لبنان في مواجهة الحرب الباردة… بين مطرقة الحياد وسندان الأحلاف الدولية
المحامي معوض رياض الحجل
مع هبوب رياح الحرب الباردة من جديد بين العملاقين الروسي والأميركي يقفُ لبنان، البلد الصغير بمساحته والكبير بدوره ثقافيًا وفكريًا وحضاريًا، على مُفترق طرق خطير بين ضرورة أعتمادهِ سياسة الحياد عن كل الصراعات المُحيطة بهِ أكانت سياسية، أقتصادية أو عسكرية، أو أنضمامهِ إلى سياسة الاحلاف الدولية، أكان مع المُعسكر الشرقي، أي روسيا الاتحادية وحلفائها، أو مع الغرب أي الادارة الأميركية وحلفائها.
ما سنحاول الاضاءة عليه من خلال هذه المقالة هو شرح موقف السلطة اللبنانية وأركانها المقسوم تاريخيًا بين الحياد أو عدمهِ. في الواقع هذا الانقسام بين مؤيد ومُعارض هو الذي أشعل فتيل الحرب الأهلية في العام 1958، إذ أنقسم البلد بين مؤيد لمبدأ الرئيس أيزنهاور وبين مُعارض، فسالت الدماء البريئة في شوارع بيروت في ذاك الصيف الحار.
ما كادت تنطفىء نار الحرب والانقسام حتى برزَ الأنقسام الدموي الحاد من جديد في ربيع العام 1975 بين مؤيد للمُقاومة الفلسطينية في معركتها ضد العدو الصهيوني وبين المُعارض والمُطالب بسياسة الحياد عن الصراعات.
***
نحن الآن في 5 نيسان 1957. المكان هو قاعة مجلس النواب اللبناني أثناء مُناقشة بيان الحكومة اللبنانية حول سياستها الداخلية والخارجية. أنقسم المُتحدثون بين مؤيد ومُعارض لسياسة الحياد ومن أبرز المُتحدثين الرئيس عبدالله اليافي والنائب غسان تويني.
كلمة الرئيس عبدالله اليافي المطوّلة
فكلمة الرئيس عبدالله اليافيالمطولة عارضت بشدة فكرة أنضمام لبنان إلى سياسة الاحلاف الدولية تحت ستار ما كان يسمى “بمبدأ أيزنهاور” من دون التشاور مع الدول العربية، وهذا أبرز ما جاء كلمتهِ:
“لقد القت الحكومة بيانها المُتعلق بالسياسة الخارجية وأنني من الذين يعتقدون بأن هذه السياسة التي أعتمدتها الحكومة، كما سأشرح لحضراتكم، هي سياسة جديدة غير السياسة التي كنا أتفقنا عليها وأتفقت عليها الحكومات المُتعاقبة حتى الآن.
السياسة الغربية يا سادة بعد الانطلاقة التحررية كانت ولا تزال ترمي إلى أستعادة مركزها عن طريق الاحلاف العسكرية. السياسة الغربية رسمت لنا في سنة 1951 ما سُمي بالقيادة المشتركة، فلما فشلت سياسة الغرب سنة 1951 ولم تتمكن من إدخال البلاد العربية في الاحلاف العسكرية عمدت إلى أنشاء ما سُمي بحلف بغداد الذي أتت حكومتي إلى المجلس ونالت الثقة على أساس أنها لن تدخل فيه ولا في أية أحلاف عسكرية أجنبية اخرى.
فشل حلف بغداد وفشلت بفشلهِ المشاريع الغربية التي تهدفُإلى ربط الدول العربية بسلسلة من التحالفات العسكرية.

جرى الاعتداء وصُرف النظر نهائيًا عن تلك التحالفات العسكرية الصريحة كحلف بغداد الذي رفضناه وقامت مقامهُ فكرة أملاء الفراغ الذي فكرت فيه الولايات المُتحدة لكي تحل محل التحالفات العسكرية، تلك الفكرة التي بُني عليها مبدأ الرئيس أيزنهاور والتي تحل الولايات المُتحدة بموجبها محل فرنسا وبريطانيا فكرة الفراغ الذي يملأهُ مبدأ الرئيس أيزنهاور وتعتنق سياستهُ الحكومة اللبنانية الحاضرة.
سأشرح لكم رأيي في هذا المبدأ وسأبين لكم أنهُ لا يختلف في مرماه ولا في مبناه عن التحالفات العسكرية الأجنبية التي نحنُ نلنا الثقة على أساس رفضها. أكتفي بالقول بأن السياسة الاميركية ترمي – وقد رفضت مصر أو على الاقل تمنعت أن تبدي رأيها في مبدأ أيزنهاور – ترمي هذه السياسة الاميركية إلى عزل مصر وأجبارها فيما بعد للخضوع لمبدأ أيزنهاور صاغرة طائعة.
سوريا جربوا معها أيضًا أن يعزلوها عن مصر فلم يتمكنوا وكانت محاولة المؤامرة حلقة من سلسلة حلقات السياسة المرسومة والغاية منها تفكيك الدول العربية الواحدة عن الاخرى بغية عزل مصر عن المجموعة العربية، التي تقولون أنكم معها في حين أنكم في هذه السياسة الجديدة تساهمون في عزلها عن المجموعة العربية وأنتم تتغنون بالمحافظة عليها.
ولكن لا يمكن أن يُطلب من لبنان المُستقل الحر أن يربط نفسه ويقيد نفسه فنرجع من ثم إلى الوراء بعد أن نكون أحرارًا، ونربط أنفسنا وسياستنا من جديد بتحالفات وعهود.
أن هذا كله يوحي بأن سياستكم المُتعلقة بالاحلاف العسكرية قد تغيرت عمدًا أو عن غير قصد.
تعلمون ان الولايات المُتحدة قد خلقت الحلف الاطلسي والحلف الباسفيكي وعقدت سلسلة من المعاهدات العسكرية الضخمة للوقوف بوجه الأتحاد السوفياتي، ولم يكن من المُستطاع بعد الاعتداء على مصر، لا لاميركا ولا لسواها، أن تعقد حلفًا عسكريًا مع أية دولة عربية،
لا يمكننا، نحن العرب، أن نقول للاتحاد السوفياتي: بترت يمينك لانك أعطيت القمح إلى مصر، في حين أن اميركا تمنعت عن أرسال القمح إلى مصر. مهما كانت الاعتبارات والنظريات السياسية أن يقول للاتحاد السوفياتي سلمت يداك.
نحن بلدٌ صغير نريدُ أن نكسب صداقات العالم كله، وإذا كان الاميركيون يحبوننا حقيقة فيجب عليهم أن يعفونا من الاحلاف وأن يرضوا عن عدم أنحيازنا إلى أحدى الكتل، وأن لا يغضبوا إذا لم نرتم في أحضانهم.
إن السياسة الاميركية قائمة على قاعدتين. الاولى: وقد شرحتها لكم، وهي تتمثل بالاحلاف وبما يسمونهُ حزام الامن الذي يحيط بالاتحاد السوفياتي والذي أنبثقت عنهُ فيما بعد فكرة العقود الثنائية على أساس مبدأ ايزنهاور.
والقاعدة الثانية هي الابقاء على اسرائيل.

كانت سياسة لبنان الخارجية، كما قلت، مُنسجمة كل الانسجام مع سياسة الدول العربية. ولكننا أنفردنا اليوم في هذه السياسة وساهمنا، عن قصد أو عن غير قصد، بإحراج مركز سوريا التي لم تقل كلمتها بعد في مشروع ايزنهاور، وساهمنا أيضًا بعزل مصر، وأنفردنا بسياسة كان من المصلحة اللبنانية أن نتشاور فيها على الصعيدين الداخلي والخارجي، كيف تسمحون لانفسكم أن تنفردوا بالسياسة الخارجية ولا تستشيرون احدًا؟ كيف يمكنكم ذلك دون أستشارة اللبنانيين؟
قلت أنكم لم تستشيروا أحدًا على الصعيد العربي، ويقول الزميل الاستاذ بستاني، هل أستشارونا في مصر؟ وأنا اقول لهُ واسألهُ هل أنضممنا نحن إلى الاحلاف معهم؟ أنهم اجتمعوا بحكم الاتفاقات الثنائية التي بينهم والتي رفض لبنان الدخول فيها. لقد أجتمعوا وحددوا تواريخ دورات أجتماعهم. ولكن لبنان رفض رغم أنهُ مرتبط بميثاق الجامعة العربية، ومن واجبهِ استشارة الجامعة.
هذا ما كان يجب أن تفعلوه. وهذا ما لم تفعله الحكومة الحاضرة. وهذا ما نؤاخذها عليه أيضًا لانها بهذه السياسة أنفردت عن المجموعة العربية وأحرجت مركز الكثيرين منها. مع أنه لا ينقص من مركز لبنان مثقال ذرة لو أنهُ تشاور مع الدول العربية.
أقول هذا وأنا اتساءل، هل هذه كانت سياسة لبنان الخارجية حتى الان؟ وهل كانت سياسة لبنان تقول بالانضمام إلى الغرب دون قيد ولا شرط؟
هل كانت سياسة لبنان الخارجية تقضي أن نختار بين عملاقين وأن ننضم إلى عملاق دون الاخر؟ كلا لم تكن هذه هي السياسة الخارجية؟
أذكر أن فخامة الرئيس شمعون في خطابهِ الذي القاه في مؤتمر الخريجين العرب والذي أوضح فيه السياسة اللبنانية الخارجية، لم يقل في خطابه أن على لبنان أن يختار أما الشرق أو الغرب، ولكنه قال كلمة مأثورة: إن موقف لبنان من الغرب متوقف على موقف الغرب من لبنان.
أنا لستُ ضد الغرب ولكني أريدُ أن يكون الغرب مُنصفًا لنا. أفضل أن يكون لبنان مُرتبطًا مع مجموعة الدول العربية فلا ينفرد بسياسة مع الغرب والا فليقل بصراحة أنهُ ليس بامكانهِأن يُجاري هذه المجموعة.
لقد أرتميتم في أحضان الغرب دون أي ثمن، ودون أن تحل أية قضية من القضايا العالقة وتركتم الورقة الرابحة التي أجمع وزراء الخارجية العرب على أستغلالها.

إن مبدأ الرئيس ايزنهاور ما هو الا صورة مرنة لبقة من التحالفات العسكرية التي كان يرمي الغرب إلى عقدها مع الدول العربية والتي نفرت منها. تقول الاسباب الموجبة لهذا المبدأ، وقد صدرت تصريحات عديدة كلها تشير إلى الاحداث العالمية العسكرية، نقول بالتعاون على إيجاد وتأييد نظام الامن للامم المتحدة ودعم نظام الامن بسلسلة من الاتفاقات الدفاعية أي أننا أقمنا تحالفات عسكرية، ثم يقول.. بإن تشمل مثل هذه المساعدة وذلك التعاون استخدام قوات الولايات المُتحدة لضمانة سلامة أراضي الدول التي تطلب حماية أراضيها عند الاعتداء عليها. اذن فالرئيس ايزنهاور يقول بان التعاون يسمح باستخدام قوات الولايات المتحدة لضمانة سلامة اراضي الدول التي تطلب ذلك لحماية استقلالها السياسي. من المسلم فيه أن الذين يتعاقدون على أساس المبدأ المذكورإنما يضعون بلادهم تحت حماية الولايات المُتحدة وجيشها.
ولننتقل الى البلاغ المشترك فنرى أنهُ ينص على ما يلي: “إن الحكومتين عازمتان على الدفاع عن أستقلالها بلديهما السياسي وعن سلامة أراضيهما وعن حق كل منهما في اعتماد شكل الحكم الذي يختاره لنفسه وفي انماء حياته الاجتماعية والثقافية بكل حرية”.
عندما نقرأ هذه المادة على ضوء الفقرة الثالثة من مبدأ الرئيس ايزنهاور التي تقول: ان الولايات المتحدة ستحمي الدولة التي تطلب مساعدة الولايات المتحدة، ونحن نطلب هذه المساعدة لحمايتنا عندما نقرأ هذه المادة التي تنص على ان الحكومتين اللبنانية والاميركية عازمتان على الدفاع عن سلامة اراضيهما على ضوء الفقرة الثالثة من مبدأ ايزنهاور لا يمكن لاخد ان يقول بأنه ليس هناك من ارتباط عسكري بل اننا وضعنا استقلالنا السياسي وسلامة اراضينا في حماية الولايات المتحدة، وهذا ما يخالف السياسة التي درجنا عليها وهي سياسة البعد عن الاحلاف العسكرية. لسنا بحاجة ان نربط انفسنا بحماية الولايات المتحدة لان هذا معناه اننا ارتبطنا بعقود جديدة، وكانت سياستنا في الماضي ان نعتمد على صيانة استقلالنا لا استنادا الى المعاهدة الثنائية بل استنادا الى وجودنا كأعضاء في هيئة الامم المتحدة التي اثبتت موجوديتها عندما وقع الاعتداء على مصر. كان اعتمادنا على حماية استقلالنا حتى الان، على الامم المتحدة فاتيتم انتم وغيرتم هذا الوضع ووضعتموه تحت حماية الولايات المتحدة وهذا مخالف لما درجنا عليه منذ ميثاق سنة 1943 الذي أجمعت عليه كلمةاللبنانيين من جميع الطوائف مسلمين ومسيحيين، بأن لا يكون في هذا البلد لاية دولة، مركز ممتاز، فأتيتم أنتم وأرتبطتم مع الولايات المتحدة وأعطيتموها مركزًا ممتازًا. لو أتت مثلًا غدًا فرنسا أو بريطانيا أو الاتحاد السوفياتي وقالت أنتم درجتم على سياسة خارجية لا تعرف التحيز لاية دولة، والان ارتبطتم مع الولايات المتحدة ونحن نريد ان نرتبط معكم فماذا يكون رأيكم؟ ان عملكم هذا كما قلت مُخالف لميثاق سنة 1943. ثم أنا أفهم هذا التحالف بأن لهُأهدافًا، فما هي اهداف هذا التحالف؟ تأتي المادة الرابعة من البيان الثنائي اللبنانية الاميركي فتقول: ترى الحكومتان ان الشيوعية الدولية تتنافى مع الاستقلال القومي وتكون سببًا للاضطراب الدائم في سلم العالم وأمنه. هذه نظرية كما قال الزميل الدكتور نزيه البزري لم تتمكن الامم المتحدة من اقرارها حتى الآن، فيأتي لبنان مُنفردًا ويقرر ان الشيوعية الدولية هي التي تخل بهذا الامن وبالسلم في العالم؟ لبنان بلدٌ صغير ينشد صداقة جميع العالم. لقد كان الاتحاد السوفياتي أول من ناصر لبنان في الحصول على أستقلالهِ، وكان أول من أعترف باستقلال لبنان. وجدنا في السابق عذرًا لحلف بغداد لان أعضاء هذا الحلف هم على مقربة من الاتحاد السوفياتي أما نحن فبعيدون عنه. هذه هي السياسة الجديدة التي لم تكن مألوفة حتى الان في سياسة لبنان الخارجية. نحن ننكر عليكم حق فرض هذه السياسة قبل أن تستفتى البلاد وهذا ما نطلبهُ منكم.
نحن اليوم لنا علاقات تجارية ومصالح مادية مع الكتلة الشرقية، لو أتت غدًا الولايات المتحدة وقالت لكم أنا أطلب منكم أن لا تتعاملوا مع هذه الدول الشرقية تجاريًا وأقتصاديًا لانني أرى أن أمني انا الولايات المتحدة يتعارض مع تعاونكم وتعاملكم التجاري معها، فماذا انتم فاعلون؟
أنا لا أريد أن نلعب اللعبة الدولية مثل فرنسا وبريطانيا، أريد أن أبقى محايدًا بين كل الدول الكبرى، أريد أن أبقى صديقًا لجميع الدول، لا أريد أن أدخل في المشاكل الدولية، فهل تمنعون علي هذا الحق؟ أن هذا الوضع الآن وضع فاسد، وأقنعوني بأن سياستنا الخارجية حتى الآن كانت سياسة خاطئة منذ سنة 1943 حتى أسلم معكم بأنه يجب علينا أن نُغير هذه السياسة.
وانا لست ممن يقولون بالمحافظة على الحياد، لاني لا أزال أؤمن بمبادىء وبميثاق الامم المتحدة. ولكن لسلم جدلًا بأننا لا يمكننا المحافظة على الحياد، أيمكن أن نأخذ من هذا حجة لنرتمي في أحضان أحلاف عسكرية وسياسية جديدة.

وأنني أزعم انني لبناني قبل أي لبناني اخر، وأزعم أنني اتوخى من السياسة التي أنادي بها مصلحة لبنان قبل كل شيء. اذا أنا ناديت بالحياد بين العملاقين، فذلك لاني أريد أن أجنب لبنان مخاطر الحرب الباردة التي بدأتم بزجه فيها، ولاني أريد أن أجنبه مخاطر الحرب الساخنة في المستقبل.”
تويني: لا حياد ممكنًا من أجلنا ومن أجل أوطاننا
على عكس خطاب الرئيس عبدالله اليافي المُناهض لسياسة الاحلاف الدولية وخاصة مع الادارة الأميركية، رَكزّ خطاب النائب الراحل غسان تويني على تنبيه الجميع من الخطر المُتمثل بنظرهِ بالشيوعية الدولية وضرورة التصدي لها وعدم وصولها الى لبنان وذلك من خلال قبول لبنان بحسب رأيهِ بالدخول في سياسة الاحلاف الدولية لحماية نفسهِ دون أنتظار موقف الدول العربية مُجتمعة. وهذا أبرز ما جاء في كلمتهِ:
” أن الدكتور عبدالله اليافي لا يريد أن يلعب لبنان اللعبة الدولية الكبرى، وقد يكون لهُ في ذلك اجتهاد خاص ومن حقهِ أن لا يرى ان لبنان الدولة الصغيرة التي ينتمي هو اليها والتي ترأس حكومتها عدة مرات، ومن حقهِ أن لا يرى أنها تقدر أن تلعب اللعبة الدولية الكبرى، ولكن الدكتور عبدالله اليافي شاء هو أن يلعب اللعبة البرلمانية الكبرى فقلب القياس رأسا على عقب، وأنتهى بمناقشتهِ، وهو الحريص على الاصول البرلمانية إلى تهديد المجلس بإستقالة جماعية، اقل ما يقال فيها أنها لا تشكل خروجًا على اللعبة البرلمانية فحسب، بل تشكّل وسيلة من التهويل تأباها الروح الديموقراطية التي يتحلى بها الدكتور عبدالله اليافي.
إذا كان لبنان صغيرًا، يا دولة الرئيس اليافي، ولا يسعهُ أن يلعب اللعبة الدولية الكبرى، فإنهُ بلد مؤلف من بشر، من أنسان يؤمن ولهُ عقل، ولهُ حق في تقرير المواقف التي يشاء، حيال أية قضية كبيرة كانت أم صغيرة. من حق كل أنسان، أن يقول رأيه في الشيء الكبير الكبير وفي الشيء الصغير الصغير.
أننا نريدُ أن نُقرر مصيرنا بأنفسنا وأن نختار السياسة التي تتفق ومصلحتنا وأننا نتحمل مسؤولية الرأي والاختيار مهما عظمت هذه المسؤولية.
السياسة الخارجية التي كنا نسلكها سنة 1943 عندما نادينا بالحياد وعندما قلنا لا مراكز مفضلة لاحد عندنا كنا نقصد بها غير ما نقصده اليوم ولا نعتقد أن الدكتور اليافي ينطوي عليه الفرق بين الموقفين ونريده أن لا يعتقد أن ذلك لا ينطوي علينا.

فعندما وقف المرحوم رياض الصلح وقال لا شرق ولا غرب وقال بالحياد. عنى بذلك أن لبنان سيقف على الحياد بين بريطانيا وفرنسا على زوال الانتداب الفرنسي، فوقف المرحوم رياض الصلح وقال لا مركز ممتازًا لاحد عندنا، في ذلك الحين كان ذلك الموقف ضروريًا وذلك الحياد بين بريطانيا وفرنسا كان حيادًا مفروضًا علينا، ولكن القضية اليوم ليست بين بريطانيا وفرنسا، ونحن لسنا الآن الدولة الفتية الطرية العود كما كنا سنة 1943، الوضع الآن غير ذلك الوضع، ثم عند ما قيل لا شرق ولا غرب لم يعنِ لا شيوعية ولا ديمقراطية، عنى أن لبنان الذي تلتقي عندهُ حضارة الشرق الاسيوي ومنهُ العالم العربي أي اسيا وأفريقيا وحضارة الغرب التي تشتمل كذلك على الاتحاد السوفياتي، عندما قيل لا شرق ولاغرب كان يعني أننا لا نريدُأن نقف كدولة شرقية مُنعزلة ولا نريد في لبنان أن نتطلع صوب أوروبا وندير ظهرنا للعالم الغربي، هذا هو معنى لا شرق ولا غرب هو الذي لا نزال نحن عندهُ اليوم،
لا حياد ممكنًا وليس ذلك من أجل أميركا ولكن من أجل أنفسنا ومن أجل خدمة أوطاننا.
أيها السادة، لو شاءت اميركا أن تستدرجنا إلى حرب مع الاتحاد السوفياتي لكان من حقنا أن نقول لها كلا، ولو قالت لنا اتركوا الشيوعية لكان من حقنا أن نقول لها أيضًا لا.
وبعد ذلك اريد أن اعود إلى الميثاق الوطني الذي اشرت اليه يا حضرة الزميل.
هذا الميثاق من حيث هو اقرار بوجود لبنان وبكون لبنان لجميع أبنائهِ بالمساواة بين جميع ابنائه في حكمهِ وفي تقرير مصيرهِ، لا يخطر في بال أحد ان يمسه، ولا اعتقد ان الزميل الدكتور اليافي عندما قال انهم يتمسكون بالميثاق الوطني قصد اتهام سواهم بانهم اقل منهم تمسكًا به، لذلك ارجو ان تكون على ثقة ان هذه القضية ليست محل بحث ولكن علينا ان لا نجعل الميثاق متجمدا، وهذا الميثاق لا يعني موقفًا معينًا مجمدًا في السياسة الدولية، فهو لا يعني الحياد ولا العزلة ولا شرق ولا غرب، بل يعني بوجود لبنان ككيان مستقل سيد حر في معاملته بمحبة ومساواة مع سائر كيانات المجموعة العربية، هذا هو الميثاق وهذا هو ما نتمسك بهِ جميعنا ومن أجل الحفاظ عليه علينا.
آن لنا أن ننصف أنفسنا ولبنان. لبنان قام بواجبهِ وليس لهُ في فخر، وأعتقد اننا كلنا نشهد بان لبنان كان دومًا حريصًا على ان يكون الاّ يخطو خطوة ولا ينفرد بعمل دون استشارة الدول العربية، ولكن اذا كان مجلس الجامعة العربية لم يجتمع واذا كانت اللجنة السياسة للدول العربية لم تجتمع ولا مرة منذ سنتين (الاّ في بعض اجتماعات حضرها السفراء) فهل ذلك بسبب لبنان؟

إن مسؤولية عدم اجتماع الدول العربية في الجامعة العربية وعدم صيرورته كيانًا فعالا لا تقع على لبنان بل على الدول العربية التي تريد أن نتفرد في تقرير سياستها بمعزل عن لبنان بل بمعزل عن الجامعة العربية وأعتقد ان لا حاجة بي ان أسمي ولا ان اتهم، ولكن لا يجب ان يوضع في عنق لبنان مسؤولية سواه وهو براء منها.
ثم اذا كان لبنان لم يُستشر او اذا كان قد استشار، فهذه مسألة ان نسأل عنها الحكومة. قد يكون قد استشار او تباحث، ويعرف الزميل الدكتور اليافي ان آخر اجتماع لملوك ورؤساء العرب كان بمسعى من لبنان واعتقد انه يقوم الان بمسعى آخر، ولكن ما ذنب لبنان اذا كان غير لبنان يريد ان يبقى لبنان متوقفًا عن اتخاذ اي قرار ريثما تترتب مصالحه، ليس لبنان الذي انشأ سلسلة المواثيق الثنائية، ولا اوجد الثنائية، ولا أوجد لبنان حلف بغداد، وليس هو المسؤول عن هذا الواقع التاريخي الذي يعود الى الماضي عن واقع يصارع بابل والفراعنة ولكن الاكيد ان لبنان لم يوجده بل سعى بكل قواه دون استمراره. فماذا كان لبنان من وراء ذلك؟ كان له الاتهام والاعتداء والمقاومة المستمرة. ولا ادري ما يغضب بعضنا لشيء يقال في بيروت ولا يغضبهم ما يقال عن لبنان في الخارج.
أعتقد أن ليس في لبنان الشيء الذي سمي خطأ بمركب نقص او ضعف لبناني. وعلينا جميعًاأن نؤمن ونُسلم مرة نهائية بأننا مع التعاون العربي الى اقصى حدود التعاون ساعة يكون هذا التعاون قائمًا. ومن العبث أن يصور الى اللبنانيين ان فريقا واحدًا من الدول العربية هو وحده كل الدول العربية، وان الدول الاخرى لمجرد انها تخالف هذا الرأي، هي دول خائنة.
لا اريد ان يساء فهم موقفي. فانا مع التعاون العربي عندما يكون هذا ممكنا، ولكن قبل ذلك، انا مع اتخاذ المواقف الحازمة. ولنا الحق في تقرير مواقفنا التي لا تمس حقوق الدول العربية. فاذا طلب الينا ان نتخذ موقفا لنا وكان التشاور غير سريع، فلن نوقف اتخاذ هذا الموقف الى ان نتشاور الدول العربية وتقرر الموقف. ولا اطلب من الدول العربية ان تستشيرنا في مواقفها. لقد كنا مع حكومة اليافي ومع كل الحكومات عندما كانت تعتبر نفسها ملزمة بمواقف عربية تقررها الدول العربية، ولو دون استشارتنا. ولا حاجة بي الى الاستشهاد باقوال من هم في غير صف الدكتور اليافي.
فليسمح لنا على الاقل لا ان نلزم الدول العربية بمواقفنا، بل ليسمح لنا ان ننفرد باتخاذ قراراتنا في ما يخصنا، لوحدنا. “



