أم رياض… “مريم” رأس بيروت
زياد كاج
كان لقائي الأول بأم رياض (السيدة الثالثة في الحي التي كانت تحمل هذا اللقب بعد أمي وزوجة ناطور ثانوية الروضة) في بيتها الكائن في الطابق الرابع من بناية الزهراء في شارع الصنوبرة. وكنت قد صادقت حديثاً ابنها البكر رياض (روي)، فتفاعلت بيننا كيمياء الصداقة بطريقة عفوية صادقة خالية من المصلحة. ما أن وطأت قدماي بيتها أدركت أن قانون ونظام” أم رياض” يسري هنا حسب قاعدة “تمشي على العجين ما تلخبطوش” .سيدة عصامية، صابرة، مستوعبة ثقافة زمنها دون شهادة تُعلق على الحائط. سورٌ من الوعي والحنان والتيقظ لدرجة الاستنفار وإعلان النفير العام عند الضرورة لحماية عائلتها… كانت أم رياض.
ظهرت “مريم رأس بيروت” على مسرح الأحداث محاطة بطيف زوجها المرحوم وعلامات الحداد كانت لا تزال مرسومة وواضحة على وجهها المتعب وثوب الحداد. هو الملحن والموسيقي المعروف حسن غندور، الملقب بـ “أبو علي”، الهابط من النبطية العاملية والنازح من النبعة مُهجراً الى رأس بيروت ومعه عائلة مكونة من روي ( صار لقبه لاحقاً)، وفرح، وعيسى، وندى وسمر.. وفي سلته إنتاج موسيقي وعود سيرثه عيسى مع دوران دولاب الزمن على العائلة. أصيب الملحن بمرض عضال وترك خلفه حملا ثقيلا وامرأة صلبة عنيدة كان يعرف أن ذريته في حضن الأمان والحكمة والعقل. فالراحل حسن غندور، الذي عاصر وتعاون مع كبار في عالم التلحين مثل محمد عبد الوهاب وغيره، كانت له إنجازاته النوعية والكثيرة والتي لا تزال محفوظة في أرشيف إذاعة لبنان.
أم رياض، أو مريم مشموشي غندور، كانت قد هبطت من اقليم الخروب الى بيروت وعاشت لدى عائلة من آل شهاب بالقرب من الكنيسة الكاثوليكية في الحمرا. درست وتعلمت خطفاً، في زمن كان تعليم الفتيات من الأمور غير المرغوب فيها في مجتمع ذلك الزمن. في النصف الثاني من السبعينات عرفناها في الحي أُمّا مثالية مكافحة ترعى عائلتها وتعمل في وظائف عدة قبل أن تستقر في الإذاعة الرسمية قرب الصنائع. انسجمت بسهولة مع بيئة رأس بيروت المختلطة، فكانت لها علاقات صداقة طيبة مع جيراننا الأرمن والمسيحيين. وهي لم تتردد في مساعدة جارتها وصديقتها المسيحية من استعادة شقتها المحتلة من أحد “زعران الميليشات” بفضل شجاعة وإقدام ابنها الضابط.

“عاشقة الدولة والجيش”.. هكذا سمّيتها.
لم تفقد ايمانها بالدولة ومؤسساتها في مرحلة الوجود الفلسطيني وصولا الى الاجتياح الاسرائيلي الى حقبة الوصاية السورية ما بعد الطائف. لا حلول وسط عند أم رياض غندور: مع جارتها الفلسطينية المتحمسة كانت تجاهر برأيها دون مواربة، ومع جارها القومي الخفيف الظل كان لها صولات وجولات، ومعنا نحن الجيل الطائش والمتحمس للكوفية الفلسطينية “على العمياني” على حساب الهوية اللبنانية كان نصيبنا “شحاطة بلاستيك على درج البناية”. لم تترك أمنا مريم مجالاً للزعل مع خصومها. كانت تمتلك قدرة هائلة على الصبر والتحمل وعلى الاعتراض وتسجيل المواقف ضد الخصوم دون كسر الجرة معهم. مدرسة في الدبلوماسية والسيطرة على الاعصاب والتشدد عند الحاجة.
كانت تضحكني كثيراً خلال جلسات استقبالها لزوجة مدير تحرير إحدى الجرائد البيروتية المعروفة والتي كانت تتشاوف بإنجازات زوجها وعمق تحليلاته، في حين كانت أم رياض تشعل السيجارة تلو الأخرى وتهز برأسها لدرجة حسبت إنها خصلة أو نوبة تصيبها في مواقف مشابهة. لم يكن لديها وقت تضيعه. صباحاً تذهب مشياً الى عملها، تعود بعد الظهر وهي تحمل أغراض طبخة اليوم التالي. وفي المساء تعد وجبة غداء الغد وتستمتع بقصص وخبريات وحل مشاكل الشباب والصبايا.
كانت جارتنا قاسية وحازمة مع أولادها: لعبت دوراً هاماً في تشجيع رياض على التقدم الى المدرسة الحربية. تخرج وتدرج وسافر فصار عميداً، حتى وصل الى مركز هام جداً في لواء الحرس الجمهوري. فرح الذكية والعنيدة كانت من الأوائل اللاواتي دخلن عالم الكومبيوتر في شركة في تلة الخياط، وأصبحت اليوم تعمل في مجال الروبوتات في المانيا. عيسى دخل عالم الفن والموسيقى وأصاب نجاحاً وشهرة. كان يطربنا بصوته الجميل في السهرات العائلية والشبابية. أحببت جداً غناءه للسيد درويش بعد سنوات على مسرح المدينة ثم على مسرح مهرجانات جبيل. حضوره على المسرح عفوي ومحترف ويعرف كيف يخلق حالة تفاعل مع الحضور. وندى الصغيرة دخلت الوظيفة الحكومية وبقيت لليوم ترعى أمها. أما سمر، آخر العنقود، فدرست الماجيستر في العلوم الاجتماعية وأصابت نجاحاً باهراً في شركة أسستها مع زوجها لأقامة وتنظيم المناسبات الاجتماعية والأعراس في دول الخليج العربي.
لا أستطيع نسيان مشهد أم رياض وهي مسمّرة أمام شاشة التلفزيون في عيد الاستقلال لمشاهدة العرض العسكري. رغم تراجع دور الجيش الوطني وانقسامه خلال الحروب الأهلية، لم تفقد إيمانها بأن البذلة العسكرية هي خشبة خلاص البلد الوحيدة. كانت والدة صديقي الخمسينية تشعل سيجارتها وتلتصق بالشاشة لتتابع أدق تفاصيل العرض خاصة العنصر البشري والمغاوير فيخيل لي، وربما لها، سماع الأغنية الوطنية “خبطة قدمكم ع الأرض هدارة”.
كان بيت مريم غندور “دار ندوة” ولقاء للكل من كبار وصغار ومن أصحاب كافة الاتجاهات والميول. صالون منفتح تضبطه عصا المايسترو حضوراً وغياباً. في بيتها التقيت بالجيل الجديد من آل مشموشي (أبناء الصحافي محمد مشموشي في جريدة السفير)، كما تعرفت على الدكتورة أحلام المتخصصة في علم التربية في الجامعات الأميركية، والتقيت بأقارب العائلة لآل غندور من النبطية، وأصدقاء كثرا للوالد الراحل بقوا أوفياء للأب والعائلة.
قاعدة ذهبية كانت سائدة في بيت مريم غندور: أمور العائلة الخاصة والداخلية ليست للنشر. فكنت كلما أشعر بطرح موضوع خاص وأنا وسطهم، أنسحب تلقائياً، مما أكسبني ثقة هذه العائلة “الجنوبية-الرأس بيروتية” فأصبح بيتهم بيتي الثاني.
علمانية وطنية هي أم رياض من العيار الثقيل مثل معظم سكان وأهل رأس بيروت في ذلك الزمن الجميل . لم يرتبط أحد من أبنائها وبناتها من نفس الطائفة أو المذهب. العميد غندور قفز فوق أسوار الطائفة تماماً كما كان يفعل خلال سباحته في بحر خلدة الهائج والتي كانت تتطلب قلباً من حديد. وكذلك فعل عيسى الذي تزوج من مارونية أصولها من دير القمر. وأيضاً فرح تزوجت من محامي ألماني زار بيروت للتعرف على العائلة ووقع في غرام شمسها. وسمر المهضومة والذكية أحبت وتزوجت من ماروني نبيل الأسم والسلوك. بيت “الغنادرة او الغندوريون” بيت نظيف عصامي قرر المضي عكس المرحلة، فكان كالحديقة التي نالت عناية مميزة فأزهرت ورودا وزهورا تشبه جمال طبيعة البلد.
تمضي أم رياض وقتها اليوم في بيتها تتابع الأفلام والمسلسلات الأجنبية لتقتل الوقت وتصمد أمام تحديات العمر. تتواصل مع أولادها هاتفياً وتنتظر زياراتهم المتكررة . كنت ماراً الأسبوع الماضي فنظرت الى الطابق الرابع في البناية حيث شرفة شقتها المغطاة ببرداية زرقاء. (swatlyoga.com) بعد أن ركنت سيارتي أمام بناية ضخمة قيد الإنشاء اقيمت مكان مدرسة الروضة، لمحت امرأة غزا الشيب شعرها وقد تقدم بها العمر وهي تطل من فتحة ضيقة الى الشارع تحت.
رأيت “مريم رأس بيروت” كما كنت ألمحها صيف 1982 خلال الاجتياح الاسرائيلي وحصار بيروت الغربية تتواصل مع أولادها روي وعيس المتطوعين معنا في جهاز الدفاع المدني التابع للجبهة الموحدة لرأس بيروت في مدرسة الروضة وتلبي لهما طلباتهما الملحة وتطمئن عليهما بعد نوبة قصف وغارات جنونية .
حسبت أنها تطمئن على استمرار الحياة تحت في الشارع وعلى أحوال البلد ومآلاته.
أم رياض… من جيل أمهات يصعب أن يتكرر.
***
*الصورة الرئيسية: الكاتب زياد كاج وأم رياض




سرد واقعي يحكي مرحلة عصيبة ويصف حالة لا تزال تتكرر إلى يومنا هذا، شكرا زياد على تسجيل هذه الحالة وصدقت بكل ما كتبت بواقعية ووجدانية..