقاذ الإنسان وسيلةً يستخدمها لإهلاك أخيه الإنسان، بل وإهلاك نفسه أيضا.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا ما دام هناك وعيٌ يميز بين نور الرسالة وظلام التوظيف البشري، وبين قداسة القيم ونزوات الذين يتاجرون بها. فالأديان لا تُدان بانحراف أتباعها، كما أن الشمس لا تُلام إذا استخدم أحدهم نورها ليرى طريق الجريمة.
فاليهود والمسيحيون والمسلمون بانحرافهم يدينون أنفسهم، وﻻ يدينون اليهودية، وﻻ المسيحية، ولا الإسلام.
إن المشكلة الأبدية لم تكن يومًا في السماء، بل في الإنسان الذي يحاول دائمًا أن يجعل السماء تتحدث بلسان رغباته وتقدم بنصوصها تبريرا لكل جرائمه على الأرض.
إن أخطر ما فعله الإنسان بالأديان عبر التاريخ، أنه لم يكتفِ بمخالفة تعاليمها، بل نجح أحيانًا في استخدام نصوصها ورموزها وقداستها لتبرير ما يتناقض جذريًا مع جوهرها الأخلاقي. فبدل أن تكون الأديان قوةً لكبح الجشع والعنف، تحولت — في بعض المراحل — إلى غطاء يمنح الطامعين شرعية روحية، ويُلبس المصالح السياسية والاقتصادية ثوب “الإرادة الإلهية”.
***
المراجع
- العنف والمقدس — رينيه جيرار.
- جينالوجيا الأخلاق — فريدريش نيتشه.
- الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية — ماكس فيبر.
- مستقبل وهم — سيغموند فرويد.
- الدين في حدود مجرد العقل — إيمانويل كانط.
- شروط النهضة — مالك بن نبي.
- الظاهرة الدينية — محمد عبد الله دراز.
- القرآن الكريم.
- الكتاب المقدس: العهد القديم والعهد الجديد



