سجلوا عندكم

“ثلاثة مقالات في الفكر الأوروبي” جديد وليد نويهض 

Views: 496

“ثلاثة مقالات في الفكر الأوروبي” كتاب جديد لوليد نويهض  صدر عنأوراق للتراث والأبحاث ش.م.م. AWRAK for Heritage & Research و دار نلسن. في ما يلي مقدمة الكتاب: 

 

 

 

يحاول كتاب “ثلاثة مقالات في الفكر الأوروبي” دراسة تطوّر الفلسفة المعاصرة في قارة شهدت اضطرابات وانقسامات بدأت في الكنيسة (الدين) في القرن الخامس عشر وتعايشت مع اكتشافات (السفينة) واختراعات (آلة الطباعة) ومنظومات فلكية وسياسية واقتصادية أسهمت في دفع آليات التفكر إلى مستوى تجاوز تلك المقولات المتوارثة من عهد اليونان. فالكتاب يتحدّث عن تاريخ التطوّر ودور “النخبة” في إنتاج فلسفة تردّ على الحاجة وما يفرضه الواقع من قراءات تحاول الإجابة عن أسئلة مطروحة كان من الصعب الدخول إلى مناطقها المحرّمة لو لم تساعد الظروف والتحوّلات في الدفع نحو خوض غمارها.

* * * * *

يتحدّث المقال الأول عن “صعود انكلترا إلى القمة” والأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي دفعتها إلى الصعود. فالمسألة لم تكن مصادفةً بقدر ما كانت نتاج تحوّلات وانقسامات وحروب وانقلابات وتسويات سياسية لعبت فيها “النخبة” دور الضابط والرقيب والشريك.

لقد ارتبطت المتغيّرات بالمعرفة التي جاءت لتردّ على الحاجات وما أفرزته الاكتشافات الجغرافية والاختراعات التقنية من معطيات ساعدت على تجاوز الأزمات التي عصفت بالجزيرة منذ القرن الخامس عشر، وأدّت إلى تعديل خريطة الطرق التجارية ودور الكنيسة وموقع الدولة.

أسهمت هذه التطورات في إعطاء فرصة للنخبة في لعب وظيفة سياسية – معرفية تخطّت الحدود المرسومة والمتعارف عليها في العهود السابقة. فالاكتشافات الجغرافية (كريستوف كولومبوس) والاختراعات (يوهان غوتنبرغ) والاحتجاجات الكنسية (مارتن لوثر) اجتمعت روافدها (السفينة والطابعة والكتاب المقدس) لتشكل قوّة ضغط ورافعة للتقدم التاريخي.

بسبب هذه الإنجازات أخذت أوروبا تكتشف هويّتها الجديدة وبدأت “النخبة” تتحرّك في دائرة تتمتّع بقليل من المرونة ما شجّع على نمو توجهات تطالب بالإصلاح والتغيير بتشجيع من سلطات وأمراء وأُسر سياسية اتّجهت نحو مكان لا يتوافق بالضرورة مع هيمنة الكنيسة البابوية.

لم تكن الخطوات مدبرة ومرسومة سلفًا، بل جاءت عفويّة وطبيعيّة وتراكمت زمنيًّا خطوة خطوة حتى كان الانشقاق الكبير في الكنيسة وما تمثّله من رمزيّة مقدّسة.

ترافق تحطيم الهيكل مع قراءات فلكيّة لحركة الكواكب ودوران الأرض ومركزيّة الشمس وتصحيح إشارات البوصلة وتوضيح معالم ملاحة السفينة التي أبحرت وعبَرت مخاوف “بحر الظلمات” حتى وصلت إلى أراضٍ بعيدة لم تكن معروفة عند علماء “العالم القديم”.

أعطت اكتشافات ما وراء بحر الظلمات فرصة لإعادة قراءة معرفة استقرّت منذ عهد اليونان والرومان على مقولات تجاوزها الزمن. وتشجّعت “النخبة” الصاعدة في كسر محرّمات كان من الصعب التجرّؤ على المساس بها لو لم يكن هناك مصلحة للسلطات الجديدة في دعمها بهدف تعزيز نزعة الاستقلال عن الكنيسة.

بدأ التمرّد في الأديرة، لكنّه سرعان ما انتشر بسرعة في شمال وغرب أوروبا وأخذت الممالك والعائلات السياسية تتجاوب معه لأخذ مسافة عن ظلال مظلّة البابا وما تمثّله من إشراف مقدّس على حياة الدويلات وشؤونها اليومية. وهذا ما حصل بداية في انكلترا، حين أعلن الملك هنري الثامن انشقاقه عن كنيسة روما في عام 1533. ومنذ تلك اللحظة دخلت انكلترا عصرها الجديد لتبدأ رحلة تاريخيّة انعطافيّة في تقلّباتها وتعرّجاتها.

شجّعت خطوات الاضطراب وثمّ الاستقرار وثمّ الاضطراب وثمّ الاستقرار على توليد “نخبة” غير متجانسة في أفكارها وتطلعاتها وطموحاتها ورؤيتها لمختلف شؤون الحياة. كل فريق نظر إلى المسائل من مكانه، واختلف كل فريق مع الآخر في وقت كانت “الدولة” انتزعت استقلالها وأخذت تعيد تشكيل حاجاتها بعيدًا عن سلطة البابا، إلى أن نجحت خلال فترة 166 سنة من النمو في الانتقال من الطور الأدنى إلى الأعلى وصولًا إلى قمة قيادة أوروبا والعالم. كيف حصل الأمر؟ وما هو دور النخبة الإنكليزيّة؟ هذا ما سيحاول المقال الأوّل الإجابة عنه.

يتحدّث المقال الثاني عن “ثنائيات كانط” ودور فلسفة المدرسة النقدية في إثارة أسئلة ذهنيّة بشأن أسباب التقدّم في وقت كانت ألمانيا لا تزال تعيش عصر الانقسامات الطائفية والمذهبية التي تولّدت خلال الحروب الأهلية (حرب الثلاثين عامًا) وتقوننت في اتفاق وستفاليا الذي أقرّ نظام المحاصصة وأخّر نشوء دولة حديثة على غرار ما حصل في إنكلترا.

لعب كانط في هذه المحطة التاريخية دور الناقد لما هو قائم وما يجب أن يكون، لذلك أبدى إعجابه بالفلسفة الإنكليزية وجنوحها نحو الواقعية والتجريبيّة (ديفيد هيوم) وما تنتجه من تصورات عن عالم المثل والقيم الإنسانية. 

برأي كانط أنّ النزعة التجريبية تساعد العقل على التخلّص من خرافات متوارثة وتسقط الكثير من التكهّنات عن عالم الغيب، إلّا أنّها ليست كافية لتقديم أجوبة عن أسئلة تحتاج إلى معرفة من نوع آخر تتجاوز الاستعمال الاعتباري للعقل الذي يميل دائمًا إلى الاندفاع و”تخطي الاستعمال التجريبي” ويغامر نحو الاتجاه لكسر كل الحدود القصوى لكل معرفة.

أحدثت فلسفة كانط ما يشبه الانقلاب في التفكير المثالي الألماني إلّا أنّها وقعت في مطبّ منهجي حين أكدت على عدم حاجة العقل إلى آلة تفكير للتفلسف. ودفع هذا النقص في التفكر المنهجي هيغل إلى تأسيس آليّة جدليّة (ديالكتيكيّة) تبرمج الأفكار في سياق يقرأ الوقائع في إطار مرسوم يعتمد مبدأ التناقض وما ينتجه من مقولات.

استعمل هيغل أسلوب التحطيم في نقده للمدرسة النقدية، فهو من جانب قوّض فلسفة كانط التي تدعو إلى التفلسف من دون حاجة إلى منهج للتفكير وهو أيضًا انتقد إعجاب كانط بالفلسفة الإنكليزية التجريبية واتّهمه بأنّه يشجّع على توليد النزعة المادية في التفكير ويعطّل إمكانات ولادة مدرسة مثالية تعيد للعقل اعتباره الخاص والمستقل.

لم تكن ملاحظات هيغل ومخاوفه من نمو تيار الفلسفة المادية بعيدة عن الواقع، إذ سرعان ما أنتج التطور (الصناعي – التقني) تصورات أكثر واقعية في تلمّس حاجات الإنسان الأرضية البعيدة عن السماء. وهذا ما ظهرت إرهاصاته مع المدارس الاشتراكية والمذاهب النفعيّة التي تبلورت رويدًا إلى أن وصلت إلى قمّتها الماركسية.

يتحدّث المقال الثالث مطوّلًا عن “المفهوم المادي للتاريخ” في اعتبار أنّ وظيفة الماركسيّة لم تقتصر على التفلسف وإنما دعت إلى التغيير. وبسبب نزعة فلسفتها إلى التغيير عاشت الماركسية أكثر من غيرها وتطوّرت وتفرّعت إلى أن تمزّقت إلى قراءات واجتهادات.

كانت الماركسيّة في طبعتها الأولى ابنة زمنها ومحيطها وظروفها. وبسبب غموض فكرتها عن “المفهوم المادي” تشعّبت طرق تعاملها مع تعقيدات الواقع ودور الدِين في صنع الوعي وإعادة إنتاجه بما يتناسب مع حاجات المتغيّرات.

أسهم غموض الجانب المادي في فلسفة الماركسية في نمو تأويلات افترضت وجودها في منهج الثنائي ماركس – إنغلز وأخذت بإنتاج مقولات مفبركة أسقطتها على الثنائي من دون مبرر. فهذا الثنائي الماركسي لم يستخدم بوضوح قاطع مفهوم “المادية الديالكتيكيّة” كذلك لم يهتم كثيرًا ببلورة منهجيّة “الماديّة التاريخيّة” بسبب انشغاله في النشاط السياسي ومهمة التغيير من خلال الردّ على اجتهادات قالت بها مدارس إشتراكية أو مذاهب في الاقتصاد السياسي أو تفسيرات لنشوء الكون والإنسان أخذت تتبلور في ألمانيا وفرنسا وإنكلترا. فالثنائي اهتمّ بالردود وصدرت في كتب سجاليّة تعارض وتناقش وتدحض من دون أن تتوصّل إلى صيغة نهائيّة تحدّد الأطر الأخيرة للتفكير.

كانت الماركسيّة فلسفة مفتوحة على احتمالات وتأويلات، وهي لم تستخدم في طبعتها الأولى مقولات “الماديّة الديالكتيكيّة” و”الماديّة التاريخيّة” بل تركت ضفافها الآلية غير مستقرة على نهايات منهجيّة محدّدة في إطارات مبرمجة تشير مدرسيًّا إلى هذا القانون الثابت في قراءة الزمن ونشوء الكون والإنسان.

بسبب هذا الغموض اضطر المقال الثالث إلى متابعة تطورات “الماركسيّة” الفلسفيّة إلى ما بعد رحيل الثنائي ونهوض قراءات وتأويلات وافتراضات تحاول كل مدرسة أن تفسّر النقص أو تسدّه على طريقتها ووفق أسلوب لا يتوافق بالضرورة مع الأصول الأولى للماركسيّة. وحتى تكون الفكرة واضحة في منهجها كان لا بدّ من إيجازها في أسئلة صغيرة وأجوبة سريعة قبل البدء في دخول الموضوع في تفاصيله وعثراته وتصوّراته الميدانيّة أو الفلسفيّة.

لهذه الأسباب جاءت المقالات في سياقات سرديّة – استعراضيّة تحاول قراءة التحوّلات في إطار تاريخي ومن خلال متابعة نصوص “النخبة” وما أفرزته من اجتهادات وتأويلات وافتراضات اعتقدت أنّها كافية للردّ على أسئلة معاصرة أنتجتها انقلابات زمنيّة امتدت على أربعة قرون.

كانون الثاني/يناير 2018 

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *