سجلوا عندكم

نافذة

Views: 79

د. جان توما

تتكوّرُ النافذة كما يتكوّر العمر؛ حنية وركام حجارة في مواجهة غروب الزمن. تحكي لك الأغصان العتيقة حكايات ما مضى، ولا تكفّ أوراقها عن سرد روايات الفصول الأربعة. حنّتِ السّماء إلى تراب الأرض، فلبست رداءها المعجوق بالألوان فيما المساءات تتوالى بعد الأصابيح المتفجرّة نورًا على نور.

يا للندوب الخجلى الطالعة من أرض متوتّرة الأعصاب، تطلع منها شرايين شجرة تفضح هشاشة التّراب. تشتهي شتاءً ماطرًا كي تعيد دورة الحياة، ولا تخاف من مواجهة شمس الصّيف تجهيزًا لمسام البراعم المتفتّحة في أوّل مطرة، وأوّل شتوة، وأوّل حبة دمع.

ترسم الألوان في الأفقِ شالَ الرّحيل، وتؤدّي تموجّات الغيوم نشيدَ السّفر. هكذا تمضي السّنونو في أيلول حاملة أجنحتها في اتجاه النسائم قبل انفجار الأنواء، وهبوب أشواق العواصف بحثًا عن سكونٍ لا تقع عليه إلّا في حقائب الإبحارِ من ميناءٍ إلى أرصفة بحريّة، عسى أن تقودك حركة الطيران بأجنحتك المتكسّرة إلى مرابع الضوء ومعارج النور.

هناك في المكان البعيد تبحث عن الوجوه الأليفة، فيندر وقوعك عليها. ترحل الملامح مع تبدّل الفصول، ترسمها في ذاكرتك كما ترسم النوافذ شكل المطر حين يصطدم بها أَنِسًا، ومؤنسًا صمت البلّور في وحدته، وفي عبور الريح مطارح الشبابيك المشرّعة في وجه الدنيا أُلفة سهر، ونشر قصائد الشّوق على حبل غسيلٍ الأمّهات.

ارفع شباكك ولو تهدّمت حيطانك، فهو كوّة الأمل في مسرى الحياة. انظر إلى البعيد فقد أصبح قريبًا، لأنّ مراكب أيامك غابرت البَرّ، وغامرت البحر، واعتمرت الجوّ، فما عادت الدنيا تكفيك، وما عاد البحر الواسع يرضيك.

***

*الصورة للفنان جاك أرتو- بلدة إجبع.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *