هايدغر ضد هيغل… التراث والاختلاف!
وفيق غريزي
إن الاشكالية الالمانية في اصولها ومسألة التراث، طرقت وما زالت تطرق، بالكيفية التي نحتها الفكر الالماني منذ بداية القرن الماضي، حيث طرحت مسألة التراث في ملابسات سياسية وفكرية معينة، لذا فلسنا نقصدها هنا بهذين الاسمين ”هايدغر وهيغل” علمين من اعلام الفكر الالماني، بقدر ما نرمي الى أن تتم بلورة فيهما الموقفين الاساسيين اللذين تمخض عنهما الجدال في المانيا ثم في روسيا وايطاليا في ما بعد، بل وربما ما زال يتمخض عنهما كل جدال جدي حول مسألة التراث. الموقف الأول يمتد من هيغل الى ديلتي وينظر الى التراث من خلال نزعة تاريخية وداخل ميتافيزيقية الهوية والتطابق. أما الثاني فيضم اسماء متنوعة في الظاهر، ويتواجد فيه جنبا الى جنب كل من ماركس ونيتشه وفرويد وهايدغر، بل اننا نجد صداه عند بعض المفكرين الفرنسيين المعاصرين، المفكر عبد السلام بنعبد العالي تناول هذه الاشكالية بالدرس والتحليل والمقارنة بين مارتن هايدغر وهيغل، في كتابه ”هايدغر ضد هيغل -التراث والاختلاف”
حول اشكالية التراث:
يرى الكاتب أن الامر لا يتعلق بالوقوف عند نشاة ”آخر” الهوية الغربية، ذلك الاخر الذي اتخذ اسماء متعددة عبر العصور والذي يتخذ اليوم اسم الغرب، كما لا يتعلق ايضا بمتابعة الكيفية التي كانت الذات العربية ترتد بها الى نفسها، ويردها اليها الآخر، لترسم صورة ما عن نفسها، وعن الآخر. وعن ماضيها وتراثها، ويقول الكاتب ”إن ما يهمنا هو الصياغة النظرية لمسألة التراث، فًنحن اذ ندرس التراث نريد أن يكون عامل تأصيل وخصوصية حضارية. كما نريد تملكه دون أن يتملكنا، واستلهامه دون أن يستلبنا. ومن هنا يتبلور ذلك الاشكال الذي اعتدنا أن نلخصه عندما نقابل التراث بالمعاصرة”، لنقل انه يفترض مفهوما زمانيا عن التراث، وتحديدًا خاصًا للزمان التاريخي هو التحديد الهيغلي الذي يكون فيه الزمان صيرورة يفصل فيها حاضر متحرك الماضي عن المستقبل.
وفي اعتقاد الكاتب أنه الزمان الذي يقوم كما بين هايدغر، على مفهوم الحضور. اذا يريد هايدغر أن ينظر الى مسألة التراث خارج فلسفة الحضور، وهو لا يعتبر التاريخ تتابعا لعصور عدة يتجاوز اللاحق منها السابق. وانما ينظر إليه كما يقول هايدغر نفسه من زاوية تاريخية اصيلة، فيلتفت لهذا الذي لا ينفك عن المضي. وهو لا يطرق مسألة التراث من وجهة التجاوز الهيغلي فيقول: ”يقتضي ذلك أن يحرر الفكر الذي نقل الينا فيتمكن من العودة الى ما اختزن فيه. الى هذا الذي لم ينفك عن الوجود – الى هذا الذي يهيمن على التراث منذ بداياته وكان دوما اسبق فيه، دون أن يفكر فيه مع ذلك بوضوح ودون أن ينظر اليه كأصل”. إن هايدغر على العكس من ذلك، ينظر الى الماضي على أنه لا ينفك يمضي الى الحاضر على انه ما يفتأ يحضر. بهذا المعنى يرى الكاتب أنه لا يكون التراث وراءنا ونحن لا نكون لا على مسافة قريبة ولا على مسافة بعيدة من اصولنا الفكرية. بل أن هذه الاصول تكون معاصرة لنا. ومن هذا المنظور ينهار التقابل بين التراث والمعاصرة، وفي هذا السياق يقول هايدغر: ”إن المسافات الزمنية وتسلسل العلل تمت الى التاريخ لا الى الوجود التاريخي الاصيل. فحينما نوجد تاريخيا لا نكون لا على مسافة بعيدة ولا على مسافة قريبة من الاغريق. اننا نكون بالنسبة اليهم التيه والضلال. فالمعاصرة من منظور الكاتب بنعبد العالي لا تعني المثول المباشر والحضور الواعي، إن التراث يكون حاضرا زمانيا غائبا وعيا، أو كما يؤكد هايدغر أن حضوره لا يتم كذاتية متعينة وإنما اختلافه وانفصاله وتباعده، فالتراث اذا، لا يوجد وجودا تاريخيا، وهو ليس محفوظا بين دفات كتب الاصول، انه موشوم عل جسم الشعب، عالق باذانه، منقًوش على جدرانه، حال في لغته، مكبوت فًي لا وعيه.

الكتابة والميتافيزيقا:
تنظر الميتافيزيقا الى الكتابة كوسيلة للتعبير، والمجاز الذي يقوم بنقلها، وهي اداة لتبليغ المعاني وتمثيلها، ومناسبة لحضور المعنى ومثوله، ولدى الكاتب فان الميتافيزيقا تنفي مادية الدليل وكثافته. وهي تعتبر الدال مجرد مظهر للمدلول، فتعطي اسبقية زمانية ومنطقية -بل وشرفية- للمعنى على الدليل، للمدلول على الدال، للفكر على المادة، وللنفس على الجسد. وبما أن الكتابة ليست مجالا لانتاج المعاني، بما انها جسم وتقطنه روح النص، بما انها مجرد قنطرة وتعبير، فلا يعود الدليل إلا مناسبة لاستحضار المعنى الأصلي المستقل عن كل عملية انتاج، سواء اكان ذلك المعنى، قد وجد في عالم مفارق، او كان ذهنيا، او مقصد ذات تعطي للموضوعات معانيها.
ويخلص المؤلف الى القول: ”إن القراءة المفروضة للميتافيزيقا، لا تنظر الى النص كما لو كان ينطوي على نية ما، اللهم اذا كانت تلك النية هي سوء النية التي لا تصدر عن أي كائن اخلاقي. وبهذا المعنى فهي اذ تقرأه فلتنتج ما لم يفكر فيه، ولا حاجة للتأكيد بان هذا اللامفكر فيه ليس هو ما غاب عن ذهن مفكر، ذهن ذات مفكرة، ولا هو ما يوجد خارج المفكر فيه بعيدا عنه. وهنا يؤكد هايدغر ان اللامفكر فيه، في فكر ما ليس نقصا يعيب ذلك الفكر، ان اللامفكر فيه لا يكون إلا بما هو لا مفكر فيه، وكلما كان الفكر اكثر اصالة، اغتنى لا مفكره. اذا ما اردنا أن ندرك فكر المفكر، علينا أن نبرز عظمة ما ينطوي عليه من أمر عظيم، حينئذ ندرك ما لم يفكر فيه، كما يقول هايدغر.
الزمان بين هايدغر وهيغل:
من أهم الافكار التي يشدد عليها كتاب هايدغر ”الوجود والزمان” أن الانسان لا يوجد ولا يمكن أن يوجد ككائن تاريخي، إلا لأنه كائن زماني، فليس الوجود البشري زمانيا لأنه يحتل موقعا في التاريخ، انه على العكس من ذلك، وجود تاريخي لأنه زماني. ويعتقد المؤلف بنعبد العالي أن هايدغر يكاد ينفرد بهذا الموقف في تاريخ الفلسفة. فاغلب الفلسفات التي اقيمت حول الزمان، سواء عند كانط أو هوسرل او برغسون، اما انها لم تؤد الى اية فلسفة في التاريخ، كما هو الحال عند برغسون، أو أنها، حتى ان قادت اليها، فانما نحو فلسفة فقيرة في التاريخ مثلما هو الأمر عند هوسرل. وعلى العكس من ذلك، فاغلب فلسفات التاريخ المعروفة كفلسفة بوسويي وهيغل وماركس. اما انها نمت خارج أي تحليل للزمانية البشرية، أو أنها تبنت مع شيء يسير من التنقيح، اكثر المفاهيم تقليدا من الزمان، لكي تقيم عليه منطق الزمان التاريخي. وهذا ما اشار اليه هيغل ”وهذا، على سبيل المثال هو التاويل الذي يعطيه هايدغر لمفهوم الزمان عند هيغل، وعلاقته بالفكر الذي يغترب في الزمان، اي فيما يدعوه هيغل التاريخ المفهوم”.
ويعلن الموًلف أن هايدغر يحاول بالفعل أن يثبت أن هيغل، عندما يؤكد أن الفكر او التاريخ ما دام الفكر هو وحده الذي له تاريخ يقع داخل الزمان، فهو لا يفكر بعيدا عن الزمان العادي، فالمفهوم الهيغلي عن الزمان هو صياغة للتصور العادي عن الزمان.
وحسب مفهوم هايدغر فان هيغل يتعرض لمشكلة الزمان داخل فلسفته في الطبيعة، ومن ثم فان هذا المفهوم ينتمي الى انطولوجيا طبيعية، والى نفس الوسط والسمات التي يتميز بها التصور الارسطي (نسبة الى ارسطو)، ويقول هايدغر ”ان هيغل يثبت أن حقيقة المكان الذي يرتد الى نقط في الزمان، الذي يرتد الى سلسلة من الانات”. وهذا يؤكد أن جوهر التأويل الهيغلي للزمان يقوم في تعيينه كنفي للنفي. وبناء على ذلك، يقول المؤلف:
“إن هايدغر يستنتج أن مفهوم هيغل عن الزمان ليس هو المفهوم العادي فحسب، بل انه المفهوم التقليدي الذي كرسته الميتافيزيقا، اي مفهوم ارسطو”. ويعقد هايدغر مقارنة بين المفهوم الهيغلي والمفهوم الارسطي للزمان فيقول:”يري ارسطو أن ماهيته هي الآن وهيغل كذلك، وهو يتصور الآن كنهاية وهيغل كذلك، وهو يدرك الآن كنقطة وهيغل كذلك، وهو يحدد الآن كهذا المشار اليه، وهيغل يطلق عليه هذا المطلق، وفق التقليد المعروف يربط ارسطو بين الكروتوس والكرة، اما هيغل فيلح على الدورة الدائرية للزمان.

الفلسفة وتاريخها:
ربما لا يصح أن نتحدث عن تاريخ الفلسفة قبل هيغل. صحيح أن اراء الفلاسفة ومذاهبهم قد جمعت وان مقالاتهم قد قيدت غير مرة، وهذا منذ ميلاد الفلسفة ذاتها، الا أن امرا جديدا يقول المؤلف ”لم يعرف الظهور قبل هيغل ولم يتحقق إلا معه، وهو مطابقة الفلسفة لتاريخها”. وذلك أن تاريخ الفلسفة كم يقول هيغل: ”لا يهتم بوقائع الاحداث التاريخية، وانما هو نمو لمحتوى الفلسفة ذاتها كما يتجلى في حقل التاريخ. ومن هذه الناحية فان تاريخ الفلسفة لا يتنافر مع الفلسفة، بل انه ينطبق معها. فليس الماضي وفق مفهوم هيغل في تاريخ الفكر الا احد مظاهر ذلك الفكر … وذخيرة العقل الداعي بذاته، تلك الذخيرة التي تنتمي الى عصرنا لم تولد بكيفية مباغتة ولم تنبع من ارض الزمن الحاضر. انهاتراث، وبعبارة ادق انها حصيلة عمل جميع الاجيال السابقة للجنس البشري. هناك اذا وحدة بين الفلسفة وتاريخها، وهيغل عندما يفكر في موضوع الفكر يقول هايدغر: ”لا يفصله عن حوار مع تاريخ الفكر الذي تقدمه، وهو أول من فكر كذلك، وتمكن من التفكير على هذا النحو”. ويؤكد المؤلف أن هايدغر نفسه لا يحيد عن هذا المنحى. وحتى وان كان يكثر الحديث عن ضرورة متجاوزة الفلسفة و”نهايتها لتحديد مهمة الفكر”، فهو يرى أن كل محاولة للنظر في ما يمكن أن يكون مهمة للفكر تجد نفسها مدفوعة لا تأخذ الكل الذي هو تاريخ الفلسفة بعين الاعتبار، والفكر من وجهة نظر هايدغر الذي يفكر في حقيقة الوجود، بما هو فكر، لابد وان يكون تاريخيا. اي أن يدخل في حوار مع تاريخ الفكر ذاته”.
ويشير المؤلف الى أن هايدغر لا ينظر الى تاريخ الفلسفة من وجهة نظر الحقيقة . وهو اذ يحاور هيغل، لا يحاول غربلة افكاره لتمييز صوابها من خطأها. فيقول هايدغر: ”إن التحديد الهيغلي للتاريخ كنمو الفكر ليس تحديدا خاطئا، لكنه ليس كذلك بالتحديد الصحيح في جزء منه والخاطىء في الآخر. إن صحيح صحة الميتافيزيقا التي استطاعت مع هيغل، ولأول مرة، أن تجد التعبير عن ماهيتها المطلقة في المنظومة الفلسفية”.
يلتقي هايدغر مع هيغل في تأكيده بأن تاريخ الفلسفة ليس من صنع المفكرين، وانه من فعل الوجود ذاته، وانه لا ينقل ما يتعلق باراء وتمثلات عن الوجود مضت وانقضت، وهو لا يتابع شروط تأثيرها ولايتعرض لوجهات النظر داخل تاريخ التصورات. فعندما يؤكد هايدغر تاريخية الفكر، يقول المؤلف: “فهو لا يعني فحسب أن قانون الفكر يمكن أن ينسحب على قانون التاريخ وهو لا يقصد كما يظهر لهيغل”، أن المنظومة الفكرية يمكن أن تضع قانون الفكر لقانون التاريخ، وأن ترد تبعا لذلك التاريخ الى المنظومة. انه يعني”ان هناك تاريخا للوجود ينتمي اليه الفكر كمذكرة فيها فكر في الوجود، مذكرة لهذا التاريخ وضعت بفضله”، وفي الخلاصة ثمة فرق بين هيغل وهايدغر في ادراك كل منهما لحركة التاريخ وعلاقة تلك الحركة باصولها. إن كتاب بنعبد العالي محاولة، صد أصول بعض المفاهيم الفلسفية التي يقوم عليها الفكر المعاصر، كمفهوم الوحدة والاختلاف والتاريخ والايديولوجيا.



