سجلوا عندكم

جان كميد “جنتلمان” الأدب في ذكراه الأولى… “عُمرٌ بلغ مصبَّه”

Views: 965

أنطوان يزبك

 

صاحب القلم الذهبي، ناقد وأديب وشاعر، فقد الوطن، برحيل جان كميد، جنتلمان الأدب الذهبي. في ذكراه السنوية الأولى يجتمع محبوه الأحد الأول من آب 2021، في كنيسة مار نهرا ساحل علما بدعوة من عائلته، لمشاركتهم القداس والجناز لراحة نفسه، وإزاحة الستار عن تمثال نصفي له في الحديقة المواجهة لكنيسة مار نهرا في بلدته ساحل علما تقديرًا لعطاءاته الفكرية والثقافية.

 

“لأنك لن تترك نفسي في الهاوية لن تدع قدوسك يرى فسادًا” (مزمور 16:10)

 رغم انه فارقنا منذ سنة، يبقى حضور جان كميد الطاغي يملأ الأنفس والأمكنة، من يلج “مكتبه- مكتبته”  ينتابه خشوع ورهبة الأزمنة، في حضرة كتبه القيّمة التي تعطي  شهادة للتاريخ وتحارب الجهل والنسيان.

جان كميد، فارس ترجّل عن حصانه في معركة الدنيا الزائلة، واستقرّ في الأذهان والقلوب واستوطن المشاعر، يقول في قصيدة “نهاية المطاف” في ديوان “أهلّة وبدور” صفحة 38:

عمري نهر شارف مصبّه 

                               ليستحيل قطرة تضيع في البحر الوسيع

شبيه أعمار هوت      

                                   حصيدة الموت المريع

 فلِمَ خُلقنا للفنا          

                        وبعضنا دون الربيع؟!

نسعى لنبقى وهو لا      

                           يفتأ يقتات الجميع

فيا لنهر يرتضي مصيره        

                         وليس يثنيه بصير أو سميع!

هكذا رأى جان كميد في شعره جبروت الموت، لكن من كان يحترف القلم يثير فينا شعورًا بديمومة بقاء الفكر، وأشواقًا ومشاعرَ وصبوات تنادينا، تجذبنا، تغرينا، تعاندنا، تعرّينا، وفي النهاية تغمرنا بأحاسيس ملتبسة، مجبولة بالفرح والدهشة والدموع، فندرك قيمة هذا الرجل وعمق إنجازاته.

ناجي نعمان وجان كميد

 

في ذروة الجائحة الشيطانية، رحل، لكن تعزيتنا أنه لم يشهد هذا الانهيار الكبير، هذا الزلزال الذي اطاح بوطن عمل من أجله سبعة عقود وعلى امتداد قرنين!

مشروع جان الكبير كان تحويل الصحافة الأدبية إلى قضيّة كبرى ومشهد خلاب، من خلال عمله الدؤوب الجدي، النابض بشحنات من المعرفة والثقافة والرقي، فكان “الجنتلمان” المخملي الذي بثّ التفاؤل والأمل بأقلام واعدة عوّل عليها من أجل نهضة أدبيّة لا مثيل لها. لكن ما لبثت هذه الأقلام أن أفلت بسبب الانهيارت المتتالية واغتيال الفكر واستبدال الحبر يالدم المدرار!!

كتب جان كميد مقالات نقدية، متقدّمة، هادفة، محترفة وصائبة، تناول فيها أعمالا وقصائد، فضلا عن دراسات حول كتّاب وشعراء ومفكّرين، محفوظة كلها في كتب صدرت عن دار نعمان للثقافة، الدار التي أنقذت أدبًا جميلا من موت محتّم.

في هذه المقالات-الدراسات نعثر على أدب جميل ونصوص موازية تضفي رونقًا وتضيف الكثير على العلم والثقافة والمعرفة والتحليل والأدب والفلسفة واللاهوت، في كتابه “جولات في آفاق الفكر والأدب” ص. 114، يقول محللا قصيدة “الدنيا” لبولس سلامة:

“وبين العقيدة الدينية القائلة إن الله برّأ الأشياء من عدم بأن قال لها “كوني فكانت” (وإذا  أراد الله أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون)، والمذهب الفلسفي الزاعم بأن المادة قديمة غير مخلوقة وعمل الله اقتصر على إعطائها صورتها، نرى بولس سلامة يسرد ذلك شعرًا وقد تجلّت مسحة الإيمان على تفكيره:

قالوا نطقت بـ “كن” لا شيء يتبعها   

                                   فأصبح الكون شيئًا بين أيدينا

وقال بعضهم: “لا شيء من عدم      

                          يرى الإله لكن زيّن الطينا”

أدرك جان كميد أن في هذه الدنيا العظيمة أُلوهة أعظم؛ بيد أنه لم يخف يومًا من حساب أو دينونة ليقينه بأن الله أعظم من كل شيء.

جان كميد

 

بطل الكلمة يبقى، رغم ارتحاله عن هذا العالم الفاني، يقول في قصيدة “لا تسل” من ديوان “أهلّة وبُدور” صفحة 77:

أيها الخائف من يوم الحساب    

                             وانكشاف الأمر في عين الصحاب

لا تقف في وجه تحقيق المنى      

                         إنما تحقيقها عين الصواب

وأتني إن كنت تخشى آية      

                         أنا من يُعنى بتفسير الكتاب

واتبع خطوي إذا حلّ الدجى    

                               تتعلم كيف ترويض الصعاب

واسعَ للنُكر مجدًا، إنما      

                           خلق النُكر لجني واستلاب

جان كميد، تبعنا خطوك جيدًا، وتعلمنا منك كيف نروّض الصعاب… ونحن على يقين بأنك في عليائك ساهرٌ أبدًا على وطننا وعلينا…

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *