سجلوا عندكم

من الثورة إلى الدولة: قراءة في مأزق التحوّل السياسي اللبناني في كتاب د. وليد الأيوبي “من الثورة الصاخبة إلى الثورة الهادئة”

Views: 463

  د. جان جبور

مدخل: حين تفشل الثورة في أن تصبح دولة

في لبنان، لا تكمن المشكلة في غياب الثورات، بل في عجزها المتكرر عن التحوّل إلى دولة. نثور كثيرًا، لكننا نؤسّس قليلًا؛ نرفع الشعارات، لكننا نتعثّر عند لحظة بناء المؤسسات. ومن هنا تحديدًا تنبع أهمية كتاب الدكتور وليد الأيوبي “من الثورة الصاخبة إلى الثورة الهادئة”، إذ لا يكتفي بتوصيف لحظة 17 تشرين أو الاحتفاء بها، بل يذهب أبعد من ذلك، محاولًا التفكير في ما بعدها، في تلك المنطقة الدقيقة التي ينبغي فيها للثورة أن تتخلّى عن صخبها لكي تصبح نظامًا.

ولعلّ ما يوجّه القراءة منذ البداية هو تعريف المؤلف نفسه للثورة حين يعتبرها “حالة ذهنية أكثر مما هي ظاهرة سياسية احتجاجية” ، وهو تعريف ينقلنا من مستوى الحدث إلى مستوى الوعي، ويجعل من الثورة تحوّلًا في إدراك العالم، لا مجرد انفجار في الشارع.  

بداية، لا بد من التنويه بالجهد الكبير الذي بذله الزميل الصديق الدكتور وليد الأيوبي في هذا العمل. فالكتاب، بحجمه ومادته، يعكس مشروعًا فكريًا ونضاليًا متكاملًا، ويعبّر عن التزام واضح بفكرة الدولة المدنية وبناء مجتمع سياسي حديث في لبنان.

وقد صدر هذا العمل عن منشورات “منتدى شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحادة الثقافي”، وهي مناسبة لشكر الأستاذة ميراي شحادة، التي تواصل عبر هذا المشروع الثقافي دعم المبادرات الفكرية الجادة.

أولًا: في القسم النظري – وفرة التأصيل وحدود الإضافة

يستهلّ الكتاب مساره بقسم نظري موسّع، يعرض فيه تطور الفكر السياسي من جذوره الفلسفية إلى صيغه الحديثة، مستعرضًا مفاهيم الدولة والعقد الاجتماعي والمجتمع المدني. ولا شك في أن هذا الجهد التأصيلي يضع القارئ ضمن أفق معرفي واسع، ويمنحه أدوات مفهومية ضرورية لفهم ما سيأتي لاحقًا. غير أنّ السؤال الذي يطرح نفسه أثناء القراءة هو مدى اندماج هذا التأصيل في صلب الأطروحة. ففي أكثر من موضع، يبدو العرض أقرب إلى الاستقلال المعرفي منه إلى الاندماج الحجاجي، وكأن القارئ مدعو إلى المرور عبر هذا القسم أكثر مما هو مدعو إلى التفاعل معه بوصفه جزءًا عضويًا من الحجة.

ومع ذلك، فإن هذا القسم يكتسب أهميته من فكرة محورية تتكرّر في أكثر من مستوى، وهي فكرة التوازن، سواء بين القوة والعدل، أو بين الممكن والمرتجى، أو بين الأخلاق والواقعية السياسية. وهذه الفكرة، وإن بدت في البداية نظرية، سرعان ما تتحول إلى مفتاح لفهم مجمل المشروع الذي يقترحه المؤلف.

ثانيًا: المعضلة السياسية اللبنانية – تشخيص بنيوي للأزمة

مع الانتقال إلى القسم الثاني، يدخل الكتاب في صلب الموضوع، حيث يقدّم قراءة معمّقة لما يسميه “المعضلة السياسية اللبنانية”. وهنا يبرز بوضوح أن الأزمة ليست مجرد خلل عابر أو فساد إداري، بل هي أزمة بنيوية تمسّ طبيعة الدولة نفسها. فالدولة، كما يصوّرها المؤلف، لم تعد إطارًا جامعًا للمجتمع، بل تحوّلت إلى ساحة لتقاسم النفوذ بين قوى متعددة، تتداخل فيها الاعتبارات الطائفية والسياسية والاقتصادية.

ويتجلّى هذا الخلل، كما يبيّن النص، في تلاشي الحدود بين المؤسسات، وفي اختلاط المصلحة العامة بالمصالح الخاصة، إلى درجة تصبح معها الدولة فاقدة لقدرتها على المبادرة. وهذه الفكرة، أي “سيولة الحدود”، تُعدّ من أكثر المفاهيم دقة في هذا القسم، لأنها تنقلنا من فهم الأزمة بوصفها فسادًا إلى فهمها بوصفها اختلالًا في البنية نفسها.

غير أنّ هذا التشخيص، على قوته، يطرح سؤالًا لا يقل أهمية: هل نحن أمام بنية مغلقة بالكامل، أم أمام بنية متصدّعة لكنها لا تزال قابلة لإعادة التشكيل؟ بمعنى آخر، هل الانسداد الذي نعيشه مطلق، أم أنه انسداد نسبي يمكن اختراقه من داخل التناقضات نفسها التي ينتجها النظام؟

ثالثًا: من الثورة الصاخبة إلى الثورة الهادئة – دينامية التحول

في تحليله لدينامية الثورة، يقدّم المؤلف قراءة دقيقة لآليات الانتقال من “الثورة الهادئة” إلى “الثورة الصاخبة”، رابطًا ذلك بانسداد الأفق السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ومضيفًا إلى ذلك عنصرًا بالغ الأهمية هو العامل النفسي، أي شعور المواطنين بالظلم وفقدان المعنى. فالناس، في هذا التصور، لا تثور فقط عندما تزداد معاناتها، بل عندما تفقد الثقة بإمكانية الإصلاح.

غير أنّ التجربة اللبنانية، كما يشير النص نفسه، تكشف مفارقة لافتة، تتمثل في تراجع الحراك كلما تفاقمت الأزمة.  

وهنا يبرز سؤال لم يُستثمر بما يكفي:

كيف نفسّر انكسار الدينامية الثورية؟

هل هو نتيجة القمع؟ أم الانقسام؟ أم غياب البديل السياسي المنظّم؟

 وهذه المفارقة تدفعنا إلى توسيع النقاش: فربما لا تكفي الشروط الموضوعية وحدها لاستمرار الفعل الثوري، بل يحتاج هذا الأخير أيضًا إلى بنية تنظيمية، وسردية جامعة، وأفق سياسي واضح. أي أن الأزمة لا تكمن فقط في السلطة، بل في صعوبة تحوّل الطاقة الاحتجاجية إلى مشروع سياسي مستدام.

رابعًا: الرؤية البديلة – قوة المعيار وحدود التطبيق

في القسم الثالث، ينتقل المؤلف إلى طرح رؤيته البديلة من خلال ما يسميه “مثلث النهوض”، القائم على السيادة الوطنية والدولة المدنية والديمقراطية المجتمعية. وهنا يتقدّم البعد المعياري بوضوح، إذ تصبح السياسة، في نظره، مشروعًا أخلاقيًا بقدر ما هي إدارة للمصالح.

ويتجلّى هذا التوجّه في تأكيده أن “المصلحة العامة هي غاية الفعل السياسي” ، وهو مبدأ أساسي يعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها إطارًا جامعًا. غير أنّ قوة هذا الطرح من حيث المبادئ تقابَل بقدر من الغموض من حيث التطبيق، إذ تبقى الأسئلة المرتبطة بآليات الانتقال، وبالقوى القادرة على حمل هذا المشروع، مفتوحة إلى حد بعيد. وهنا تحديدًا تظهر الفجوة التقليدية بين التصور النظري وإمكاناته العملية.

فالنص يقدّم تصورًا غنيًا لما ينبغي أن يكون، لكنه أقل تفصيلًا في ما يخص كيفية الوصول إليه:

ما هي القوى الحاملة لهذا المشروع؟

ما هي الخطوات المرحلية الواقعية؟

كيف يمكن تفكيك النظام القائم دون الانزلاق إلى الفوضى؟

هذه الأسئلة تبقى مفتوحة، وهي لا تقلّل من قيمة الطرح، لكنها تشير إلى الحاجة لربط الرؤية النظرية باستراتيجية عملية.

خامسًا: في قيمة الكتاب – بين التشخيص والأفق

على الرغم من هذه الملاحظات، يبقى هذا الكتاب مساهمة جدية في النقاش حول الدولة في لبنان، لأنه يجمع بين جرأة التشخيص ووضوح الرؤية. فهو لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يسعى إلى إعادة ربط السياسة بالقيم، وإلى استعادة معنى الفعل السياسي في سياق يغلب عليه التفكك.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى هذا العمل بوصفه محاولة لإعادة الاعتبار للسياسة كفعل أخلاقي، لا مجرد ساحة صراع بين قوى متنافسة.

ولعل ما يختصر روح هذا المشروع هو تأكيد المؤلف أن “المصلحة العامة هي غاية الفعل السياسي، وإلا استشرت المصالح الشخصية والفئوية في جسم الدولة”. وهي عبارة تختزل، في جوهرها، معضلة الدولة اللبنانية برمّتها.

خاتمة: بين الأمل والواقعية

في نهاية المطاف، لا يقدّم هذا الكتاب أجوبة نهائية بقدر ما يضعنا أمام أسئلة لا يمكن تجاهلها: كيف تتحوّل الثورة إلى دولة؟ وكيف يمكن إعادة بناء السياسة خارج منطق الطائفية؟ وكيف يمكن التوفيق بين الأخلاق والواقعية؟

تحية للدكتور وليد الأيوبي على هذا الجهد، وعلى هذا الإصرار على التفكير في زمن يسوده الانكفاء.

لأن التحدي الحقيقي في لبنان ليس أن نثور…

بل أن نتعلّم، أخيرًا، كيف نحوّل الثورة إلى دولة -قبل أن تتحوّل كل ثورة جديدة إلى مجرد ذكرى أخرى.

التحدي الحقيقي هو أن ننجح، ولو مرة واحدة، في أن نبني دولة تليق بثورة.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *