فيروز الوطن
د. إبراهيم شلبي – مصر
جلس النائب يوسف في مكتبه بمجلس النواب مستغرقاً في مراجعة مشروع قانون جديد رن هاتفه وظهر إسم مرافق صديقه فؤاد. إنقبض صدره ورد على المكالمة ليسمع الخبر الحزين بأن فؤاد قد توفاه الله منذ قليل. كان فؤاد صديق عمره وجار الطفولة ورفيق الدراسة. تمالك يوسف نفسه وأجرى عدة إتصالات هاتفية لإعداد الترتيبات اللازمة لصلاة الجنازة في كنيسة مار إلياس والدفن في مقابر العائلة في أنطلياس. فليس لفؤاد أحد سواه. توفيت زوجته وإبنه الوحيد في البرازيل وليس له أقارب باقون في لبنان.
وصل يوسف إلى كنيسة مار إلياس، وتوجه مباشرةً إلى نعش فؤاد الذي سجي في صحن الكنيسة أمام الهيكل، ووقف أمامه وقد عصفت به المشاعر. وبعد صلاة قصيرة في وجود عدد محدود من المشيعين ، حُمل النعش إلى مقابر الروم الأرثوذكس في أنطلياس. بعد الدفن، وقف يوسف وحيدًا أمام قبر صديق عمره وقد انسكبت دموعه وهو يناجيه في سرّه. ثمّ ودّعه واستدار متوجهًا نحو باب الخروج، وبينما هو يجول ببصره عبر شواهد القبور المجاورة توقفت نظراته على قبر يحمل إسم عاصي الرحباني. وعندما قرأ التاريخ المكتوب على الشاهد : 21 حزيران/ يونيو 1986 قفزت إلى ذاكرته لمحات من يومٍ يعتبره من أعظم الأيام في تاريخ لبنان، كان وقتها شابًا والحرب الأهلية في لبنان في أوج لهيبها. يذكر كيف سُجّي جثمان عاصي الرحباني في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت الغربية، في انتظار إنجاز معاملات إخراجه من المستشفى ليُدفن في مسقط رأسه بمدينة أنطلياس في بيروت الشرقية، ونَقل الجثمان يتطلب عبور الخط الأخضر الذي كان يفصل بين القوات المتناحرة، ما بين شرق بيروت وغربها. وفي تصرف عفوي نبيل طَرحت جميع الفصائل أسلحتها، وتوقفت أصوات طلقات الرصاص والمدافع، وأُعلنت هدنة مؤقتة، فأُزيلت السواتر الترابية وفُتحت المعابر، ووقف الجنود من جميع الطوائف بخشوع واحترام على جانبي الطريق الذي مرت بها الجنازة وقد تقدمتها السيدة فيروز وعائلة الرحباني والمحبين، لتشييع كبير الرحابنة.
تقدم يوسف نحو قبر عاصي الرحباني وناجاه قائلاً : “رحمك الله يا أبا زياد، فقد وحدت جنازتك اللبنانيين بجميع أطيافهم. أين نحن اليوم من تلك الروح التي جمعت بين القلوب وأعادت إليها الإحساس بكل شيء جميل يجمع بينها”.
تهيّأ له أنّه يسمع صوت عاصي وهو يخبره عن فيروز وما قاله عن صوتها الشاعر جورج جرداق وهو أن به يأخذ الوطن ملامحه الإنسانية التي لا يقوم إلا بها؛ مضيفًا أنّ الإنسانية هي الملمح الأساسي لشعبنا، وأنّهم كانوا – هو ومنصور وفيروز – يفهمون ذلك جيدًا، ويعملون على هذا الأساس. وكأنه سمعه يقول : كنا نحب كل شيء في لبنان.. نحب التلال والشجّر، نحب الأرض والفلاح الذي يزرعها، نحب الشتاء والعاصفة والريح … استحضرنا الإحساس الكامن في قلوب اللبنانيين… ربطناه بالقمر والبحر والتلال وطيرالوروار، وعصفور الجناين، وطريق النحل. جعلناهم يتذوقون ويرددون أشعار الصمة القشيري و صدرالدين بن الوكيل وعمر ابن ابي ربيعة وابن سناء الملك.. وأبو نواس وجبران وأحمد شوقي.
إمتلأت عينا يوسف بالدموع وقال لنفسه: “نحن وطن جميل يسكن الجمال في أرواح قاطنيه. أين اختفى هذا الجمال؟” وراوده الجواب، بشكل تلقائي، في بيت من قصيدة هذه ليلتي لجورج جرداق، التي غنتها أم كلثوم من ألحان محمد عبد الوهاب : نحن الآن نعيش فى بحار تئن فيها الرياح .. ضاع فيها المجداف والملاح.” إبتسم يوسف إبتسامة مريرة وهو يفكر : ” بالفعل.. كثيراً ما أشعر بأنني ملاح ضائع من فرط الإحباط. ولكن المشكلة ليست في الملاح ، فأمهر ملاح لا يستطيع قيادة قارب بلا مجاديف. والمجداف هو الشعب. وقد ضاع لأنه أضاع حسه بالجمال. أين الثقافة الآن ؟ أين الفن الآن ؟ الثقافة والفن هما أكسير الجمال الذي يجب أن يتناوله الشعب ليحافظ على هويته وموضع قوته. ليعود لبنان الحقيقي بلا سياسة ولا مؤامرات ولا حروب. ولعلّ ما حدث في جنازة عاصي الرحباني هو أصدق دليل عليه. ولكن ألا يفيق الشعب إلا بجنازة؟”
وفجأة لمعت عينا يوسف وقال في نفسه وعلى وجهه إبتسامة أمل: كيف لا يفيقون ولدينا فيروز جارة القمر؟ وسفيرتنا إلى النجوم والعمود السابع لبعلبك. هي أسطورة العرب، وياسمينة الشام ، وعصفورة الشرق وسيدة الصباح. هي صوت الأوطان وملكة الغناء العربي. غنت لمكّة والقدس، ورنمت منشدةً آلام المسيح. فيروز ارتحل صوتها من مسقط رأسها في زقاق البلاط إلى كل لبنان مردّداً احكيلي عن بلدي، ولبيروت، ووطني، وبحبك يا لبنان. وفي زحلة عروس البقاع غنى يا جارة الوادي. وأنار مهرجانات بعلبك الدولية فرددت أعمدتها أصداء أغنية: بعلبك أنا شمعة على دراجك، وردة على سياجك، أنا نقطة زيت بسراجك وفي المتن ارتفعت أغنيتها هالله هالله يا تراب عينطورة. ومرت على جسر اللوزية في سرجبال الشوفية وغنت له، وفي بيت الدين ردد الناس خلفها مع أغنية في قهوة عالمفرق: بتخلص الدني وما في غيرك يا وطني. وفي دير القمر جايب لي سلام، وسني عن سني. وفي قضاء البترون صدحت بأغنية عَ هدير البوسطة من ضيعة حملايا لضيعة تنورين..وردد معها أهل الشمال أغنية ليالي الشمال الحزينة. كما تردد صدى صوتها في وديان إهدن وبشرّي وهو يشدو وحدن بيبقو متل زهر البيلسان، ويا رايحين التلج، وسكن الليل، وأعطني الناي وغنِّ.
انتبه يوسف من غفلته، وعاد يفكّر بصديقه فؤاد ويبثّه شكواه قائلًا: “آه يا فؤاد… لو أجمع الناس على حب الوطن كما أحبوا فيروز لربحنا الوطن.”
وفي طريق العودة أخرج يوسف دفتراً وأخذ يرسم مخططاً لتصميم نصب تذكاري لتخليد فيروز، يطل على البحر من على حافة الجبل وسط أشجار الأرز، يضم تمثالاً ضخماً لها وسط قوس من ثلاثة أعمدة كأعمدة بعلبك تحيط به من كل جانب، وعلى يمين القوس مئذنة مسجد، وعلى يساره برج كنيسة، وخلف التمثال شعلة لا تنطفئ. وأمام النصب ساحة واسعة يجتمع فيها محبو فيروز، تصدح بأغانيها على مدار اليوم ليلاً نهاراً. وقرر يوسف عرض الفكرة على مجلس النواب لإعتمادها، وطرح اكتتاب عالمي لتمويل المشروع يساهم فيه محبو فيروز في كل مكان. وانهمرت دمعة من عينه وهو يتخيل السيدة فيروز وهي ترفع الستار بنفسها عن تمثالها في ليلة إكتمل فيها القمر وأُشعلت الشعلة التي لا تنطفئ. وقد أضيء الجبل بالقناديل. وتجمع اللبنانيون في الساحة وفي كل مكان ينشدون معاً:
بحبك يا لبنان .. يا وطني بحبك.




