سجلوا عندكم

الهاوية أم جسر العبور؟

Views: 401

فيصل طالب

 ( المدير العام السابق لوزارة الثقافة)

ما كان الظنّ يتراءى له أنّ زماناً، كمثل الزمان الذي حلّ بنا، يسرف في جحوده إلى هذا الدرْك، فينوء بكلكله على الصدور، ويصرف من مخزون “الصبر الجميل” والقدرة على الصمود والمواجهة إلى حدود النفاد.

هل نحن نقيم على حافّة الهاوية، أم نتدحرج على صخور السقوط المدوّي، أم هوينا واستقررنا في قعر الغيبوبة الرهيب؟

هل صمتت سيمفونية النبض وكورالية الأنفاس في الصدور، وسكنَنَا الخوفُ المستدام ، فتحجّرت عيوننا في الأحداق المتعبة من الوجوم الغريب، نحن الطاعنون بالقلق منذ صرخات الولادة؟

هل هو النشيج الذي يجهد ليصدح من حنجرة مسكونة بالاحتضار، أم هي حشرجة الأنفاس المتهدّجة في صدور اللاهثين، أم هو الصمت الصارخ في وجه الوهن المتداعي والأبلغ من الكلام العييّ المريض؟

لماذا تتّسع أزقّة الحواشي وتضيق ساحات المتون؟

لماذا تُكسر أقلام الرجاء قبل أن يجفّ مدادها، وتُجهض الأحلام قبل اكتمالها، وتُعقم الأرحام قبل إخصابها، وتُقطف الورود قبل أوانها، وتُجدب الأرض في مواسم الجنى؟!

لماذا لا يأتي السنونو في الربيع، ولا المطر في الشتاء، ولا تندى وريقات الصباح إلّا بدمع الليل، ولا تشرق الشمس إلّا من خلف الدخان ؟!

لماذا نستمر في الوقوف على حدود القلق، نرسم بكائيات الوجع المنتحب على الجدران المتهالكة للأحلام الضائعة، ولا نتقدّم للعبور من ضفّة الخيبات إلى رحاب الأمل؟

لماذا صارت البحار مستنقعات والأنهار حُفَراً ؟ من يظنّ الحياة تُولد في مستنقع، وهل يجري الماء في الحفر ؟!

إلامَ الانتظار على قارعة السؤال، وتوسّل النجاة في قوارب الهروب، في “موسم الهجرة إلى الشمال” والجنوب…؟!

هل نحن جيل الخيبة والهزيمة؟ هل نحن جيل الأحلام المقطوعة والكوابيس المفزعة؟ أم نحن جسر العبور الوطيد إلى قيامة جديدة؛حيث لا تُسحق الأزهار، ولا تُعتقل الفراشات، ولا تصمت العصافير … ، وحيث لا يرتفع جدار بين المبتدأ والخبر ، وبين الغيم والمطر ، وبين الزهر والفوح ، وبين الحبّ والبوح ؟!

غير أنّ الأحلام التي انكسر شراعها، وغرق منظارُها، وغمر بحّارتَها موجُ التيه المتلاطم ، ما غادرت سماءَها السحبُ . والأرض التي أجدبت ما زالت تحتفظ في ثناياها بأجنّة القمح. وشجرة التين التي نزح عنها زوّارُها ما برحت تفتح ذراعيها لأفواج العصافير المتشوّقة لعناقها. والنهوض الذي خبت شعلتُه ما انطفأت جذوةُ الرجاء فيه. والفجرُ الذي يطلع كل يوم ما فتئ يقدّم لنا درسَ الخروجِ من عتمة الأزمات المتناسلة، وانتشالِ الفرح المستعصي من حفرة التردّي، والإيمان بأنّ إشعال شمعة خيرٌ من ندب الحظ، وجلد الذات، ولعن الظلام !

(Tramadol)

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *