في الحرب، أين تعيش الذكريات؟!
فاتن مرتضى
في الحرب، لا تموت الذكريات، لكنّها تتقاسم القلوب..
كانا يلتقيان عند تلك الزاوية الصغيرة من المدينة، حيث يمرّ المساء خفيفًا كأنّه يعرف اسميهما جيدًا.. كانت تضحك فيتّسع المكان من حولهما، وكان يهمس لها بأنّ العالم، رغم انكساراته، يظلُّ مكانًا قابلًا للحياة ما دامت يدها قريبة، كأنّ لمستها جهاته الأربع التي تمنع روحه من التيه..
لكن فجأة جاءت الحرب !! كأنّها بابٌ أُغلق بعنفٍ بين قلبين.. اضطرّ هو للسفر، يحمل حقيبةً خفيفةً، فيها كلّ ما لا يُحتمل: صوتها في آخر مكالمة، ارتعاشة همسها “انتبه لنفسك”، وصورةً صغيرةً خبّأها بعنايةٍ كأنّها وطنٌ مطويٌّ يخاف ضياعه.. في الغربة، كان يمشي طويلًا، لا حبًّا في اكتشاف الطرقات، بل بحثًا في الوجوه والممرّات عن شارعٍ واحدٍ يشبه مكان لقائهما. وكان خوفٌ خفيٌّ يسكنه ، أن تخونه الذاكرة، فتسقط منها ملامحها. لذلك، كان يعيد رسم وجهها كلّ ليلةٍ في خياله، ويهمس : سأعود
.. كأنّه يُقنع المسافات الشاسعة بأن ترأف به قليلًا.
أمّا هي، فبقيت هنا، تحرس المدينة بما تبقّى من قلبها. لم ترحل عن أرضها، وكأنّ بقاءها هو الضمان الوحيد لئلّا يضيع الطريق به إن عاد . فصارت هي البيت والوطن والانتظار.. كانت تمرّ كلّ يومٍ من المكان نفسه ، تقف لحظةً أمام تلك الزاوية، تنظر إلى الفراغ الذي كان يمتلئ بوجوده، وتبتسم رغم الغصّة، كأنّها تخبر الغياب بأنّ الجدران قد تنهار، لكنّ الوعود الصادقة لا تغادر أماكنها. كانت تحمل في صدرها صبرًا طويلًا، وخوفًا صغيرًا ينمو مع كلّ ليلٍ، ورسالةً واحدةً ظلّت حبيسة روحها قبل ورقها: “أنا بخير.. لكنّي لستُ أنا من دونك”..
عاشت ذكرياتهما بينهما ، نصفها مسافر معه، ونصفها بقي عندها، لكنها في الحالتين، تنبض بالحبّ نفسه.. وحين كانا يُسألان أين تعيش الذكريات في الحرب ، يضع كلٌّ منهما يده على قلبه… ويصمت..



