في زمن التفاهة-وهو من علامات الساعة- أصابَ المتسابق وأخطأتْ “لجنة التحكيم”وكابَرَت!
د. مصطفى الحلوة
توثيقًا لحدث، استفزّ صديقَنا الشاعر مردوك الشامي، وكان مسرحَه برنامجٌ أدبي، فعقّب عليه في صفحته على الفايسبوك(30/12/2022)، كاتبًا:”أنْ يُخطىء متسابق، في برنامج للفنون أو الرياضة، باللغة، بالصرف والنحو، أمرٌ عادي. لكن أن يكون الغلط حاضرًا في برنامج، هو الأمْيَز للشعر، على الصعيد العربى، أقصدُ برنامج (أمير الشعراء)، فالغلط غير مغفور وفادح! هذه المرّة، أصاب المتسابق وأخطأت لجنة التحكيم، التي من المفترض بها أن تكون عين الحرص على اللغة، عين النقد والتصويب، عين الفصاحة والبيان. فالمتسابق الليبي عبد السلام أبو حجر قرأ وأجاد، نصًّا ومضمونًا. وفي أحد أبيات قصيدته قال: ويُعجبُني في الذكرياتِ سخاؤها/ إذا شحَّتِ الأوقاتُ في الذهن تُغدقُ. لكن رئيس اللجنة علي بن تميم إعترض على غلط اعتبره فادحًا، وهو أنّ (سخاؤها) مفعول به! ووافقته عضو اللجنة دكتورة لا أعرف إسمها، وارتبكت بكسر (سخائها)، ثمّ نصبت، بحسب قرار سيبويه بن تميم. وحين حاول المتسابق أن يُناقش ويؤكّد صوابيته، استهزأ الحكمان ، مؤكّدَين على نصب الفاعل(..). ويتابع الشاعر مردوك:”أظنّ (أمير الشعراء) يحتاج فعليًا لإعادة نظر، والبداية تنطلق من لجنة التحكيم، واختيار أعضاء يتقنون اللغة ويفهمون الشعر، ويحرصون عليه”
قبل التعقيب، من قِبَلنا، لا بُدّ من رواية هذه الطُرفة، التي قد تُجيب عن بعض ما تطرحه المسألة التي نعالج. هذه الطرفة شهدتها منطقة الجنوب اللبناني، منذ عدّة عقود، وذلك في زمن هيمنة الإقطاع السياسي. فقد تمّ تعيين مدرّس، لا يستطيع التمييز بين الألِف والعصا، كما يُقال بالتعبير الشعبي! تمضي سنون، فتقرّر وزارة المعارف(أي وزارة التربية) إجراء إختبار للهيئة التعليمية لتنقية الجسم التعليمي من غير الكفوئين، فيستبدّ الهلع بهذا المدرّس، ويُهرَع إلى الزعيم الاقطاعي، وليّ نعمته، ليتدبّر له مخرجًا من هذا المأزق! يبتسم الاقطاعي ويتوجّه بالقول إلى المدرّس المفزوع: لا عليك، سوف نُعيّنُكَ عضوًا في اللجنة الفاحصة!..فاعتبروا يا أولي الألباب! (من دون تعليق)
ومن طُرفة أخرى، جرت وقائعها في إحدى كلّيات الآداب-قسم الأدب العربي. فقد كان لأحد الدكاترة أن يقترف خطأً، يدعو إلى الضحك والسخرية، وهو يقرأ نصًّا للجاحظ، من كتاب “البخلاء”، حول دِيَكَة مرو (مرو تقع في بلاد فارس) التي تُشتهر بالبخل:”لم أرَ الديكَ في بلدة قَط إلّا وهو يأخذ الحَبَّ بمنقاره ، ثم يلفظها قُدّام الدجاجة إلّا دِيَكَةَ مرو، فهي تسلبُ الدحاج ما في مناقيرها من حَبّ!”وقد كان للدكتور أن يقرأ كلمة دِيَكَة (جمع ديك) على هذا الوجه(دِيْكَة)! فلما سأله أحد الطلبة ما معنى ديكة، أجاب من فوره: مؤنث ديك!
عافاك الله، قارئي العزيز، وأنت تقف مذهولًا أمام من لا يعرفُ التمييز بين الدجاجة، أُنثى الديك، وبين الديكة، وهي من بنات ابتداعه أو تبديعه (من بدعة)!
..وقد جرت معي، منذ حوالى شهرين، حادثة تستحق الذكر. فقد طلبت إليّ إحدى الصديقات في المُغترب الاسترالي أن أُلقي نظرة فاحصة، على كتاب لها قبل دفعه إلى المطبعة. وكانت قد عهدت إلى أحد الأدباء، في مغتربها، بأن يُحرّر لها لغويًا الكتاب المذكور. وقد استوقفتني كلمة”وَحْدَهُ”، إذْ تمّ تشكيلها (أي وضع الحركات على الأحرف)، وكُتبت كالآتي في سياق جملة:”..وبالشعرِ وحدِهِ”، فصحّحتُها، فصارت:”وبالشعرِ وحْدَهُ”، فجُنّ جنون المصحّح “الأصلي”، محتجًّا بأنّ وحده يجب أن تتبع ما قبلها، أي بالشعر ، وتلحقها بالكسر! حاولتُ جاهدًا إقناعه، فأبى وكان “من المستكبرين”! وقلتُ له كيف تقرأ ما وردَ في الانجيل المقدّس:” ليس بالخبزِ وحدَهُ يحيا الإنسان”؟. علمًا أننا، مقايسةً، أمام عين الحالة. وقد اضطررتُ لوضع مطالعة مدعّمة بحجج وشواهد، ولكن عبثًا، فقد ذهبت إجتهاداتي أدراج الرياح!
وإذْ نعود إلى النصّ “المردوكي”، ليس لنا إلّا استحضار المتنبي، من خلال بيت شعري له مُفحِم، ويُغني عن مطالعة مسهبة: وليس يصُحُّ في الأفهام شيءٌ/إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ!
وإذْ قرأتُ بعض التعليقات على هذا النصّ، فهي لم تستوقفني، وقد ترجّحت بين مؤيّد ومعارض، ومن التمس عُذرًا للجنة، بذريعة أنّ المسألة لا تستحق أن تُثار، فهي ليست بقضية مصيرية!
لا، يا أعزائي، الأمر يستحق، فتوضع النقاط على الحروف، وذلك من منطلق معرفة كيف تُدار الأمور لدينا، من أصغرها إلى أكبرها. ليست العبرة بالحدث، بحدّ ذاته، بل بالدلالات التي يشي بها. ففي أقوالنا الشعبية المتداولة:” يللي بيسرق بيضة بيسرق جمل!” بمعنى أن العبرة ليست في حجم السرقة، بل في فعل السرقة!
لقد بتنا في زمن ، يُوسمُ بالتفاهة، حيث انقلبت المقاييس رأسًا على عقِب، ولم تعد سطوةٌ لمنظومات القِيَم لدينا، وهي حالة تعمُّ المعمورة، في أربع جهاتها. وهذا ما دفع الفيلسوف الكندي Alain Deneault إلى وضع كتاب بالفرنسية، عنوانه Ia médiocratie، وترجمتُه بالعربية”زمن التفاهة”. وفي عُرف هذا الفيلسوف أنً التافهين غزوا كل الأماكن، ولم تنجُ منهم الجامعات، وباتوا يُحكمون قبضتهم على كل مناحي الدولة والمجتمع، من دون حسيب ولا رقيب!.. كلُّ أولئك من علامات الساعة، وعلى شفا إنهيار للبشرية وجوديّ، لن يُبقي ولن يذر! (Xanax)
***
* برنامج “أمير الشعراء” يأخذ شكل مسابقة، في مجال الشعر العربي، تنظّمه لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في إمارة أبو ظبي، كلّ عامين. وقد انطلق البرنامج في العام 2007، يتمّ فيه تتويج الفائز بلقب أمير الشعراء، تأسّيًا بأحمد شوقي الذي تربّع على إمارة الشعر في عصره.
(من بيادر الفسابكة/قراءة نقديّة في قضيّة)



