سجلوا عندكم

جورج سكاف… الكلمة الرسالة 

Views: 839

فردريك نجيم

الكلمةُ التي تُعطي خير الأشياء التي تُؤخذ، حسبُها أنها مختصر وجدان، 

هذه الصغيرة التي حملت سِعَة الفكر ونداوة القلب وهي في تبادل ما يلذّ وما يُجدي، لها في عُمر الزّمان رسالاتٌ كاد القدر يَختم عليها وحدها. 

أليست الحياة كلّها كلمة. لذلك يجب أن تتوافر لها تُربة صالحة تُطلع جنّة صالحة.

هذه الكلمة الرّسالة التي يتجسّد فيها التاريخ رضىً لا مُحاباة، وإخلاصاً لا مداهنة، وحقّاً لا باطلاً، وخدمة لا تبجّحاً، هي الميزات التي تختصر فيها شروط العطاء والبذل في جميع الميادين الفكرية والاجتماعية التي ترحب بها الصحافة، وتتسامى فيها الدّعة عن الضِّعة، وتتدانى فيها المحبّة سلاماً بعيداً عن الحقد والضغينة، والنميمة والحَسد. 

هذا المنحى الذي ينحوه هذا الكتاب، إنما هو المنحى الذي يذهب به المذهب الذي يستهويه في دقّة الحرص، سداد الرماية دخولاً شاهقاً من بناء، ووسيعٍ من فناء يتمنى أن يُدرك أثره. أليس في كل فرد من الوطن رغبة في اكتشاف ما هو مجهول او بعيد، والتعرف الى البواطن والظواهر، التي يجد فيها لذة وفائدة، وقد حرصَ في هذا الكتاب على أن يكسب المطالع معرفة، وعلماً، ويتجلّى به ادباً، وتوجيها بعيدا عن الطائفية البغيضة والحزبية المتهورة، والسياسة العمياء ينهد المطالع الى مطالعتها والتمسك بمبادئها الوطنية السليمة، والمبادىء الصحيحة والمنزهة عما  يشينها ويعيبها متاجرة رخيصة وتزلفاً مبتذلاً. 

إن قدر الإنسان في هذه الحياة ان يصنع تاريخه ويسطّر صفحاته بما يسمو تذكرا، ويختم نقصا وينشرخيرا، خبرأً وفعلاً، ويحقق الانتصار على الفناء باستمرار البقاء في هذه الدنيا إرثاً وتراثا يدّخرهما الأبناء والأحفاد جيلاً بعد جيل.                 

هذه الذكريات كأن الزّمان كان لأجلها، فهي في ما تجود به وما تتلقاه تعطي الدنيا وتستردها ولا تكفُّ عن هذه المبادلة المُفدية حتى تفوتها كل قواها، فيرضيها ان تصبح ذكراً مذكورا حين يكون غيرها نَسيا منسيّاً، في هذه الذكريات التي يعمر بها البال ويقيم في الجوانح، واذا موعدها مثل انتشار الرضى في آخر العروق. وكأن التاريخ يبحث عن نفسه، فهو في ما ينطرح منه على الأرض ويُلملم مثل الضياع ومثل التعب الذي يأبى أن يُقرّ بالهزيمة ليظفر بما يدّخره اكتنازا، إنها المواعيد التي يطيب لها ان تصير لقاءات أوشكت ان تصبح مذاقا يسهل على اللسان حتى يطيب في الصميم مستقره، أقوال وذكريات تتأنى ولا تتبلد في احداثها وفي احتوائها احتواءً رقيقاً. 

*

هؤلاء الذين مضوا كم عانوا في حياتهم الأحداث التي تُضَيّق دنياهم حتى لا تسع ما تفتقده مسرات ولواعج، هذه الذكريات التي تخطر في البال يحسن ان تدعى الفلذ الغوالي، فهي هي الذهن وجوار القلب، تصبح بالتفكير فيها اشاوىء برحب ان لا يكون لها آخر. وما اسعد الفم وهو يقبل على ما يعاد من نعمتها لأن في هذه الاعادة إجادة، أليس زوراً ان يقال عن الماضي أنه زال، وكل مشهد فيه لا يزال مجلوّاً. انها في وجدانها يعايش التأمل وحده بعدما ذهب ذهابا آخر. حاملة العهود هي والعهود كما تنبسط الدنيا استزادةً واستعارة، وترقب يسوقه الطمع الحلو الى ما تنساق معه اللذائذ وهي تقيم في الصميم إقامة الوصال الذي لا يُبارح، إن فيها ما يظرف ثم يدمع وما يزهر، ثم يورق ويثمر وما يتمندل بالسحر ثم يتدلل وما يلمع، ثم يطفأ وما يجول في مكامن الحنين فتذيب يقظاته وتطيب فهو مما خبر خبره وبقي أثره.

وفي هذه المشارق التاريخية تطل الصحافة أحدُ وجوه الأمة وصدى مدوّيا من أصداء الوطن بمجتمعه وأفراده. وأجمل ما تتجلى فيه فكرًاً يحلل ويناقش ويبحث ثم يغربل ويحكم بتجرد ومعرفة وجرأة وقد حمل رسالتها رجال قادة رأي يعملون على توطيد الحوار واشاعة المعرفة وتنوير الرأي العام، وتصون في التزامها الحدود والمبادىء السليمة الصحيحة، جوهر الكيان وقوة بنائه ورسوخ اركانه وادراك أهدافه التي تتحقق فيها أهداف الوطن والامة سيادةً وحرية واستقلالاً.  

هكذا تكاد الصحافة ان تنشيء على صفحاتها مدرسة وطنية قومية تدعو الى الوفاء والتضحية حتى الشهادة، وتنشيء عائلة واحدة ينهد افرادها الى ما يسلم فيه الحق ويزهق الباطل. وتصان حرمة الكلمة فيما تكدسه المقالات والأحاديث من قيم وآثر، وفي مراجعة الاقوال واستعادة الصور والمشاهد ما يجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل، سلسلة من الوقائع التي تتماسك فيها المراحل والعهود التي ترتكز عليها أركان تاريخ الأمة صموداً وشموخاً. 

إن لجورج سكاف، أديب الكلمة ومبدعها، حق البقاء في تأدية الرسالة بعيدا عن ارخاصها وابتذالها وتسخيرها بضاعة رائجة في الأسواق العامة المجانية، إن كلمته قائمة ابداً بما تدّخره من القيم والعبر والمآثر، ويحرص في كتبه على  نشرها وتوزيعها وتتجلّى أهدافها وتتباين مناهجها وتتضارب موهباتها لتضمن اولا الاستقرار في العطاء وضمان الخلق كما تضمن أيضاً الاستمرار في إحيائها وبعثها حيّة متجدّدة، تأليفا وانتشارا، إنه عامل في حقل الكلمة يزرع ويبذُر أملاً في حصاد مثمر على صعيد الأبداع الفكري أدبا وفنّاً، وقد بذل في الجهد والكدّ اوقاتا من النهار وسهراً في الليل لينعم بولادة 

يطمئن اليها عافية وجمالاً واكتمالاً، ويسعد بهذا المولود المسلوخ من عقله وقلبه وجوارحه. 

                                                                              

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *