الأسئلة البسيطة
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية
مع الفلسفة اليونانية، عاش الناس قرونا طويلة، وهم يعتقدون وهم الفلسفة اليونانية، في تعقيداتها، لا بساطتها وعفويتها.
وكان الفلاسفة المسلون في العصور الوسطى، من أوائل الشراح للفلسفة اليونانية. حاولوا أن يحلوا تعقيداتها، فأدخلوا عليها عقدا جديدة. وما زلنا حتى اليوم نعاني، من شرح إبن سينا والفارابي وإبن رشد، لفلسفة المعلمين اليونانيين الكبار: سقراط وأفلاطون وأرسطو. وقد تجاوزوا، فلاسفة اليونان الآخرين، الذين كانوا في حكم المعارضين لفلسفتهم.
الدكتور ربيع الأتات، في كتابه: “عن طبيعة الأفكار والأشياء( في الفلسفة اليونانية والعصر الوسيط. تقديم ومراجعة د. باسل الزين. دار نلسن. بيروت.2022: 200 ص. تقريبا”، إنما يمهد لإعادة النظر، في قراءة التراث الفلسفي عند اليونان، وعدم إهمال فلسفة المعارضين اليونانيين، التي كانت تشتمل على كثير من الدروس في الحكمة والتأمل والمعرفة والمقارنة. بالإضافة إلى علوم المنطق والقياس.
إلى ذلك يشير د. باسل الزين، على ظهر غلاف الكتاب، مستلا من مقدمته. ومما يقوله في هذا الشأن:
( إن إنعقاد القول على المعيش الفلسفي،لا يعني إختزالا أو تبسيطا أو تهميشا. بقدر ما يشير إلى إفتراع سبل قول جديدة بالتمام، ما تعتم أن تنكش في تربة السال الفلسفي، وتخرج بإستلهامات جديدة وغير مطروقة.
إلى ذلك، يشكل السرد الفلسفي التاريخي، إذ ما تم تناوله في سياق إشكالي، فعل تفلسف، ومناط تصور، وحركية إبداع. ذلك بأن القراءة المغايرة، وإعادة نبش إشكاليات طمست، هو عين البحث الفلسفي.
من هنا يتابع د. الزين قائلا: ” كان كتاب عن طبيعة الأفكار والأشياء. ألحق إن مؤلفه لم يسع من خلال كتابته إلى إستجلاء ملامح فلسفة خاصة به. ولا إلى رصد إجابات لمسائل تعوزها الإجابة. بل كمن هدفه في التوقف مطولا عند الحقبة اليونانية والعصور الوسطى.”
كتاب د. ربيع الأتات، ” عن طبيعة الأشياء والأفكار، في الفلسفة اليونانية والعصر الوسيط، إنما يشتمل على مقدمة وضعها له د. باسل الزين، كما يشتمل على موضوعين أساسيين:
1- ما هو الشيء.
2- العصور الوسطى( القرن الخامس، إلى القرن الرابع عشر).

يتحدث أولا، عن العدم الفلسفي، إجابة على سؤال: ماهو اللاشيء. ثم يجيب على سؤال آخر: ما هي الفلسفة. ثم تتوالى الأسئلة الفلسفية البسيطة: هل تصبح الفلسفة عقيدة بدورها. ولماذا الإغريق، ولماذ أثينا، وماهي مصادر الفلسفة اليونانية. ومن هم الفلاسفة قبل سقراط، وهل كان هؤلاء الفلسفة الذين سبقوا سقراط الحكيم، ملهمين ومستنيرين.؟
وفي القسم الثاني، يتحدث الباحث، عما أسماه العالم الجديد: اي العالمية المسيحية. كما يتحدث، عن موضوعات اخرى، كثيرة الأهمية، مثل الإيمان والمعرفة، ومثل خطيئة العلم، وما إذا كان هناك وجهان للحقيقة.
ثم يتابع بحثه عما قال عنه: التفكير بالله.التحدي الفلسفي. وعن “سكوت”: الذي يقول: نفكر. وعن إعادة فهم طبيعة الأشياء.
ثم نراه يتابع فلسفة سكوت أريجينا(877- 815) ق. م. الذي قام بتقسيم الطبيعة. متابعا الأسئلة البسيطة: من هو الله على العرش. وهل الافكار أبدية أم مخلوقة. وهل الله وحده بلا حدود.
وفي نواحي بحثه الأخرى، هناك إطلالات على “فلسفة أبيلارد” المأساوي. وعلى الحركة المدرسية. كما يستمع إلى الأسئلة والاجوبة التي شكلت هاجسا عظيما، عند توماس الأكويني.
وينطلق الباحث متابعا إلتقاط الإجابات اليونانية البسيطة ، عن البراهين الخمسة على وجود الله. وعن المجموع اللاهوتي. وعن الإسلام، وما إذا كان قد بلغ عالمية جديدة.
ثم يتابع: في أن القرآن عربي. وفي أن المجتمع جيد. وأي مجتمع هو. كذلك يتحدث في خاتم النبوة. وما إذا كان بإمكاننا أن نفكر باليونانية، إذا كتبنا بالعربية.
ويقف الباحث في خواتيم كتابه على:
أن الحقيقة تقود لعبة مزدوجة. وعن طبقات المعنى. وما الحرية في وجه القدر. وما إذا كان المفكرون أحرارا في الإسلام.
ويتوقف عند ثلاثة مفكرين مسلمين كبار: إبن سينا، الذي إعتبره عملاق العقل. وإبن رشد، بإعتباره عملاقا آخر في الفلسفة الإسلامية. وعند إبن خلدون، الذي إعتبره الشعلة الأخيرة.
يقول الباحث باسطا بعضا من الأسئلة البسيطة، وذلك تحت عنوان: “آخر إنفجار وثني: أفلوطين وأفلاطونية حديثة- ص143”:
( لدى الفلاسفة ما قبل سقراط، حصل تصادم بين عملاقين من الفلاسفة: بارمنديس وهيراقليطس. أدخل الإغريق في مرحلة من الشكوكية والفراغ. مما هدد بنية الحضارة. خطا سقراط في هذة اللحظة نحو إعادة السلام والرصانة في الفكر النظري. حيث حول الإنتباه من البحث عن الحقيقة الأساسية إلى الإنسان. مراحل الشكوكية: الفراغ يحدث بطريقة منتظمة ودورية في الفكر الغربي، كما يحصل في يومنا هذا).




