سجلوا عندكم

جائحة كورونا: هذا ما صنعناه بأيدينا

Views: 281

فخري صالح*

مرّت البشريّة بكوارث كثيرة عبر التاريخ، وعصفت بها حروب طاحنة، خلَّفت عشرات الملايين من القتلى، كما انتشرت في الأرض أوبئة مُميتة حصدت أيضاً ملايين من الحيوات، وسبَّبت أزماتٍ اقتصاديّة كبرى، كما تركت مئات الملايين من الجوعى والمُعدمين. لكنّ العقل البشريّ ينزع إلى النسيان، ولا يرغب في الالتفات إلى الماضي القريب أو البعيد، كنَوعٍ من وسيلةٍ دفاعيّة.

تلك طبيعة الإنسان، الذي وُهِب نعمة النسيان التي تُمكّنه من مُواصَلة العيش في كَونٍ مُحتشِد بعناصر التهديد، بعضها من عناصر الطبيعة، وبعضها الآخر من صنْع يدَيه وافتقاده حِكمةَ العيش والتواؤم مع قوانين الطبيعة وعناصرها. ومن ثمَّ، فإنّ جائحة كورونا، التي تعصف بالمُجتمعات الإنسانيّة الآن، الغنيّة والفقيرة فيها، الدول المُتقدِّمة عِلميّاً وتكنولوجيّاً منها قبل المُتخلّفة التي تفتقر إلى اختبار العِلم والمَعرفة، تنضاف إلى سلسلة الكوارث السابقة التي جلبها الإنسان إلى نفسه، كما أنّها تتّصل بتلك الكوارث، على نحوٍ ما. فالحرب العالَميّة الأولى، التي حطَّمت العالَم الغربي وسَلبت ملايين من البشر، من أعراقٍ وجنسيّاتٍ مُختلفة شرقيّة وغربيّة، حيواتهم، أفضت إلى جائحة الإنفلونزا الإسبانيّة (1918- 1919) التي قتلت ما بين خمسين ومائة مليون إنسان. وقد كانت الحرب العالَميّة الأولى، التي وَضعت أوزارها في العام 1918، سبباً في انتشار هذا الالتهاب الفيروسي، الذي يتسبَّب مثلهمثل كوفيد-19 في التهاباتٍ رئويّة حادّة تخنق أنفاس المرضى وتَجعلهم يصارعون من أجل استنشاق بعضٍ من هواء. فقد نَقَلَ الجنود الجوعى والمرضى العائدون من جبهات القتال العدوى إلى عائلاتهم وجيرانهم وبني جلدتهم، فمات في أميركا البعيدة عن الجبهات ملايين من البشر. لكنّ انتهاء القتال، وإقرار المهزومين بهزيمتهم، واحتفال المُنتصِرين بانتصارهم، حَجَبَ عن التاريخ الرسمي للحرب التواصلَ الفعليَّ بين الحرب العالَميّة الأولى وجائحة الإنفلونزا التي قضت على حياة الكثيرين، كما أَنهكت الاقتصاد العالَمي مثلما فَعَلَت الحرب نفسها.

ما أقصد قوله هو أنّ البشر يفضّلون نسيان التاريخ، لأنّه يُذكِّرهم بما جنته أيديهم وما جلبوه من كوارث لأنفسهم. فما تعيشه البشريّة اليوم من خَوفٍ وهلع بسبب مرض غامض، لم نتعلّم بعد الكثير عنه، وعن طُرق انتشاره، وتأثيراته على المرضى، والأهمّ من ذلك عن طُرق مُقاومته، يُشبه ما عاشته البشريّة في أزمنة انتشار الأوبئة التي تلت حروباً طاحنة حصدت أرواح الملايين، ثمّ جاءت الأوبئة فحصدت أرواح ملايين آخرين. ونحن نعيش الآن رعب العَبَثِ بالطبيعة والتدمير المُتواصل الذي يُمارسه الإنسان على هذا الكوكب. الجشعُ والرغبة في السيطرة وامتلاك الثروة والسلطة، هي كلمات السرّ التي تُفسِّر هذا الوضع القياميَّ الذي نحياه، خائفين، مذعورين، مُنعزلين في أقفاصِ وحدتنا، في يومٍ يكاد فيه المرء يفرُّ “من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبَنيه”.. “لكلِّ امرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغْنِيه”. (Ambien Zolpidem) لقد أصبح المرءُ يتشكّك في كلّ ما حوله، خائفاً من السلام على جيرانه، أو احتضان أحبابه ، أو لمْس أُكْرَة باب بيته؛ بل إنّ الأطبّاء والمُختصّين في عِلم الفيروسات يُطالبونه بعدم لمْس وجهه، وغسْل يديه كلّما لَمَسَ شيئاً.

هذه صورة مُرعِبة لتحوُّل الإنسان إلى عالَم العزلة والتباعُد عن البشر والحيوانات من حوله، بل التشكّك في أجزاء جسده التي قد تنقل إليه العدوى فيأتي إليه المرض من حيث لا يحتسب، ويعبر الفيروس غير المرئي، القاتل، إلى جوفه، مُنتقِلاً ممّا استقرّ على وجهه أو يدَيه أو ملابسه. تلك فعلاً رؤيا قياميّة للوجود البشري في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين الذي ارتقت فيه الإنسانيّة إلى أعلى مَعارِج التطوُّر التكنولوجي والعَولمة الاقتصاديّة والاتصاليّة. فجأة انهار كلّ شيء تقريباً وعاد الإنسان إلى قوقعته، إلى عزلته ورعبه من الآخرين، بل من جسده. ” الجحيم هُم الآخرون”، على حدّ تعبير الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (1905- 1980)، هذا هو الوصف الحقيقي لما يعيشه الناس هذه الأيّام، في البلدان الأكثر تطوّراً، كما في أقلّها تطوّراً.

لقد انهارت العَولمة بضرْبةٍ قاضية من فيروسٍ مجهول المَصدر، غامِض المَلامِح، لا تجد البشريّة وسيلة لمُقاومته سوى في القطع مع كلّ ما تمثّله العَولَمة من تواصُلٍ وتشبيك وانتشار. فجأة توقَّفت الطائرات، وهُجِرت المطارات، وأَقفرت الشوارع، وأَقفلت المَتاجر العملاقة أبوابها، وامتلأت المُستشفيات بالمرضى الذين يجاهدون لتنشُّق بعض من هواء، ولجأ الأصحّاء إلى بيوتهم، بل إلى زوايا تلك البيوت، يتجنّب الزوج زوجته، والأخ أخاه، والابن أباه، والابنة أمّها، وكأنّنا نَعبر باب القيامة ونتهيّأ للحساب والمصير، لا يكترث المرء إلّا لذاته ولِما ينتظره من حِساب.

بغضِّ النَّظر عن الأسباب الفعليّة لهذا الوضْع الكارثيّ الذي نعيشه، فإنّ يد الإنسان التي عبثت بالطبيعة، واقتربت من الحدود التي تفصل عوالِم الحيوانات البريّة عن عالَم الإنسان، والتدمير المُستمرّ للبيئة، وزحْزَحة الحدود في النظام البيئي، والعبث غير المسؤول بالفيروسات والجراثيم، لتوفير أسلحة بيولوجيّة يُدمِّر بها البشر بعضهم بعضاً، هي جميعاً أسباب، مباشرة، أو غير مباشرة، لما نُعانيه اليوم. لقد أدّى التحديث والتمدين المُستمرّ للطبيعة، واجتثاث الغابات، وتقريب بيئات الحيوانات البريّة من بعضها بعضاً، والاقتراب غير الضروري للإنسان من هذه البيئات، إلى انتقال الفيروسات، وغيرها من الكائنات، من حيوان إلى حيوان، ومن الحيوان إلى الإنسان. وهوالشيء الذي حدث بالفعل في حالة كوفيد-19، وقبله في بعض سلالات الفيروسات التاجيّة، من الوطاويط إلى الإنسان، عبر حيوانات أخرى لم يَتّفق العُلماء على تحديدها بدقّة، حتّى لحظة كِتابة هذه المقالة. لقد عبثنا بالطبيعة، دمَّرناها وجُرنا عليها، فجارت علينا. وسوف تشهد البشريّة في السنوات والعقود المُقبلة كوارث أخرى تسبَّب بها جشع أهل الأرض وعدم مُراعاتهم لهذا الكوكب الصديق الذي يوفِّر لهم الهواء والغذاء والمتعة والجمال. سوف يذوب الجليدفي القطبَين ويرتفع منسوب المياه في البحار والمُحيطات، فتُغمَر مُدنٌ كانت يوماً من الأيّام مَنارات للحضارة والعمران، كما سترتفع حرارة الأرض، فيُصبح العيش مستحيلاً، يوماً بعد يوم، على هذا الكوكب. لكنّ البشر، للأسف، لا يتَّعِظون. ها هم يتعاركون على أبواب المَتاجِر للحصول على المناديل الورقيّة، والمُعلّبات والأغذية الجاهزة، ومعقّمات الأيدي، في الغرب والشرق؛ كما أنّهم يتقاتلون ويُواصلون الحروب والمَعارك على جبهات القتال في هذه المنطقة المنكوبة من العالَم، لا يردعهم التهديد الأعظم الذي يُمثّله وباءٌ قاتل لا يفرِّق بين غني وفقير، لا يهتمّ بمعدّلات التقدُّم أو الفوارق الطبقيّة، أو الأعراق، أو الأديان، أو الأيديولوجيّات. إنّه يُهدِّد الوجود نفسه ويَنتشر، من دون أن يلوي على شيء، سابِحاً في الهواء الذي نتنفّس، حاطّاً على الأسطح ومَقابض الأبواب، على ما نأكل ونشرب، على ملابسنا وأيدينا ووجوهنا. لكنّنا لا نريد أن نفهم. لا يريد الساسة النرجسيّون الأغبياء، الرجال الجوف، أن يعودوا إلى رشدهم. ولا يريد التجّار الجشعون أن يقنعوا. لا يريد تجّار الأسلحة، جالِبو الدمار، أن يتوقّفوا عن مدِّ المُتحاربين بما يُدمّر البشر والعمران.

وكما يقول عالِم اللّغة والمُنظِّر السياسي الأميركي العظيم نعّوم تشومسكي، فإنّ “المشهد الخسيس للدول التي تتقاتل، بدلاً من التعاون فيما بينها، لكي تَهزم هذه النازلة العالَميّة، يلقي الضوء على الحاجة إلى تفكيك هذه العَولَمة القائمة على الربح، وبناء عالَميّة Internationalism، إذا أردنا أن نتجنّب الانقراض. إنّ هذه الأزمة الكبرى توفِّر لنا فُرصاً لكي نُحرِّر أنفسنا من القيود الأيديولوجيّة، ونتصوّر عالَماً مُختلفاً تماماً، ونتحرّك قدماً من أجل صنعه”.

***

(*) ناقد وباحث من الأردن

(*) مؤسسة الفكر العربي-نشرة أفق

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *