سجلوا عندكم

العالم عند مفترق النهاية… قراءة تحليلية من منظور لبناني وشرق أوسطي في رؤية جيانغ شيويه تشين

Views: 75

د. رمزي صالحة

مدخل: كيف نقرأ أطروحة “نهاية النظام العالمي”؟

تقوم أطروحات جيانغ شيويه تشين على ربط حلقات متباعدة: الحروب، وتراجع الهيمنة الغربية، والتكنولوجيا، وأسئلة الوعي والإيمان، في سردية واحدة عن مرحلة تاريخية تقترب من نهايتها. وتكمن قيمة هذا النوع من القراءة فيلا كونها تخرجنا من أسر الخبر اليومي، كما يكمن خطرها في أن الصورة الكبرى المتماسكة تغري بالتصديق أكثر مما تستحق، لأن تماسك السردية ليس دليلًا على صحتها.

لذلك تعتمد هذه القراءة منهجًا بسيطًا يفصل بين ثلاث طبقات في أي تحليل استراتيجي:

  • الوقائع: ما يمكن التحقق منه، كصعود الصين وتوسع بريكس وانهيار النظام المصرفي اللبناني.
  • التفسيرات: كيف نربط الوقائع ببعضها، وهنا تتسع رقعة الخلاف.
  • التوقعات: ما سيحدث لاحقًا، وهو الأضعف دليلًا، والأعلى تكلفة، إذا بُنيت عليه القرارات.

وسنضيف إلى ذلك زاوية ثابتة: ماذا تعني كل طبقة بالنسبة إلى لبنان والمشرق، وهي منطقة لا تملك ترف المراقبة من بعيد.

أولًا: أطروحة انتقال الهيمنة بين القوة والاستنتاج

1. منطق الأطروحة

استند النظام العالمي الذي تشكل بعد 1945 إلى ثلاث ركائز: التفوق العسكري الأمريكي، وهيمنة الدولار والمؤسسات المالية الدولية، وشبكة التحالفات. وتفترض الأطروحة أن هذه الركائز تتآكل أمام صعود الصين، وعودة روسيا، وتنامي القوى الإقليمية، وأن القوة المهيمنة تميل، عند التراجع، إلى استخدام أدوات أكثر حدة لتثبيت موقعها. وهذا منطق مألوف في أدبيات العلاقات الدولية، من نظرية استقرار الهيمنة إلى ما يُعرف بـ”فخ ثوسيديدس”.

2. ما يدعمها وما يضعفها

المحور ما يدعم الأطروحة ما يحدّ من قوتها
الاقتصاد تنامي حصة الصين في الإنتاج والتجارة، وتنامي المبادلات بغير الدولار. يبقى الدولار العملة الغالبة في الاحتياطيات والتسويات، ولا بديل جاهزًا بالعمق المالي نفسه.
التحالفات توسع بريكس وتعدد مراكز القرار، وتحوّط دول كثيرة بين القوى. بريكس تجمع متباينة المصالح، وبعض أعضائها خصوم لبعضهم، فهي ليست كتلة موحدة.
العسكر والتقنية انتشار الأسلحة الرخيصة والمسيّرات يقلل كلفة تحدي القوى الكبرى إقليميًا. ما زالت الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق في الإسقاط البحري والجوي والتقنيات المتقدمة.
الشرعية تراجع الثقة بالمؤسسات الدولية وازدواجية المعايير المتهمة بها القوى الغربية. الصين وروسيا نفسهما لا تقدمان نموذجًا جاذبًا لكثير من الشعوب.

 

والخلاصة التحليلية أن الأدلة تدعم القول بتحول نحو التعددية القطبية، لكنها لا تدعم بالقوة نفسها القول بانهيار وشيك. فهناك فرق بين نظام يفقد احتكاره وآخر ينهار. وقد يكون الأرجح مرحلة طويلة من التآكل غير المنتظم، لا لحظة سقوط واحدة.

ثانيًا: الشرق الأوسط ساحة انتقال لا هامشًا له

تتفاعل المنطقة مع أي انتقال في موازين القوة عبر قنوات محددة، يمكن تفكيكها بدل الاكتفاء بالقول إننا “في قلب العاصفة”:

القناة آلية التأثير الأثر على لبنان والمشرق
الطاقة تمر عبر المنطقة حصة كبيرة من تجارة النفط والغاز العالمية، فأي اضطراب يرفع الأسعار عالميًا. ضغط على الدول المستوردة للوقود، وتقلب في تحويلات المغتربين وأسواق الخليج المرتبطة بها.
الممرات التنافس على طرق التجارة والموانئ والخطوط البحرية والبرية. فرصة نظرية لموقع لبنان وسوريا والعراق، مشروطة بالاستقرار والبنية التحتية.
الوكالة تتحول ساحات هشة إلى مساحات لتبادل الرسائل بين قوى أكبر. تآكل سيادة القرار وتحمل كلفة صراعات لا تتحكم فيها.
السلاح والتمويل الشرق الأوسط سوق كبير للسلاح وساحة لتدفق المساعدات المشروطة. ارتهان سياسي واقتصادي، وتعطل بناء مؤسسات مستقلة.

 

ويقتضي الإنصاف التحليلي ألا نختزل صراعاتنا في الانتقال الدولي وحده. فللعوامل المحلية، من بنى طائفية، وفساد، وضعف مؤسسات، وخلافات حدود وهويات، وزنها الخاص. والمنهج السليم يعاملها على أنها عوامل متفاعلة: الخارج يستثمر في الداخل الهش، والداخل يستدعي الخارج حين يعجز عن التوافق.

ثالثًا: إيران وهرمز: من التفوق العسكري إلى النتيجة السياسية

السؤال الاستراتيجي المركزي في هذه الحالة لا يتعلق بمن يملك القدرة التدميرية الأكبر، بل بقدرة القوة المتفوقة على تحويل تفوقها إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار. وتقدم المنطقة نفسها أمثلة تعليمية: ففي العراق عام 2003 تحقق الحسم العسكري سريعًا، بينما بقيت كلفة ما بعده، من الفراغ المؤسسي إلى الاستقطاب والعنف، أثقل من الحرب ذاتها.

وتعتمد أي مواجهة واسعة مع إيران على متغيرات يمكن رصدها بدل التكهن بها:

  • حدود التصعيد: هل تبقى المواجهة محصورة جغرافيًا أم تمتد إلى الممرات البحرية والمنشآت الحيوية؟
  • موقف القوى الكبرى: هل تكتفي الصين وروسيا بالدعم السياسي أم تنخرطان بصورة أعمق؟
  • حسابات دول الخليج: هل تتحمل اقتصاداتها وأمنها تكلفة الاصطدام أم تدفع نحو التهدئة؟
  • الجبهات المرتبطة: كيف ينعكس ذلك على لبنان والعراق وسوريا واليمن، حيث تتداخل الساحات؟

ويبقى التنبيه قائمًا: هذه أسئلة تحليلية لا نتائج مؤكدة. فمآلات أي مواجهة تتوقف على عوامل متغيرة، ولا تتحول إلى حقيقة تاريخية قبل وقوعها.

رابعًا: الذكاء الاصطناعي بوصفه اقتصادًا سياسيًا

1. أين تتركز القوة؟

تقوم القدرة في الذكاء الاصطناعي على أربعة مدخلات: القدرة الحاسوبية (الرقائق ومراكز البيانات)، والطاقة اللازمة لتشغيلها، والبيانات، والكفاءات البشرية. وتتركز الحلقتان الأوليان اليوم في عدد محدود من الدول والشركات، ما يخلق احتمال اعتماد بنيوي يشبه الاعتماد القديم على الموارد الأولية، لكن في مجال المعرفة.

2. موقع لبنان والمشرق

العنصر نقاط القوة نقاط الضعف
الكفاءات رأسمال بشري مؤهل في التعليم والطب والهندسة واللغات، وانتشار واسع في الخارج. هجرة الكفاءات بسبب غياب البيئة الحاضنة وضعف الأجور والاستقرار.
البنية التحتية حضور شركات ناشئة وخبرات في الخدمات والبرمجة. أزمة الكهرباء وضعف الاتصال وغياب مراكز بيانات وطنية موثوقة.
اللغة والمحتوى فرصة تطوير أدوات بالعربية ولهجاتها، وهو مجال لا تعطيه الشركات العالمية أولوية كافية. تشتت الجهود وغياب تمويل ومنصات بيانات عربية مفتوحة.
الإطار القانوني إمكان صياغة قواعد تحمي الخصوصية والمنافسة. ضعف المؤسسات القادرة على التنفيذ، وأزمة ثقة بالقطاع المصرفي الذي يمول النمو.

 

والاستنتاج أن السؤال “هل نصنع أم نستهلك؟” ينبغي أن يُستبدل بسؤال أدق: في أي حلقات من السلسلة نستطيع أن ننافس واقعيًا؟ فالمنطقة قد لا تنافس في الرقائق أو النماذج الأكبر، لكنها تستطيع أن تبني في التطبيقات والخدمات واللغة والمحتوى المحلي، وأن تحتفظ بجزء من كفاءاتها إذا وُفرت لها بيئة عمل لائقة.

أما الخطر الثاني فيتعلق بالحرية والمراقبة: إذ تتحول التقنية، إن غابت الضوابط، من أداة تحرر من العمل إلى أداة لمراقبة الناس وتوجيه سلوكهم. وهذا الخطر يتضاعف في بيئات ضعيفة المؤسسات والمساءلة.

خامسًا: من يملك السلطة الفعلية؟ لبنان نموذجًا

تقدم التجربة اللبنانية مثالًا نموذجيًا على الفجوة بين السلطة الرسمية والسلطة الفعلية. فقد كشف الانهيار المصرفي بدءًا من 2019 أن قرارات تمس مدخرات الناس ومصيرهم اتُّخذت في دوائر مالية وسياسية متداخلة لا تخضع لمساءلة فعالة. وأظهر انفجار مرفأ بيروت عام 2020 كلفة غياب الشفافية وتوزع المسؤولية بين أجهزة متنافسة.

ويمكن استخلاص ثلاثة دروس تحليلية ذات صلة بالنقاش العالمي:

  • السلطة شبكة لا مركز: تتوزع بين السياسة والمال والإعلام والأمن، ولا يكفي فحص الحكومة وحدها لفهمها.
  • الشفافية شرط الحرية:لا معنى للحقوق المعلنة إذا غابت القدرة على معرفة من قرر وكيف.
  • المؤسسات المستقلة خط الدفاع: القضاء والرقابة والإعلام المستقل هي ما يمنع تحول أدوات القوة، ومنها التقنية، إلى سيطرة مطلقة.

سادسًا: الوعي والله وحدود المعرفة

ينتقل الطرح الأصلي من السياسة إلى الوجود، وهذا الانتقال له مبرره التحليلي: فالنقاش حول الذكاء الاصطناعي يعيد طرح سؤال ما الذي يميز الإنسان. غير أن من الضروري الفصل بين مستويين. الأول وظيفي: قدرة الأنظمة على معالجة المعلومات وإنتاج لغة وحلول تبدو ذكية. والثاني ظاهراتي: هل هناك تجربة واعية؟ والعلم لا يملك اليوم إجابة حاسمة عن الثاني، ولا يجوز الاستنتاج من النجاح في الأول أن الثاني قد تحقق.

وفي المقابل، لا يلغي التقدم العلمي الأسئلة المتعلقة بأصل الوجود وغايته، ولا يعفي المجتمعات من التفكير الأخلاقي. ومن الناحية العملية، يعني هذا أن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تكون تقنية بحتة، بل تحتاج إلى مرجعية قيمية تحدد ما يُسمح به وما يُمنع، ولصالح من. وهي نقطة تمتلك مجتمعاتنا، بتنوعها الديني والفلسفي، ما تسهم به فيها.

سابعًا: سيناريوهات ومؤشرات رصد

بدل التنبؤ بمسار واحد، من الأنفع التفكير بسيناريوهات متنافسة ومؤشرات تدل على أيها يتقدم. والجدول التالي أداة تفكير وليس توقعًا:

السيناريو الوصف مؤشرات الرصد انعكاسه على المشرق
هيمنة متآكلة تبقى الولايات المتحدة الأقوى مع نفوذ أقل واحتكاك أعلى. استمرار هيمنة الدولار، وتماسك التحالفات الغربية. استمرار الاستقطاب وتوازنات الرعاية القائمة.
تعددية منظمة تتشكل قواعد تفاوض جديدة بين مراكز قوة عدة. اتفاقات حول الطاقة والتجارة والتقنية، وانخفاض حدة الحروب بالوكالة. فرصة لدور وسيط وتنويع الشراكات.
تفكك وفوضى تعدد الأزمات من دون قواعد حاكمة. حروب تجارية واسعة، وانهيار اتفاقات الحد من التسلح، واضطراب الممرات. أعلى مخاطر الانزلاق وتعطل الاقتصادات الهشة.

 

ثامنًا: ماذا ينبغي أن نفعل؟ توصيات على ثلاثة مستويات

للأفراد

  • الاستقلال الفكري: تنويع المصادر والفصل بين الواقعة والتفسير والتوقع قبل تبني أي رواية.
  • الاستقلال الاقتصادي النسبي: تنويع الدخل وتطوير المهارات القابلة للنقل وعدم تركيز المدخرات في وعاء واحد.

للمؤسسات والمجتمع

  • بناء مراكز تحليل وصحافة بيانات مستقلة تحلل بالأرقام لا بالانتماءات.
  • الاستثمار في التعليم المهاري والبحث التطبيقي، وربط الجامعات بسوق العمل والاغتراب.

للدول وصناع القرار

  • سياسة تقنية وطنية: حماية البيانات، وتشجيع الشركات الناشئة، وبناء بنية رقمية وطاقوية موثوقة.
  • تنويع الشراكات الخارجية بدل الارتهان لراعٍ واحد، والحفاظ على استقلال القرار الوطني قدر الإمكان.
  • إصلاح الشفافية والمساءلة بوصفه شرطًا لأي مشروع اقتصادي أو تقني ناجح.

خاتمة: حدود التحليل وقيمته

تبقى القيمة الأساسية لطرح جيانغ شيويه تشين في دعوته إلى النظر أبعد من الخبر اليومي وربط التحولات في صورة أوسع. لكن حدود هذا الطرح واضحة: فاكتشاف أنماط تاريخية لا يعني امتلاك القدرة على التنبؤ، والتشابه بين حدثين لا يثبت تطابق نتائجهما، والسرد المتماسك قد يخفي فجوات في الأدلة.

وقد لا يكون ما نعيشه نهاية العالم، بل نهاية الصورة التي اعتدنا أن نرى العالم بها. والتحدي أمام لبنان والمشرق ليس أن نتنبأ بما سيحدث، بل أن نبني القدرة على التكيف مع أكثر من احتمال: مؤسسات أكثر شفافية، واقتصادات أكثر تنوعًا، ومجتمعات أكثر استقلالًا في التفكير، قبل أن تتحول أدوات التقدم إلى أدوات للسيطرة.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *