أنفه، العائلة الكبيرة
د. جان توما
في هذا الحيّ العتيق في أنفه عرفتُ بركات العائلة الكبيرة ونعمتها، وأبواب البيوت المفتوحة لاستقبال المحبّين كما في ترك المفاتيح في الأقفال لتدخل مرحّّبًا بك. هنا كرجت طفولتنا منذ أن التجأنا في ثورة ١٩٥٨ إلى بيت جدي لأمي، الذي لم أعرفه، أمين اسحق دريق ( ١٨٩٧-١٩٤٩) الذي كان كاتبًا خاصّا في سراي انفه الحكومي وموظفًا في مؤسسة عوني تامر بسبب موهبته في جمال الكتابة وفنّ الخطّ. كان إلى جانب عمله قارئا نهمًا للروايات، فاستلّ أغلب أسماء أولاده منها، فكانت ماري وفلمينا وأنجال وجوليا وليلى وروجينا إلى أن انفتح باب الصبيان بعد ست بنات فأخذ أسماءهم من روايات قرأها، فكان: جلال وهلال وطلال ، وجوزيف، وخالف القاعدة فسمّى ابنه الأصغر، وليس البكر، على اسم أبيه اسحق.
١١ ولدًا في بيت لم يكن ربّ العائلة فيه مزارعًا بل كاتبّا وقارئا نهمًا. في هذه العائلة المتراصّة كنا نقضي بعض عطلات الأسبوع وبعض أيام الصيف هناك. (www.amissionofmercy.org)
كانت بيوت عائلتي تتوزّع غرف نوم بأسرّة متعددة، لك أن تنام أينما شئت، فأنفه في حارتها الشرقية لم تزل بعد على عفوية القرى وبساطة أهلها ومحبتهم.
تزوجت خالاتي باكرًا، وكن ينجبن مع جدتي ” كتر أنجول” (١٩٠٤-١٩٦٨) الصبيان، لذا قد تجد حفيدًا أكبر من الخال. تزوج الجميع وأنجبوا، وتزوج الأحفاد وأحفاد الأحفاد، ورحلت الخالات والأخوال، ولم يبق إلا جوزيف ،أطال الله عمره، إذ يختصر بوجوده وجوهًا عرفناها، ووجوه أقرباء لنا اليوم لا نعرفهم إن لم يذكروا لنا اسم أجدادهم، لنستعيد عمرًا قضيناه في هذه البلدة التي يكتشف زوّارها اليوم بحرها وصخورها تحت الريح والخندق، وهي منطقة عرفناها منذ أكثر من ستين سنة في براءتها وجمالها الطبيعي ومحبة أهلها، لعلّ الملح يلملم المشتتين إلى واحد.




