وَشمٌ صَباحِيٌّ (59)
د. يوسف عيد
دَلَفتُ اليومَ إلى حديقتي،
فسحَرني عَسَلُ الشمسِ كيف يتوزعُ على تفاصيله:
فهُنا، بقرب الورد يأخذ العسلُ الشُّعاعيُّ من خَجلِه.
وهُنا، بقرب الياسمين يَصطبغُ الحضورُ ببياضِ الحُبور.
وهُناك، العسَلُ أيضاً قد عَربَشَ على ملاحِف النخيل،
فتحوّلَتِ السُّعُفُ سيوفاً برّاقةً،
وهُنالك، اختبأ في أوراقِ الزيتونِ،
فَبَدت تلك أوسمةً على صَدر الحديقةِ.
وعلى سَطحِ المياه المُتلألة في المَسبحِ
بَدَا يتراقصُ في عُرس لا يُرى إلّا في الأحلامِ .
أما انسكابُ العسلِ على صفحاتِ العُشب المُخضَوضِرِ
فله حديثٌ خاصٌ عن الجمالِ وريشةِ الألوان .
ولم أنتبه أنّ بُلبلاً كان يرصُدُني حتى غرَّدَ حفيدي،
وهو بقُربي يمُدّ إصبعه التي كادت تقطُف ذلك الشُّعاع،
فأصابتني زَوغةُ الدَّهشةِ
حين لمَستُ تفاعلَه مع كلّ ما تقرأه عيناي.
وتأكّدتُ لماذا يعشَق (جوجيتو) النزولَ صباحًا
إلى الحديقة ليرتوي باكرًا من نِعم الجمال،
وشكَر الربَّ على جمالِ الحيا ة.
هذا هو صباحُ حديقتي
يُماثل صباحَ لبنان الجميل البَهيّ المُتعافي،
صباحُ الشَّعشَعة والانبهار النوراني
في صباحِ العاشِر من تشرين الثاني المُنعش.
حاولتُ اختصارَ اللوحةِ العَسَليَّةِ وشَهَقاتِ روحي
التي ذابَت في العسلِ الصَّباحيّ وفي شَهقات حفيدي،
فَخفتُ أن يخطفَها من جَسدي،
فأحجمتُ عن الكلام،
لأستودِعَكم أطيبَ السَّلام.
(صباحُ العسَل والأمَل)




