سجلوا عندكم

 جان بول سارتر ملحد صِدامي لم  يكترِث لبراهين العقل

Views: 683

وفيق غريزي

ان الوجودية الحديثة ، هي فلسفةالقرن العشرين الماضي ، كما سيصنفها التاريخ ، وقد بدأ انها صرخة الانسان ، من اعماق أعماقه ، في وجه القدر، انها صورة عن ماساة الانسان في هذه الدنيا العابثة ، فالوجودية الحديثة ، هي اعنف ردة فعل على الاحوال الصعبة التي يعايشها الانسان منذ زمن بعيد ،مطمئن البال ، هادىءالقلب ، ناعم الخاطر ، ساكنا سليما ، لقد نخعت كل قواه الراقدة ، ورمته في نواعير مصيره . وجان بول سارتر ، الذي يعتبر ابا الفلسفة الوجودية ، هو ملحد ، ولا يجوز التحويم  على الوجودية الحديثة ، دون الالتفات الى هذا الفيلسوف والاديب بصورة خاصة ، فالذي يطالع ادب سارتر وادب غيره من لفيف الوجوديين ، السائرين على خطاه ، يرى بوضوح ذلك التمرد على السماء ، الذي لم ينتج من نزوع عقلاني ، اي من ان الانسان لم يتمكن من التدليل ، ايجابا ، إلى ان الله موجود ، بالعكس ، لقد صدر عن الارادة التي رفضت الايمان  به ، والرفض يفترض وجود المرفوض ، إذا الله موجود ، لكن الارادة ترفضه . ان الحاد سارتر الحاد هجومي لا يكترث لبراهين العقل العقلانية ، ويرى البعض ان عند سارتربعض اللمع التي تشير إلى العودة الى حظيرة الايمان ، اذ كثيرا ما يشدد على التفاول ، على وجوب النفاذ الى الملاك في الانسان ، ولكن عن  طريق الشيطان ، والى السماء من خلال الارض ، إلى الابتسامة  من خلال الدمعة ، إلى الامل من خلال الارض، إلى الامل من خلال اليأس.

 

حياة سارتر والعنصر التراجيدي:

لا تخلو حياة جان بول سارترمن العنصر التراجيدي الذي يميز حياة العظماء من المفكرين والفلاسفة ،وهذا العنصر التراجيدي او عنصر المأساة ، سيكون له اكبر اثر في تطوره الروحي ، وفي تلوين أعماله الفنية والفلسفية بطابع خاص .

ولد جان بول سارتر في 21 حزيران 1905 ، ولم يلبث والده ، وكان ضابطا في الجيش الفرنسي ، ان توفي بعد مولده بثمانية اشهر. فنشاً سارتر  يتيما فاقدا العنصر الأبوي في حياته ، وجعله هذا اليتم يتعلق بامه تعلقا شديدا ، الى حد العبادة ، على غرار تعلق الشاعر الفرنسي شارل بودلير بامه ، واضطربت حياة الطفل سارتر حينما رحلت أمه إلى باريس للعيش مع أبويها ال شويتزر ،وكانت جدته هي الشخصية المسيطرة على حياتهما في تلك الأثناء ، ما اصاب تقديسه لامه بجروح لا تندمل ، اذ كان ينظر اليها باعتبارها الهة ، وليس من اليسير عليه  ان يرى هذه الالهة تحيا على رحمة الجدة وعطفها . “بيد ان حنان الام كان اكبر عوض له على قسوة الحياة التي يحياها ، فقد كان الموضوع الوحيد لحبها ، وضاعف من هذا الحب يتمه واعتلال صحته ، وعلى هذا ، نستطيع القول ان سارتر قد ظفر في طفولته باكثر من نصيبه من الحب والحنان “.

وكانت صدمته الكبرى حينما تزوجت امه للمرة الثانية ، وكان قد بلغ الحادية عشرة من عمره ، ونال حظا غير قليل من دراسة الادب ، فقد كان طفلا ذكيا مبكر النضوج ، سريع التحصيل ، قوي الفطنة ، وبهذا الزواج تألقت العقدة الأساسية في ماساته ،وفي هذه الحالة يشبه الشاعر شارل بودلير ، الذي الف سارتر عنه كتابا يحلل فيه شخصيته تحليلا وجوديا ، وهو لم يكن ليفعل ذلك لولا انه يشعر بما بينها من قرابة في الروح ، واشتراك في الماًساة ، فكلاهما احب امه حتى العبادة ، وكلاهما صدم في هذا الحب في سن مبكرة ،وكلاهما كان كان عليلا مرهف الحس ، واسع الخيال ، بيد ان الاثرالذي تركته هذه الحادثة  يختلف عن كل منهما. فبودلير اكتفى بالتمرد الداخلي على الحياة ، ولكنه ظل محتفظا بالقيم الأساسية القايمة من دون ان يحاول تحطيمها . بينما ادت بسارتر إلى انكار كل القيم الاخلاقية القايمة ، وجنحت به إلى تحطيم كل القيود ايا تكن ، والى انكار الحب والأمومة وكل العواطف الانسانية النبيلة التي يمكن ان تربط الانسان بالاخرين.

 

الحب المنهار:

” ولا شك ان هذه التجربة العميقة التي استيقظ سارتر بعدها ليجد الاساسا الذي  شيد عليه وجوده ، وهوحب امه   قد انهار ، هذه التجربة هي التي دفعته إلى القول ان وجود الانسان ليس هناك ما يبرره ، والتي دفعته ايضا إلى الالحاد الذي يختلف عن الحاد الفيلسوف الالماني الوجودي مارتن  هيدغر في انه الحاد عاطفي وهذا اسواً ضروب الالحاد “.

في تلك المرحلة كان سارتر طالبا مجتهدا مشغوفا بالقراءة والاطلاع غريبا في اختياره للكتب التي يقراًها ، فبينما كان اقرانه يقبلون على قراءة اندريه جيد وجيروود ، كان سارتر يلتهم مولفات فارير واناتول فرانس التهاما ، كذلك كان يعشق ادب بروست وفاليري والان. وكان إلى جانب هذه المطالعات يكتب قصصا خيالية ، ومقالات فلسفية متعددة . وكان يستغرق في الكتابة استغراقا شديدا ، ويكتب في سرعة فايقة وخصوبة روعة ، أوغرت عليه صدور زملائه وزرعت في نفوسهم بذور الحسد والغيرة .

وبعد تخرجه أمضى سنوات تجنيده ، ثم اشتغل في تدريس الفلسفة في مدرسة ( باستير ) في باريس ، وبدات مجلة” اوروبا”تنشر مقالاته عام 1927 ، وكانت اهم مقالاته التي نشرها حينذاك عن فرنسوا مورياك خالف فيها النقاد جميعا ،. عام 1945انشاً مجلة العصور الحديثة وضم اليها رفيقة حياته سيمون دي بوفوار وموريس ميرلو بونتي وجان جرنييه وجورج باناي

وغيرهم .وعام 1946زار الولات المتحدة وكندا ، وعام 1952وقع خلاف  بينه وبين صديقه المفكر البير كامو، واستبدله بالكاتب جان جينيه ، وقد نال جائزة نوبل “1964 ولكنه رفض تسلمها  ، عام 1933 سافر إلى المانيا لدرس الفلسفة الظواهرية المعروفة باسم الفينومينولوجيا التي اقترنت باسم الفيلسوفين هسرل وهيدغر ، ولكن هذا لم يمنع من تأثره بثلاثة فلاسفة اخرين هم : هيغل كيركغارد وكانط .

 

وجود العالم:

 بدأ  سارترفي الثلاثينات الكتابة في علم النفس ، حيث الف عملين احدهما ” الخيال” عام 1946 ، والآخر” علم النفس المرتبط بالخيال ” عام 1940 ، والمحاجة الأساسية التي يسوقها في كتابيه هي الوعي ، او ما يسمى تيار الشعور ينفي وجود العالم كما هو قايم ويخترع عالما ممكنا آخر بدلا منه، ومن اهم أعماله الفلسفية كتاب ( الوجود والعدم ) عام 1943 ، وهو يصف الوجود في هذا الكتاب، بانه صراع عبثي بين الحريات، كل حرية منها تحاول ان تفني الأخرى حتى تحتفظ باستقلالها السيادي . ” فاذا كان الأمر كذلك ، فكيف يمكن للفعل الاخلاقي او الالتزام السياسي ان تقوم له قايمة ؟هذا السوًال الحيوي هو محور اهتمامات سارتر في رواياته ( الغثيان ، وطريق الحرية) ، كما انه محور اهتماماته في مسرحياته :

 ” لا مفر ، المحكوم عليهم في ألتونا ، الذباب ، المومس المحترمة ، والشيطان والإله الخير . كما كان من اهتماماته شاًن الادب والفلسفة الماركسية فاصدر كتابه ” ما الادب ” عام 1947 وفيه ناقش سارتر مشكل الالتزام التي يحتدم الخلاف حولها ، ثم صدر له الجزء الاول من كتابه ( نقد العقل الديالكتيكي عام 1960 ، والجزء الثاني بعد وفاته بخمس سنوات .وعام 1971 عاد ليهتم بمشكلة الخيال ، ودفعه هذا إلى إلى درس ما سماه الأزمة الوجودية التي تصيب قدرة الإنسان على الخلق والإبداع وفي هذا العام نشر ثلاث مجلدات عن فلوبير وحده . ولم تهدأ لثائرة سارتر هادية حتى مماته عام 1980 ، يحارب مجموعة من اعدائه وكان قد اصدر في اواخر الأربعينات من القرن العشرين كتابه ( الوجودية نزعة إنسانية )، ويربط في هذا الكتاب بين الحرية والمسؤولية .

يعتبرجان بول سارتر، ان الكاتب الذي يتبع تعاليم دعاة الفن للفن يهتم قبل كل شيء بكتابة اثار لا تخدم شيئا . اثار ليست ببعيدة ،عن ان تبدو له جميلة ، وان كانت مجانيةحقا ، ومحرومة من الجذور فعلا . وهكذا يضع نفسه على هامش المجتمع او لا يقبل بالأحرى ان يمثل فيه إلا بصفة مستهلك محض ، وعلى وجه الدقة كطالب متمتع بمنحة .

في كتابه ( الادب الملتزم )اشار سارتر إلى ان الشاعر كان في الماضي يعتبر نفسه نبيا ، وهذا مشرف ، ثم اصبح منبوذا وملعونا، وهذا يمكن ان يقبل ايضا ،”لكنه سقط اليوم ، إلى مرتبة الاختصاصيين ، وهو يذكر ليس من دون شيء من الإزعاج ، تحت اسمه في سجلات الفنادق مهنة اداب. ان لفي هذه العبارة شيئا يدعو إلى الاشمئزاز من الكتابة ، وكانها تذكر بطفل مرعب ، باهوس غير مؤذ ، بصلة قرابةمن البهلوانيين او إلى علماء المسكوكات القديمة “.

 

علاقة متبادلة:

فالشاعر حسب اعتقاد سارتر لا يقرر هل تلك  الكلمات موجودة لهذه الأشياء ام هي موجودة لتلك ، وهكذا تقوم بين الكلمات والشيء المدلول علاقة متبادلة مزدوجة في التشابه السحري والمعنى  ، ولما كان الشاعر لا يستخدم الكلمة ، فانه لا يختار بين اصطلاحات متنوعة ، وكل اصطلاح منها ، بدلا من ان يبدو له وظيفة مستقلة ، يمنح نفسه له ككيفية مادية تذوب تحت نظره من الاصطلاحات الأخرى ، وهكذا يحقق كل كلمةكنتيجة لموقفه الشعري فقط . المجازات التي كان بيكاسو ( الفنان التشكيلي الإسباني ) يحلم بها عندما كان يتمنى ان يصنع علبة ثقاب تكون خفاشا من دون ان تكف عن ان تكون علبة ثقاب .

يخطىء الباحث ان لم يرى في سارتر غير مجرد كاتب ، فهو ليس فيلسوفا متخصصا ذا أسلوب في الفكر شديد التدقيق ،أسلوب فني تخصصي واصيل ، بل هو ايضا ، من بين كل الفلاسفة الوجوديين أقربهم الى فلسفة الوجود .

ان النظرية الوجودية اقل النظريات اتصالاً بالفضيحة وتقربا إلى الشر ، وهي اكثر النظريات جدية وصرامة ، وهي لا تهم إلا الفلاسفة وأهل الاختصاص . وثمة مدرستان وجوديتان تختلف احداهما عن الأخرى ، وبالتالي وجود نوعين من  الوجوديين ، أولهم الوجوديون المسيحيون ومنهم الفيلسوف المعاصر كارل ياسبرز والفيلسوف الفرنسي غابرييل مارسيل والاثنان كاثوليكيان ، والفئة الثاني هي الوجوديين الملحدين ومن بينهم يجب ان يوضع مارتن هيدغر وجان بول سارتر .

وعبر فلسفته يحاول سارتر تحطيم فكرة الضرورة التي تفرض على الإنسان من الخارج ، والتي  تستمد من ثبات الأشياء ، او من نظام اخلاقي موضوع ، وذلك لان سارتر لا يعترف بماهية معينة ثابتة للفرد ، وانما الفرد هو الذي يخلق فرديته التي تميزه عن غيره من الناس . وهذا يعني قوله : ” ان الوجود سابق الماهية “. فاذا كان الوجود يسبق حقيقة الجوهر ، فالانسان إذا مسؤول عما هو كاين . فاول ما تسعى اليه الوجودية هي ان تضع الانسان بوجه حقيقته وان تحمله بالتالي المسوًولية الكاملة لوجوده.

 

مواقف ذاتية:

 لا تقتصر الحرية على افعالنا وحدها لكنها تمتد الى عواطفنا ومشاعرنا جميعا لان هذه العواطف والمشاعر تعتمد على وجودنا الخاص . وهي عبارة عن مواقف ذاتية يحاول بها المرء ، ان يصل إلى الغايات التي وضعتها حريته الأصلية . فالحرية عند سارتر لا تختلف عن وجوده في شيء ، وهو في كل أحواله حر ، في الخوف والجزع والتعب والغضب .

والواقع انه لا  ثبات في الوجود إلا ما نفرضه نحن عليه فرضا . كذلك لا وجود لقواعد او اطارات محددةلا تتغير ، وفي مثل هذه التجربة يتخذ الزمان والمكان مرونة تامة . فاذا انزلقت الحياة المألوفة التي نحياها ، وفرت من بين أصابعنا اصابنا الغثيان . عالم جان بول  سارتر عالم تختفي منه الضرورة ، عالم نشعر إزاءه بالخوف لانه يتضخم كما تتضخم الأنسجة المصابة بالسرطان ، تتضخم من دون حد او سبب او قانون معروف، وانما يريد الوجود ان يملاً كل شيء وان يغزو كل شيء .

يميز سارتر نوعين من الوجود ، الوجود الانساني ، ويسميه الوجود لذاته ، ووجود الأشياء ويسميه الوجود في ذاته ، ألذي  هو عنده وجود لا معنى له ولا سبب ولا علة ولا ضرورة ولا خالق يفسر وجوده ، والوجود الإنساني اي الوجود لذاته ، هو الذي يهب الأشياء قيمتها ، وقبل ان ياتي الشعور إلى العالم ، كان العالم فوضى مطلقة لا معنى لها . ويرد سارتر على منتقدي فلسفته بتأكيده ان فلسفته ليست فلسفة تدفع إلى الخمول والتقاعس عن الفعل.ولا يمكن ان يقع اللوم على الوجودية حينما لجاً قوم إلى التراخي والكسل ويقولون في ما بينهم وبين انفسهم ، هناك دوما من يستطيع من يفعل ما اعجز عن فعله . كذلك ينكر سارتران الوجودية فلسفة متشائمة بقوله ” انها نوع من التفاوًل القاسي “، واذا كان سارتر يتخذ من الضعفاء والمرضى  والمنحرفين أبطالاً لقصصه ومسرحياته فانه لا يذهب مذهب إميل زولا فيلقي تبعة هذا الضعف والمرض والانحراف على المجتمع او على الوراثة او على البيئة ، فان لو فعل ذلك ، لاطماًن الناس ، ولوجدوا الأعذار المختلفة التي يمكن ان يبرّروا بها ضعفهم ومرضهم وانحرافهم ، اما سارتر فانه يلقي التبعة على الفرد ، فيقول :” ان الجبان مسؤول عن جبنه ، والضعيف عن ضعفه ، ولا يصبح الإنسان او الاخر على ما هو عليه الا نتيجة لاعماله وموقفه من الحياة “.

 

سارتر وغياب الشعر:

صراحة ان فلسفة سارتر فلسفة وجودية ، لا نجد عنده هو بالذات تلك اللمحات الشعرية الرومانسية التي كثيرا ما نجدها في ذلك الاتجاه الفلسفي ، على العكس من ذلك ، فان نظامه الفلسفي مبني على نحو منطقي دقيق وصارم ، ويتخذ وجهة عقلانية تماما بل تكاد تكون وجهة ” اولانية ” . صحيح ان سارتر مشغول في معظم اجزاء فلسفته بتقديم نظريته في الانسان ، لكن هذت النظرية الانسانية يقيمها على ركائز من نظرية الوجود (الانطولوجيا ) ، فهي تكاد تتكون كلها على التقريب من تطبيق منطقي لمبادىء أنطولوجية على الإنسان وعلى مشكلاته .

ومن الجلي ان سارتر يسير على اثر الفيلسوف مارتن هيدغر ، ولكنه ليس مجرد تابع لهذا الفيلسوف ، وقد اعلن هيدغر نفسه ، وعن حق ، انه غير مسوًول على اي نحو عن المذهب السارتري . وسارت ايضا ، وشأنه هذا شأن الفلاسفة الوجوديين تابع من اتباع الفيلسوف الدانمركي كيركغارد . ولكنه كثيرا ما يقدم حلولا معارضة تماما لما قدمه ذلك الفيلسوف الديني الدانمركي للمشكلات الوجودية التي اثارها . وكذلك يبدو سارتر انه وقع تحت تاثير فريدريك نيتشة من جوانب متعددة ، من جهة اخرى ، فان سارتريقيم الخطوط الرئيسية لمذهبه مستعينا بالمنهج الفينومينولوجي الذي قدمه هسرل، وهويستخدم هذا المنهج استخداماً واسعا

 ” ومن الظاهر ان عددا من افكار سارتر الاساسية مصدره هيغل ، ومنها قضية التعارض بين الوجود والعدم ، ولكنه بالطبع تعارض بغير مركب منها عند سارتر” .

يبتعد المذهب الوجودي لسارتر ، على ما هو ظاهر للعيان  ، عن الأفكار الذاتية المبنية على تجارب شخصيةعند كيركغارد. انما يظهر ذلك المذهب على هيئة نظرية انطولوجية ، حيث ينطلق سارتر من تحليل الوجود ، ليطبق اهم المبادىء المستخرجة من ذلك التحليل تطبيقًا دقيقا صارما ، على ميادين مخصوصة، ومنها مشكلات نظريةالانسان .

وابرز ما يظهر من هذه المبادىءهو النبذ الحاسم لمذهب ارسطو في ” حالة  ما بالقوة”. ويرى سارتر ان كل ما يوجد يوجد على ما هو عليه فعلا ، وبعبارة ارسطو ، فان كل شيء يكون بالفعل ولا يوجد شيء ” بالقوة” عند سارتر . فسارتر يرى انه ليس هناك في الموجود ، ولا يمكن ان تكون هناك ، اي امكانية اي قوة بالمعنى الأرسطي ، فمن المناقض للمعقول ، على سبيل المثال ، ان يتحدث متحدث عما كان يمكن ان تنتجه عبقرية مارسيل بروست لو كان قد عاش اطول مما عاش ، لان عبقريته من وجهة نظر سارتر، تقوم وحسب في مجموع أعماله التي أنتجها وليس في شيء خارج ذلك ، ولا تقوم في امكانية ان يكتسب عملا ادبيا غير ما  كتب.

 

 

بحيرة صغيرة:

 ومن جانب آخر ، يشير سارتر إلى ان الموجود لاجل ذاته يظهر حينما ينعدم الوجود ، ولا بد من ان ناخذ كلمة “العدم”هنا بمعناهاالحرفي تماما . ويشرح سارتر الأمر بان  العدم لا يكون ، اي حين ينفي ذاته بل لا يمكن كذلك ان نقول ان ينعدم ( اي يطبق فعل العدم على ذاته ) ، لان الموجود وحده هو الذي يمكن ان ينعدم ، بينما العدم يستطيع وحسب ان يبقى قائما في داخل الوجود كانه “الدودة” كانه ” بحيرة صغيرة “. إذا يأتي العدم إلى العالم عن طريق الانسان ، ولكن ، لكي يكون الانسان منبع العدم ، فانه لابد ان يكون حاملا للعدم في داخل ذاته . والواقع ان تحليل الوجود لاجل ذاته يظهر ، حسب راي سارتر ان الانسان ليس فقط يحمل العدم في داخله ، بل لان العدم هو قوامه على التحديد . ولكن لا ينبغي ان نفهم من هذا ان الانسان في شموله عدم ، بل هناك في الإنسان ما-هو- في ذاته ، من ذلك جسمه ، والانا فيه ، وعاداته ، وما الى ذلك .

لكن ما هو إنساني على التحديد في الإنسان قوامه العدم  . وثمة انجذاب آخر للموجود لاجل ذاته هو الوجود لاجل الاخر، حيث يوكّد سارتر ان العلاقات مع الاخر جوهرية وضرورية للإنسان ، وانه ليس لنا دوافع جنسية لاننا نحمل اعضاء جنسية ، انما العكس هو الصحيح؛فالإنسان  له اعضاء جنسية لانه في ماهيته موجود جنسي ، اي موجود لاجل الاخر . فنحن لا نشتهي جسد الاخر ، بل ولا نشتهي لذتنا نحن انفسنا ، انما نحن نشتهي الاخر ذاته ، احدى أسباب هذا تكون على سبيل المثال ، بالتوحد مع الاخر من خلال الجسد وعن طريق مداعبات الحب .ولكن كل هذا يصل دوما إلى نهاية ، ولابد بالضرورة من ان يقع الفشل ، لان الهدف غير ممكن ولا معقول ، اي تملك الاخر وتملك حريته .

ان تاريخ الفكر الفلسفي الغربي لم يشهد مطلقا شكلا من أشكال المذهب الواقعي في المعرفة بمثل التطرف الذي نراه عند سارتر ، وقد قيل ، عن حق ، ان هذه الفلسفة الوجودية ، وهي التي ينبغي ان تفسر وجود الانسان ، كما يدل اسمها ، انما هي في الحق نظرية اللاانطولوجيا اي نظرية في اللاوجود …..

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *