لتلك الأيام…
د. جان توما
تبقى جوّالًا في سوق الميناء القديم متفقدًا الوجوه الباقية على عفويتها، حيث تجلس عند الإسكافيّ مستمعًا وملتقطًا إشارات الحكايا من فمّ الداخلين إلى الدكان بهموم، والخارجين بفرح، لأنً شكل الحذاء استوى ولم يعد من حاجة لجديد.
كما تدخل على الفوّال حيث يناديك الرغيف المتلوي من الحرارة لتلتهمه فرحًا، فتلتقط إشارات روايات البحارة، ومواقف الأطفال الذين يحملون طاسات فارغة لتعبئتها بقصعة حمص أو فتة أو ما شابه.
هذه الجلسات أوتار، تلعب عليها ذكريات ترسم بشوقها وجوهًا تركت آثارها في البال، لتعزف في الخاطر آلاف الإيقاعات، كما في دعوة الفوّال عازف البزق العابر إلى لقمة طيّبة، فيرافق الزبائن بعزفه طربًا، فتتراقص اللقمة في أفواهم جزلى، فيما أنامل العازف تضيع بين زيت الصحن أمامه وانسياب لحن وتر الآلة.
يذكرك هذا المشهد بجلسات السبعينيات، على نهر المرداشية ، حيث ما كانت تستقيم اللقمة طيبة، إلًا مع ضرير عازف على العود، يشبع الجوّ طربًا وسط طبيعة غنّاء.
وتكتمل سلسلة العازفين مع العوّاد الضرير أيضًا، صاحب النكتة الحاضرة في مطعم شمشوم بالميناء، في الستينيات، حيث يتوقّف الزّمان الواقعيّ عند الزمن الإيقاعيّ المُطْرِب في التراث الشعبيّ، فيما الدنيا خارجًا تدور لغيرهم، وهم يغنون مع نجاة الصغيرة من كلمات الأخوين رحباني وألحانهما: “دوارين في الشوارع، دوارين في الحارات ،يا شباكهم ياللي ضايع، من عيني سلامات، والله والله سلامات.”… لتلك الأيام.




