سجلوا عندكم

لبنان… حين تُختطف الدولة باسم “العائلة” ويُدار الوطن بمنطق المحسوبية

Views: 990

د. زهير علامة

في لبنان، لم يعد الفساد خبرًا طارئًا ولا “حالة شاذّة” تستدعي تحقيقًا عابرًا. صار الفساد أسلوب حكم، وصار المواطن يتعلّم يومًا بعد يوم أن الدولة ليست مؤسسة عامة، بل غنيمة تُقسَّم، ومزرعة تُدار، وباب رزق يُفتح لمن “له ظهر”، ويُغلق في وجه من لا يملك سوى كفاءته وكرامته.

وسط هذا الانحدار، يبرز مرضٌ أخطر من كل الأرقام والتقارير: تعيين الأقارب والمحاسيب في المراكز الكبرى. هذا ليس تفصيلًا إداريًا، ولا “خطأً يمكن تصحيحه”. إنه جريمة سياسية وأخلاقية بحق فكرة الدولة نفسها. لأن الدولة حين تتحوّل إلى شجرة نسب، تسقط كرامة الناس قبل أن تسقط مؤسساتها.

منطق “القريب أولى”… حين يصبح المنصب إرثًا عائليًا

كيف يمكن لبلدٍ يصرخ من الانهيار أن يواصل تعيين المسؤولين وفق معيارٍ واحد: مَن ابن مَن؟ ومن صهر مَن؟ ومن قريب مَن؟

في أي دولة محترمة، تُعدّ القرابة من صاحب النفوذ تضاربَ مصالحٍ يستدعي التدقيق والمساءلة.

أمّا في لبنان، فقد صارت القرابة تذكرة دخول إلى المواقع الحساسة: إدارة، هيئة، مجلس، مؤسسة عامة، لجنة، استشارات، عقود… وكأن الدولة ملكية خاصة تتوارثها العائلات السياسية.

هنا تحديدًا تُقفل أبواب الأمل:

الشاب الكفوء يُقال له عمليًا: “تفوقك لا يكفي”.

الموظف الشريف يُفهَم أن النزاهة لا تحميه.

المواطن يُجبَر على الركوع لواسطة كي يحصل على حقّه.

وهكذا تُصنع دولة على قياس “القرابة”، لا على قياس الدستور.

المحسوبيات لا تسرق المال فقط… بل تسرق الدولة

السرقة ليست فقط أموالًا تُنهب. أخطر سرقة هي سرقة المعايير:

وظيفة تُسلب من صاحب كفاءة، لأن الوظيفة ليست للأفضل… بل للأقرب.

شراءٌ يُحجب لأن المناقصة مفصّلة.

قاضٍ يُحاصَر لأن حكمه لا يناسب “هذا السياسي اوذاك”.

وحين يصبح تعيين الأقارب والمحاسيب قاعدة، تكون الرسالة واضحة: اغتيال يومي للأمل، وتطبيعٌ مع العجز، وتعليمٌ غير مباشر للأجيال بأن النجاح لا يأتي بالعلم والعمل، بل بالولاء والقرابة.

هنا يبدأ الانهيار الحقيقي؛ لأن المؤسسة العامة لا تموت حين تُسرق خزنتها فقط، بل تموت حين يُقتل فيها مفهوم الكفاءة.

تعيين المحسوبين في المراكز الكبيرة يعني:

قرارًا إداريًا مشلولًا لأن المسؤول مدين لمن عيّنه، لا للمصلحة العامة.

صفقةً مفصّلة على قياس “الشلة”، لا على قياس الحاجة.

رقابةً مُفرَّغة من مضمونها لأن الرقيب قريب من المُراقَب.

محاسبةً مستحيلة لأن الشبكة واحدة: تدافع عن نفسها، وتخنق أي إصلاح.

إنه احتلال داخلي للدولة، بلا دبابة واحدة: احتلال بالقرابة والمحسوبية والولاء.

ومن حق المواطن أن يسأل، لا همسًا بل صراخًا:

لماذا يتكرر المشهد نفسه كل مرة: أسماء تدور في الفلك ذاته، تتنقّل بين مواقع، وتبدّل ألقابها، بينما البلد يغرق؟

هذه ليست “مصادفات”. هذا منهج:

تعيين قريب هنا، وتثبيت محسوب هناك، وتمديد لمقرّبٍ هنالك… ثم يأتونك بخطاب طويل عن الإصلاح والحوكمة!

أي حوكمة تُرجى من مؤسسة يرأسها شخصٌ بُني تعيينه على قربه من المرجعية نفسها التي يُفترض أن تخضع للمحاسبة؟

هذا هو منطق إسقاط الدولة: حين تتشابك المصالح الشخصية والحزبية والعائلية مع السلطة التنفيذية والتشريعية والإدارية، تتحوّل الدولة إلى شركة تعمل ضد المواطنين، لا لصالحهم.

كيف تسقط الكرامة؟

الكرامة لا تسقط فقط عندما يبلغ المواطن خط الفقر والجوع والعوز.

الكرامة تسقط عندما يرى المواطن أن أبواب الدولة تُفتح “بالنَّسب” وتُغلق “بالاستحقاق”.

الكرامة تسقط حين يصبح السؤال الطبيعي: “مع مَن أنت؟” بدل “ماذا تعرف؟ ما كفاءتك؟”.

الكرامة تسقط عندما يضطر المواطن أن يتوسّل خدمةً هي حقه، بينما آخر يحصل عليها فورًا لأنه “يعرف” فلانًا أو لأنه “من جماعتنا”.

وهكذا تصبح الدولة مدرسة لتعليم الذل:

ذلّ المراجعات

ذلّ الطوابير

ذلّ الاستنسابية

ذلّ الحاجة إلى “واسطة” من أجل أبسط حق

ثم يتساءلون لماذا يهاجر الشباب؟ كيف لا يهاجر من يرى وطنه يعلن رسميًا: القرابة أهم من الشهادة؟

أسطورة “الثقة” وذريعة “الظروف”

كلما طالب الناس بوقف المحسوبية، يخرجون بذريعة جاهزة: “نحتاج أشخاصًا نثق بهم”.

كأن الثقة لا تُبنى بالكفاءة والسيرة الذاتية والنزاهة، بل بالزبائنية والاستزلام والقرابة!

هذا تزوير للمعنى: الثقة في الدولة يجب أن تكون بالمؤسسة والقانون، لا بـ“ابن فلان” و“صهر فلان”.

ثم تأتي ذريعة “الظروف”: “البلد في أزمة ولا وقت للتفاصيل”.

أي تفاصيل؟ منع تعيين الأقارب والمحاسيب في المراكز الكبرى ليس تفصيلًا، بل الشرط الأول لبقاء الدولة. لأن الأزمة أصلًا نتاج هذا المنطق: تعيين غير الأكفّاء، تغطية الفشل، حماية الشبكات، وتمرير الصفقات.

التعيينات الكبيرة ليست كراسي… إنها مفاتيح الدولة

الوظائف العليا ليست “مناصب شرفية”. إنها مفاتيح:

من يوقّع؟

من يقرّر؟

من يضع دفتر الشروط؟

من يراقب التنفيذ؟

من يفتح الاعتمادات؟

من يطوي الملفات؟

عندما تضع هذه المفاتيح في يد قريب أو محسوب، فأنت لا تعيّنه موظفًا… بل تعيّنه حارسًا لمصالح المجموعة.

وحين تتكرر التعيينات نفسها، يصبح الفساد محميًا بنظام متكامل: يعيّن بعضه بعضًا، ويغطّي بعضه بعضًا، ويُقفل كل نافذة للمحاسبة.

المطلوب ليس شعارات… المطلوب كسر الحلقة

إذا كان لبنان يريد دولة لا مزرعة، فالحد الأدنى واضح ومباشر:

منع تعيين الأقارب والمحاسيب بما يخلق تضارب مصالح في المواقع الحساسة.

آليات تعيين شفافة: إعلان وظائف، معايير، مقابلات، نقاط، ونشر النتائج.

تدقيق مستقل في التعيينات والصفقات، لا لجان “من نفس العائلة السياسية”.

مبدأ واحد: من يثبت أنه جاء بالمحسوبيات يجب أن يخرج… لأن بقاءه يعني تشريع الفساد.

أما ترك المسألة لـ“الأعراف” و“التوافقات” فمعناه: استمرار الانهيار، وتوسيع شبكة المحسوبيات، ودفع البلد أكثر نحو دولة مشلولة بلا هيبة.

خاتمة: دولة الأقارب والمحاسيب… دولة ساقطة

الدولة التي تُدار بمنطق الأخت والأخ والصهر والابنة و“زلمتنا” ليست دولة.

هي نظام تحاصصي يرتدي بدلة دولة.

الدولة لا تُبنى بالشعارات ولا بالمزايدات. تُبنى عندما يصبح التعيين امتحانًا شفافًا، والصفقات خاضعة لتدقيق، والذمة المالية قاعدة لا استثناء، والقضاء قادرًا لا مُهدَّدًا.

 وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى لبنان يدفع الثمن: سقوطًا تلو سقوط…

***

*الصورة الرئيسية للرسام  الجزائري عبدو عبدالقادر الملقب بـ”أيوب”.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *