دراسة حول رواية “البحث عن الأمل السامي” للروائية التونسية هالة جنيح تكالي
مصطفى كراي
كنت طيلة الأيام الماضية في مصاحبة تكاد تكون مستمرة لقصة عجيبة شغلت بالي وحركت فكري وأثارت تساؤلاتي : تنوعت من فلسفية الى تاريخية إلى جغرافية الى سيكولوجية إلى لغوية الى حضارية.. يؤيد هذا التنوع ،عنوان الرواية “في البحث عن الأمل السامي “. تأليف الاستاذة هالة جنيح التكالي “. ليتبين لي بعد التامل في ثنايا هذا الأثر الأدبي ان هذا العنوان يختزل المشروع بتمامه وكماله وجماله …. كما أن النص قد مثل في نظري انتشارا للعنوان..
فالقصة خيالية شاسعة المخيال تركزت على البطلة الرئيسة “Hope” ولاشك ان الاستاذه هالة قد رمزت بها إلى مفهوم” الأمل” في تحدي الصعاب إذ ارادتها مسيطرة على كافة ردهات القصة مصحوبة بمجموعة من الفواعل او الشخوص منها الآدمية ومنها بعض عناصر الطبيعة كالبحر والنور وزهرة اللوتس والتنين ونهر الغنج ومنها الأسطورية وغير ذلك من الفواعل والعناصر التي ستحرٌك الأحداث حتى بلوغ النهاية.
قامت الرواية على 11 فصلا تدرجت بها الكاتبة تدرٌجا تصاعديا فمع كل مرحلة يبرز شخوص واحداث جديدة …تتصدر كل فصل افتتاحية تتضمن فكرة تتٌصل باحداث ذلك الفصل
من ذلك أن القسم الاول ينطلق من قول الكاتبة
“ان اللاشعور يتكوٌن من عنصرين يتمثلان في الجنة والنار،فلابد لنا اذا أردنا البحث عن الذات بحثا جادا ان نكتسب قلبا من حديد ..”(مقدمة الفصل الأول ص35)
وتبتدئ رحلة البحث من حادثة طرد “هوب “من الجنة عقابا لها على القيام بالفعل المشين مع الساحر الخطير اللعوب .لا سيما وهي تعشق ايبنوبيسipnobis عشقا غفلت فيه عن التحكم في ارادتها فخسرت جناحيها وضفيرتها مصدري سحرها وانوثتها نتيجة تخدير قام به ابنوبيس ..وبذلك فقدت” هالتها” aura وطاقتها الروحية وهكذا وجدت نفسها ملقاة لاتفقه شيئا من حولها ولا تَعِي .هذه بداية الأحداث وبداية رحلة العذاب والمعاناة لهذه البنت الساحرة الجمال المتمتعة بحظوة خاصة وتقدير بين الناس …كان نزولها من الجنة في موكب مهيب عجيب في مشهد ذكٌر بعلاء الدين لما سافر على بساط عبر ارجاء الكون ….( سرب من الطيور كان يصاحبها وساعدتها الريح على بلوغ الأرض سريعا )…ومن خصائص شخصية هوب .انها كانت تبحث عن بلوغ المستحيل وقوعه (فيها الارادة القوية لكي تبلغ النجوم تصل إلى القمر
وتلتهمهما التهاما..لتتذوق بذلك النور الالاهي..”ص39 “
وبقدر رغبتها في اكتشاف الطبيعة والفضاءات،كانت لها شهوة اكتشاف النفس البشرية والتعرف على عجائبها وأسرارها ..والانغماس في أغوارها..
وتستهل رحلة “هوب ” بحثا عن حقيقة الإنسان والوجود لتلتقي بمخلوقات عجيبة كل منها يساهم في تسهيل طريق رحلتها ويساعدها على كشف ما خفي من أسرار الإنسان والكون :(نهر الخنج Gange )
وتتواصل رحلة الكشف من معبد امريستار” ” في البنجاب، إلى قصة الطاووس الهندي ،إلى تنين الماء والاساطير الاغريقية،إلى البحر الممتد،إلى ديدون الملكة الفينيقية إلى أن بحط بها الرحال في مصر وميتولوجيتها….) انها أماكن لها دور في تعاقب الأحداث وإثارة فضول القارئ
وفي هذه الرحلة العجيبة تطالعنا شخصيات تتننوع في انتسابها الى عصور قديمة وحديثة شتي كان لهم دور في تطوير المجتمع البشري وتحضر الفكري(الحلاج ..جلال الدين الرومي.جبران خليل جبران..طاغور. محمد إقبال. الشابي..ديكارت ..الخ) وقد نهلت هوب من افكارهم وتبنت بعض توجهاتهم الفكرية والفلسفة والعلمية والصوفية بحثا عن الذات السامية والانا في شتى تمظهراته . إلى أن تبلغ نهاية رحلة البحث الشاقة الخطرة الخطيرة بحرب شعواء مع “ايبنوبيس ” تحت الارض بمساعدة “دريم” سندها الكبير رغم ان دريم قد كان لها دور في مساعدة الساحر على الإيقاع بها في شباكه …وتبتدئ رحلتها إلى الجنة بعد أن استعادت اجنحتها وشعرها واشياءها اي “هالة القوة والجمال والسحر لتستقبل في موكب مشهود فيها بحفاوة وترحيب
ان هذه الاسفار والتنقلات عبر ممالك الهند والاغريق ومصر وبلاد الفينيقيين كلها قد فتٌحت عينيها على بعض اسرار الكون وخفايا الإنسان منتقلة بذلك من حالة الجهل إلى دنيا العلم والمعرفة
او هو تحول “من الظلمات إلى النور”…من ذلك تذكرت قول camus
“لا وجود لشمس لا يصاحبها ظلال” ،وإذن لا بد من معرفة الظلام ظلام الليل للانتقال بعدها إلى عالم الأنوار”
اما زهرة اللوتس فهي في حد ذاتها رمز للشمس و الضياء ..
لم يكن النجاح وحده غاية هوب القصوى بل الأهم من ذلك عندها تكوين ذاتها تكوينا تاما أوٌلا وأخيرا
هكذا تكتمل القصة وقد استجابت فيها مؤلفتها السيدة هالة جنيح التكالي لكل شروط الرواية الحديثة من بناء وحبكة قصصية وأشخاص ومكان وزمان واحداث ..كل ذلك ظاهر بيٌن لاجدال فيه
وهنا لابد من ملاحظة ان هذا التفريق بين الشخصيات ماهو الا فعل منهجي إذ بدا لي أن كل الفواعل actants هم في الحقيقة فاعل واحد …يكفي ان نذكر هذا الثلاثي المفكر العجيب ( psychee ..Éros…Mirage ) هم في الحقيقة جزء لايتجزأ من شخصية “هوب” كلٌ منهم يمثل جانبا من هذه الشخصية ،كلٌ في اختصاصه طبعا ..
نخلص إلى القول في النهاية لنتساءل:
عن القضايا التي أرادت الكاتبة طرحها من خلال هذا الجهد المبذول لإنشاء روايتها ؟
انها بدايةََ رحلة في داخل النفس البشرية فالأماكن والأشخاص لم تكن الا تجسيدا لذلك ومناسبة لإثارة قضايا اجتماعية وسياسة وسيكولوجية القصد منها خلخلة افكار قديمة استقر عليها الناس ولم يحاولوا تغييرها..
وما البحار والمراكب والشمس والقمر الخ إلا صور لرحلة داخل النفس البشرية في توقها إلى الأعلى والاسمى والأفضل
الكاتبة تحيلنا على شخصيات فكرية معروفة كجبران و جلال الدين الرومي وطاغور وديكارت حيث يتحدى أحدهم ديكارت مثلا في قوله “انا افكر اذن انا موجود ” فتتحوٌل القولة إلى “انا احس اذن ان أحيا ” معتبرا ان تفكير ديكارت كان تتغلب عليه الصبغة المادية البحتة ونحن نتوق إلى الأعلى إلى السمو الروحي لتكمل بذلك انسانية الإنسان
ومن القضايا المثارة ايضا ان الانسان
قد طغت عليه المادة طغيانا لذلك آن الأوان لكي نتسامى ونرتقي به دون تجاوز بل باعتدال
فالكاتبة ترى ان التوازن ضروري بين المادة والروح
حتى الفن الذي يمارسه الفنان اليوم قد تدنى إلى الاسفل في نظر الكاتبة بينما وجب ان يسمو إلى الحلم الى الخلق الى السمو الى المثل العليا اي الانسان الاعلى…
ان الانسان يتوق إلى المنشود لكنه يصطدم بالموجود الذي يعوقه عن التسامي وتحقيق رسالته في الوجود فيشتدٌ التحدي والسعي إلى بلوغ المراد كما يقول المتنبي :”وإذا كانت النفوس كبارا..تعبت في مرادها الأجسام”…….. هذا ما سعت اليه البطلة هوب في رحلتها الروحية
وكأننا بالكاتبة تشير إلى قولة كامي “ان الانسان هو الكائن الوحيد الذي يأبى ان يكون ماهو”
L’homme est la seule créature qui refuse d’être ce qu’elle est
جملة القول ان الرواية تعج بالأفكار والأحداث والصور والشعر والحكم والأقوال…يكفينا القول انها صدٌرت كل الفصول بقولة من اقوالها او شعر من اشعارها وقد برهنت بذلك عن اتقان وحذق للغة الفرنسية تستعملها بسهولة ويسر وهي المختصة في لغة شكسبير ..
ماذا اقول يا سادتي بقي الكثير من الجوانب التي قصر الوقت والمجال عن ذكرها وهذا قد يكون موضوع دراسة ثانية.. وتظل هذه الرواية التي ترددت بين الواقعي واالخيالي والأسطوري، خاضعة لتعدٌد الدلالات وتنوٌع القراءات وقد توالت ابعادها الرمزية تواليا .
فإلى اديبتنا الأستاذة هالة جنيح التكالي كل الشكر وكل الامتنان على هذه التحفة الفنية المبدعة..ولابد من تناول هذه الرواية الهامة تناولا أعمق لأنها مخزون هام من الأفكار والتوجهات الفكرية القيمة دون نسيان اللغة والاسلوب فيها …
***
*استاذ لغة وآداب عربية متقاعد




