سجلوا عندكم

متوالياتٌ جماليَّةٌ بين التُراثيِّ والَّلونيِّ السَّعودي في لوحاتِ شوقي دلاَّل

Views: 868

د. منى رسلان

المُعايشةُ الجماليَّةُ ، سيرورةُ المعنى اللامتناهية

“الفنُّ هو أفضل وأسمى وسيلة للتعبير عرفتها الإنسانيَّة عبر عمرها الطويل” (ريد، هربرت. كتابه: الفن والمجتمع). إذ “ثمة من يرى أنَّ “الجمال”وجودٌ مُطلق بذاتهِ، ولعلَّه من الممكن، كذلك، الحديث عن “الفِعل الجمالي”، باعتباره ممارسة يقومُ بها الانسانُ عبر “الجمال”، لتحقيق غايةٍ من غايات الرُّوح الانسانيَّةِ فيه”؛ إذ يؤسِّس وجيه فانوس بنقده هذا، حركيَّة تواصليَّة، لا تنقطع، بين “الفِعل الجمالي”و “الجمال” (فانوس،وجيه. محاولات في الشعري والجمالي).

قالت العرب، أنَّ الجمال، موجودٌ في الصفات التي تكوِّن الشيء، بحيث يصبحُ هذا الشيء الذي يجب أن يكون (نيكوف، م. أوفسيا؛ ونوفا، ز. سمير. موجز تاريخ النظريات الجمالية).

ممَّا لا شكَّ فيه، أنَّ الفيلسوف فريدريك هيغل في فلسفتهِ الجماليَّةِ، وفي جميع أبحاثِهِ قد “تبلورت لديه فكرة أنَّ مَهمة الفنَّ هو التعبيرُ عن الرُّوحِ المُطلق، ومَهمة الدِّين والفلسفة في عمليَّةِ التعبيرِ، وارتباط الفنِّ بالدين والفلسفة، حيث أن جميعها مظهرٌ للرُّوح المطلق” (هيغل، فريدريك. (1770-1831 م). كتاب حلمي، أميرة. فلسفة الجمال).

إنَّ قانون التشكٌّلات، هو ما يُسمِّيه هيغل بـ “الجدل”، وقوام الجدل الحركة أو صيرورة مستمرة. (طريقة تبرز تماسك المُتناقضات و وحدتها) (ريشار، أندريه. النقد الجمالي).

شوقي دلال

 

لا مندوحة، في هذا المقام، من نقطةٍ ارتكازيَّة لنزعةِ الفنَّان في الحضورِ والغيابِ، لأنَّ كل ما في الوجودِ مِن نُظمٍ انسانيَّةِ أو فكريَّةٍ أو ثقافيَّةٍ أو فلسفيَّةٍ، ومن ظواهر طبيعيَّةٍ أو حتَّى ماديَّةٍ أو تكنولوجيَّةٍ، إنَّمَا هي في النهاية المطاف، مظهرٌ من مظاهر تشكُّلات الرُّوح.

فالأعمال الفنية تُفصِحُ عن البَّاطنِ الرُّوحي. وكُلَّما اتَّسعَ مدار افصاحِ الأعمالِ الفنيَّة، كُلَّما نضُجَت في الشكلِ وارتقت في سُلَّمِ الكمال.

“إنَّ القيمَ الجماليَّة، في الأساس الجوهري لمنطلقاتها، ليست سوى وجهٍ من أوجه مُمارسة السَّعي الانسانيِّ لإشباعِ حاجاتِهِ؛ فالفِعلُ الجماليُّ ليس سوى انعكاساً للحدث؛ فـ منهُ يتألَّف، ومن خلاله يتشكَّل، و به قد يتمكَّن من التحوُّلِ إلى حدثٍ قائمٍ بحدِّ ذاته، يقودُ إلى مُنطلقٍ جماليٍّ آخر”(فانوس).

كما يسطِّر هيغل في فلسفته الجماليَّة، “الجمال”واحة في بروز الفكرة المحسوس: والفكرة، هي مضمون الفنَّ والتصوير المحسوس التخيّلي، شكله”؛ مع إيثار هيغل للجمال، فهو يُنشد عقلانيَّة الواقع الداخليّة، فمن المؤكد أنَّ فكرة الفنان لا تنحو لتكون مطلقاً فكرة مجردة، إذ أنَّ أعلى درجة في الحياة الفكريَّة تكمن في ما يسميه هيغل بـ “الذهن المطلق” (هويسمان، دي. علم الجمال)”.

فلا مندوحة من أنَّ نشأة الفنّ الأولى لم تكن فنيَّةً، وإنَّما كانت أداةً وظيفيَّةً استعماليَّة. فيُقدِّم هذا التضمين، الرؤى الأوَّليَّة، الَّتي من خلال مِنظارها، يستلُّ المُفكِّر أو الشاعر أو الفنَّان التشكيلي، مادته البِكر، كعُنصر قيمي، كسيرورة المعنى اللا مُتناهية، مُعايشة الجماليَّة تلك، إذ ينطلق بنظرته _ من خلالها، إلى فحوى الوجود. وليس أي وجود، وجود العيشِ والاختبار. 

 

تفاعلُ شيفراتتشكُّل لوحاتِ شوقي دلاَّل

ليست الصورةُ – رسم اللوحة الفنيَّةِ، في حياةِ الشعوب فِعل ايضاحٍ تصويري، فحسب، كما لا يمكن اعتبارُها مجالاً لتقديم جمالٍ ما يتحقَقُ من خلالِ الخطوطِ واللوان، والمُنعرجات، والفِعل التجسيدي لحقيقةِ المكان. حيث أنَّ فعلا الجمال والايضاح، يتمايزان في كونهما من توابعِ الصورةِ التشكيليَّةِ، وفي صُلبِ تكوين جوهرها.

إنَّ الأشكالَ – النماذج الصوريَّة الأولى، تتلامحُ عبر البصيرة، تكون (الأشكال _ النماذج الصوريَّة الأولى) هاجعةً في الذَّاتِ، مُترسِّبةً في لا وعي النفس، منذ الغابر؛ وحينما تنبعثُ عند الفنان نشوةُ الإبداعِ الفنِّي، إنَّما ينقلُ عنها، أو يرجعُ إليها عبر لاوعيهِ الإبداعي. 

وكي يُبهر الفنان التشكيليِّ المُتلِّقي، يلجأ إلى تزاويق شكليَّةٍ ومضمونيَّةٍ؛ وكأنَّى بهِ يرصِفُ حروفَ الأصواتِ المجهورة أو تلك المهموسة، توابعَ لتشكيل قوالب تشكُّلات لوحاتِهِ التعبيريَّةِ ألواناً نثريَّة.

لعلَّ هنا، يستطيعُ الفنانُ التعبيرَ بفنِّهِ، عن دخولهِ عالم وحدانيته، عبر المحاكاة ولربما الانصهار أو التماثل، فيُحاكي من خلالها هذا المحيط الخارجي، والكون، عبر مُراقبة تفاعُلِ النَّفس الانسانيَّة وتحوُّلاتِها الكثيرة.

والرسَّامُ التشكيلي متوسِّلاً الرسم، يستطيعُ أن يُحقِّق وجوداً فنيَّاً أو أدبيَّاً لوجودِهِ الخاص، من خلالِ تقديمه لـ “فِعل جمالي “ظاهريّ .

 فـ “الفنَّان حينما يرسم شجرة، يمرُّ في مرحلة أولى بالمُحاكاة الماديَّة أو النقليَّة، تلك الشجرة التي تقع عليها عيناهُ؛ وهي مُحاكاة عن نموذج خارجي”( الحاوي، إليليا. الفنّ والحياة والمسرح.). في حين يتلمَّسُ في المرحلةِ الثانيةِ من رومانسيته أو واقعيته أو رمزيته، أو ثقافته الروحانيَّة، وأحاسيسه وذاكرته المكانيِّة ، وذاكرة المجتمع، عبر الاتصالِ بأزمانِ الفِطرة، من ثمَّ البداوة، والحضريَّة – المدينة، والمُعاصرة، مُندرجات اتصالٍ أخرى. فينزعُ في المرحلةِ الثانيةِ، إلى ما تسمو إليه المُحاكاة، فلا تعودُ نقلاً (أي مُحاكاة “نموذج خارجي” ) له، بل محاولة للتعبيرِ من خلاله. ذلك حينما تتصلُ الذَّاتُ بموضوعِها، تُكيِّفهُ، تحذفُ مِنه، وتُضيفُ عليه. 

 

متوالياتٌ جماليَّةُ بين التُراثي والَّلوني السَّعودي في لوحاتِ شوقي دلاَّل

يستقرئ بحثي النقدي _الفنَّي: “متوالياتٌ جماليَّةُ بين التُراثي والَّلوني السَّعودي في لوحاتِ شوقي دلاَّل تجربة الرسَّام التشكيلي، بواقعيَّته البرونزيَّة، تلك الَّتي يُنشِئها بأسلوبهِ الفنِّي، الخارج من جذورِ النخيل، وعودِ الصندل، وقطراتِ الندى، تُشقُّ خطوطُه صدرَ العصورِ نحتاً مُعاصِراً، ولوناً خليطاً من امتزاجِ الثقافاتِ العربيَّةِ والشرق أوسطيَّةِ، ولربَّما الثقافات القروسطيَّةِ والقديمةِ، كغُصن نابض بخَزَف الخواطر والحدقِ.

يلجُ دلاَّل إلى تداخُلٍ في الرصف الشكليّ وتراكيب تعبيريَّة أو تشكيليَّة للُغةِ اللون ومساحِ الضوءِ والظِلال، وللمشاعرِ الانسانيَّةِ الحقَّة، في المُشاركة، كوجودٍ قائمٍ بذاته ولذاتِه، والانطلاق من شخصه إلى رِحاب تجارب أشدّ تأثيراً وأكثر عُمقاً؛ يتمثَّلُ فِعلَ ولوج الأرحب والأدقّ إلى الحقيقةِ الإنسانيَّةِ وتعالقها مع “الحدث التاريخي”باطارهِ الزمانيّ والحضاريّ والوجوديّ والثقافيّ.

تأتي لوحات _ مشروع شوقي دلاَّل، الحامل لعبق ديار تُدركِهُا مذاهب المُحبِّين، كحركيَّة ابداعٍ، ما بين الاختراقِ والانبثاقِ؛ كعصا موسى يتوكَّأ عليها، كالحصن الحصين في مكَّة؛ تتبدَّى كمقطوعة موسيقيَّة في ديوان الطائف، أو كذخيرة في رواية تسرِد تاريخ نجد، وتستقي من تضاريس العُلا نسائم مُمكناتِ الوجود، ويستحيل الظبي وجهاً للقصيم، دُرَّةً يُسطِّرها عنوان:  “ألوان السعوديّة بريشة لبنان[1]“، بنظرةٍ حداثويَّة، حيث تنبعثُ نشوةُ الإبداعِ الفنِّي.

تنتهجُ لوحات دلاَّل رويداً رويداً خطاً تُراثياً وحضاريَّاً، عربيَّاً بادئ ذي بدء، الأمر الَّذي يُؤطِّرُ لصيرورة تواصُليَّة مع الجذور السعوديَّةِ العربيَّة الأصيلة. توأمان في جسدٍ مُغلَّف بالتوت والصبار، والتمرُّدِ الايجابي المعقود في خوابي الزمان، حيث تحدثُ عمليةُ الاختمارِ الجمالي، الفنِّي وعمليةِ الابداع.

 

لعلَّ امتزاج حالات من التوتر العُليا، بين الفِعل واللا فِعل، بين الكينونة واللا كينونة، بين النموذج الذهني والنموذج الأعلى، بين ظُلماتِ هذه الذَّات العميقة واللا ذات في التلاشي، بين انفعالٍ يولِّدُ يقيناً حاسماً ، الأمر الَّذي تتوقَّف عليه تعاستنا وسعادتنا، حبورنا وانعكاسنا، وذاك الغائر في مشهديَّةِ الاِبحار بحضورِ حيِّز ما، لعيش الاختبار زمنيَّاً ومكانيَّاً.

في أحيانٍ جمَّة، يُصبح الانفعال فِعل خلق وعامل تغيير، من خلاله يتصل الانسان / الفنان بأعمق حقائق الوجود، فتؤدي الحالة الانفعالية إلى معارف ذهنية؛ ذاك يُجابه الانفعال غير الخلاَّق السطحي.

تجيء لوحات دلاَّل تارة مُثقلة ترائبُها بالحُلِيِّ والحُلَلِ، منقوطة هُنا باللطائف والحبور، ومُزدانةٌ بتعاريج الأودية وتضاريس الناس؛ وتجيء طوراً مُعزَّزةً بروحٍ من ضياءِ رهيف السواقي. ههُنا لا تملِكُ سوى التأمُّلِ في حُمرة التكوين: ثُلاثي لربما رُباعي أو سُداسي الأبعاد.

يستلُّ شوقي دلاَّل من المسافاتِ تقنيَّاته، وكأنَّ “فُرشاته” / أدواته للرسم، فلاَّحون يقطفون الثمار، كخطوط التوريق، تتداخلُ فيها أبيات من الشِّعر العربي الموزون والمُقفَّى، و”الروي”يسطعُ تعاريج واستدارات محفورة في الخشبِ. مُناظرةٌ لا مُتناظرة، بل تسطو عليها السُرياليَّةُ اللونيَّة، تبتدعُ تعاريج مُتداخلة ما بين الدمِ والوريد؛ فالفُلاة تخوضُ المياه، والسيوف المشرفيَّة سيِّدة الحِمى، تصرف عن جَنابِ القلبِ نكبةَ المواجِع.

 

وتستحيلُ الاضاءاتُ كإلهِ سومر أو آشور، أو حتَّى أبي نوَّاس يستقطفُ الضوء المُنسلّ من أيِّ انحدار، انحدار الظلِّ فوق إناء خمريِ؛ أو فارس عربي، يطِلُّ على مساحاتِ بلاده من علو، حيثُمَا تتجسّدُ بُطولته العربيَّة، وتشمخ أصوله العميقة في التُربة، وما ادراك ما الرِّيحُ تسفُّ التُراب، وهي .. وترتحل.

كقول الشاعر العربي:

في ليلة الهول والأحداثُ تلتطِمُ   والشرُّ يعصِف بالوادي ويحتدِمُ

كُنَّا نخوضُ إلى الأعداء معتركاً           نرمي ونُرمى بهِ والبأسُ مٌحتدِمُ

كُنَّا نُباغتهم في حيثُما كمنوا             كُنَّا نشدُّ عليهم كُلَّما هجموا

فارسٌ، من بوادي العرب، من قبيلة الفجر، غير ضجر، يهوى المُغامرات، ينشغلُ بمُرجانة القدر، تُلاطمه، لا يتزعزع، كنُصب تمثال الشُهداء في لبنان، أو نُصب الحُريَّة في بلاد الرافدين..

وكأنَّى بي تلك القصيد، المُنسرحة من لونيَّة خيال الأسطورة، تغور في لُجَّة الوجد الطليق، في لقاءٍ من تلاقِ التيجان وجوهر الحمد، لفتىً لم يبلُغ الحُلم، يُجيدُ صُنعة الجودِ ، يُنبِتُهُ مِن لُدُنِ الغسق، مُهجة للرّوح، ابحارُ فؤاد والريح تتبتخر بطيِّبِ الشقاوة. أينما ضاق عليه عَتبِ الزمان  لهفوةٍ، أينما لامست ناظريه مِحن تُجافي لحظة المُطلق، فاُثقِلَ عليه الهَّمُّ المُبتلي، تراهُ بمهجة رجُلٍ، صوبَ الشرق، حيث الأنام تومِضُ بالمُقل، مُندفعاً يطوي الرِّمال فوق الرِمال، فوق الحُسام ينهضُ: مِن هُنا، تشعُّ لونيَّة السحر، فيَّاض الندى: أمير الشَّمس؛ وفارس القمر.

“أمرك يا قايد الأمة   على الراس والعين

بيوتنا سِتر وغطى    ولمَّة أهل مجتمعين (قابل، ثريا.شاعرة سعودية)”

 

يتقرَّى دلاَّل التكوين انسياب للوحة باستقصائها بيديه، والعلاقةُ الارتكازيَّة القائمة ما بين حِسِّ الحميميَّة الَّتي يهمُّه أن يُقيمها دوماً بين عمله والمُشاهد؛ وجذوره العربيَّة.

“أملٌ وحيد..

أن يخبوَ البُركانُ…

تسكُنَ ثورةُ النَّفسِ المُريدْ..( القرني، فاطمة محمد. قصيدة “أين الحدود”)

“تلوحُ ببالي فَيورقَ غصنُ الرِّضا .. في خيالي أَطيبَ.. وَ آنَسَ..

يَندى دمي..   مبسمي..  بالأغاني..

 يستقرؤنا السؤال، ويُحفِّز الروض النضر في بقيةِ العمر. أيما تجسَّدَ الوعي الجماليُّ في خزائنِ النَّفس! فالصفاتُ الجماليَّةُ تنمُّ في عضويتها أو اتِّحادِها ، العام والخاص في تشكُّلِه، عن صفات بُنيويَّةٍ، موضوعيَّةٍ، ترتقي أحياناً كُثر إلى “الكمال”. ذاك أنَّ كُل ادراكٍ جماليّ، أو كل مُعايشةٍ للجمالِ، أو حتَّى كُلّ حُكم جماليّ، هو تقويم نوعيّ خاص جداً.

وممَّا لا ريب أبداً، أنَّ دلاَّل قد ارتقى بخطوطِ رسمه ، مُتدرجاً في استخدامِ أدواتهِ وظيفيَّاً، ثمَّ كضرورةٍ حتميَّةٍ لتحرُّرِ الانساني فيه، كان لا بُدَّ من اخراجِ قُدراتِهِ الفنِّيَّة في لوحتهِ، بدءاً  كاستجابةٍ أوليةٍ لمنفعة الذائقةِ الفنيَّةِ، اخراج الرَوي من هذا الحيِّز إلى رحاب التعبير عن الحُبورِ والحُبِّ والمتعة؛ عن التطوُّرِ والسموّ، فالمُطلق النسبي الَّذي يتحقَّقُ من خلالِ عمليَّةِ تشكّل اللوحة _ تعبيريَّاً و تقنيَّاً_ وتشكُّلاً ترميزيَّاً أو واقعيَّاً، كي يحقِّق رغباته في حضورِ فاعليتهِ الذَّاتيَّة والفنيَّةِ عبر المشهديَّةِ التصويريَّة والَّلونيَّةِ، والانتصار واقعاً ومُرتجى. وقد مكَّنته من ذلك كله، زخرفاته على مستوى الادراك الفنِّي المتوالدِ في لوحاتهِ من بواعث سحريَّة المكان- أرض الأجداد والقوافل العابرات_ ، تتجاوزُ محدوديتها و فرديتها، إلى الجَمعي.

متى تستقلّ الذَّاتيَّة في الفَّنِ، وتتحوَّل من تحرُّسات وتعاويذ لا يقين فيها، على مسرحِ الوجود؛ كمسرحياتٍ ذاتيَّة أو بيوغرافيَّة، إلى المعيوش؟

فمتى يُدرك الصِلاة السرِّية، بين ديوانيَّةِ القصيد، ومنتورِ لونيَّةِ الحجر، ومنزلةِ التأريخ، والبيولوجيا والانثربولوجيا الاجتماعيَّة؟

متى تنتفضُ النَّفسُ على انثيالاتِها العاطفيَّةِ المتماديَّةِ، وتنتشي فوق هضابِ مُعاناتها الغامضة؟ هل سجدتَ لصلاة الفجر!

“غنَّيتُ مكَّة”

(عقل، سعيد. قصيدة: غنَّيتُ مكَّة”،غناء: السيدة فيروز )

“غنَّيتُ مكَّة اهلها الصيدَ    والعيدُ يملأُ أضلُعي عيدا

فرِحوا فلألأَ تحت كُلِّ سما    بيتٌ على بيتِ الهُدى زيدا

وعلى اسم ربِّ العالمينَ عَلا   بُنيانهم كالشُهُبِ ممدودا

يا قارئَ القُرآني صلِّ لهُم    أهلي هُناك، وطيبُ البيدا “

 

لطالما كان البُعد القِيميّ، المجتمعيّ، السياسيّ والاقتصاديّ، الّذي تُسطِرُه المضافات العربيَّة، ومضافات المملكة العربيَّة السعوديَّة، ناتجاً حضاريَّاً لجذورنا التاريخيَّةِ ووحدتنا؛ من تحكيم لعقد صُلح أو وأد ثأر أو  “طمر”لـ فتنة أو عقد زواج، تتجلّى بعادة “دقِّ النجر”لقهوة عربية وحلوى “راحة الشام”؛ أو تمر القصيم أو البصرة، أو حمضيات عسير وكباث جازان، أو الصنوبر والتين والمشمش المجفّف والجوز اللبناني.

بيد أنَّ ما يختلف في تكاوين مسارِ رحلة شوقي دلاَّل مع لوحته، أمرٌ ما يشبه وُشيَ و زُخرِف البِحار كالمُرجانِ النضَّار، يسري بخفةٍ في أسواقِ المدينة. أمن مورِد الشام ورود وَجنة الخدِّ، أم بان على أطرافها زُمرُّد غضِّ، و كفُّ الظبي بأرض الأندلس مُعتضدِ!

ثم يُطالِعُك وجودٌ جديد، في تلاوين دلاَّل، شخصياتٌ مُفعمةٌ بالتساؤلاتِ الانسانيَّةِ، لربَّما تنجم عن رؤيا طقوس تراجيديَّة للفنَّان، أو لربَّما تنمُّ بأبعادِها الحياتيَّةِ والاقتصاديَّةِ والاجتماعيَّةِ عن مسارٍ حواري ما بين أهلِ الجنوب وأهلِ الشمال، ما بين “تهِمَ الحرُّ” (سهول تهامة) والقلبِ؛ وأهل الأرض جمعاء..

أم تُراه يفيض مُسرعاً، ها قد حلَّ بنا “أهل النخوة”، “بنو هاشم”شهامة العرب.

والأنواءُ (النَّوْء) مصقولة بالذهبِ، كيقظةِ عُصفورٍ يرسم و يَمْحو خطوطَ الطولِ والعَرضِ، في كُلِّ الاتجاهات، يُبعثرها، ويحتفي بالتهاليلِ السُجَدِ.

ثمَّة تعابير مخبوءة في مَتن الظِّلالِ والألوانِ الواضحة سطوعاً في لوحات دلاَّل، تلعبُ في جُملتها بخفَّةٍ ضمن مسار تلاقٍ ومُتعارض “ونيس” (مؤنس). فهذا الانخراط الجمعيّ ما بين التشكُّلِ المكانيِّ يتوحَّدُ فيه اللون باصطباغٍ أُرجوانيّ _ تُرابيِّ _ شمسيّ (بين النَّارِ والنورش، بين الظِلِّ والاشراقِ، مرتعها ألوان الأخضر والأحمر والبرتقالي والأصفر والأزرق والنيلي والفِضِّي وسواها الكثير، بتدرجاتها المُتنوِّعة الفريدة). عُزِفَت اللوحات بما تُمثِّلُهُ من قيمٍ حضاريَّةٍ و فنيَّةٍ و ثقافيَّةٍ و اقتصاديَّةٍ، كنموذجٍ انسانيّ يتمتَّعُ بخصوصيَّتهِ الذَّاتيَّةِ، مُحافظاً على امتدادِ البحورِ العربيَّةِ، قطعة موسيقيَّة، بنوتات (نوته موسيقيّة) مُتباعدة ومُتباينة حيناً، مُتناقضة ومُتعارضة ومتوالفة أحياناً، جُمِعت في الأصيلِ، أيقونة تُراثيَّة ولحنيَّة لأُمَّة عربيَّة، تكوينيَّاً و إثماراً حضاريّاً.

 

كما، ثمَّة أحاسيس قويَّة بتقاطعٍ زمنيٍّ ومكانيّ، بتجسيداتهِ اللونيَّةِ كمنسوجاتٍ لصيقةٍ بالطبيعةِ والماءِ، بالعناصر الخمس من تُرابيَّةٍ وهوائيَّةٍ ومائيَّةٍ وناريَّةٍ وأثيريَّةٍ، مشغولة بينبوع الصلاة؛ فالسكينة.

 ههُنا، تحوَّلت الثيمةُ الإيمانيّة مُستقراً في الجذورِ، ترفاً لفردوسٍ شخصي، يختزِنُ الدفين في الدُعاءِ.

“تعالي إلى ربِّ الحُبِّ يدعونا … تعالي قبلما تسكُتُ في الروض الشحاريرُ

ويذوي الحور والصفصاف والنرجس والآسُ

تعالي قبلما تُمطِرُ أحلامي الأعاصير…(أبو ماضي، إيليا. قصيدة تعالي)

يريد الحبَّ أن نضحك فلنضحك مع الفجر

وأن نركض فلنركض مع الجدول والنهر

وأن نهتف فلنهتف مع البلبل والقمري

فمن يعلم بعد اليوم ما يحدث أو يجري؟

تعالي نُطلق الروحين من سجن التقاليد

فهذي زهرة الوادي تذيع العطر في الوادي

فهذا الطير تياه فخور بالأغاريدِ..

والرحَّالةُ_ مذ قدريَّة زمانهم _ قد وطِئوا باب المندب باللُّقحِ والثمار، والحديقةُ سقسقَ عليها وِقار اخضرار النبعِ المُضاء، ويراعُ سحرِ الغِوى هَوى الشباب الشقي؛ وما درك وإحمرار القيروان، تتفتُّح الخمائل ملمسهُ، نافورةَ عطرٍ زنبقي تستيقِظُ نجمةً، من “طيبة “نسيمه ، أو هِلاله من “نجدِ”، لا يزول. بنُبل مأساتها و فرحها تستوقفك تجربة دلاَّل البصريَّةِ التعبيريَّةِ المُعصرنةِ.

 

هل انشغلت حواسكَ، بـ “العقعق العسيري”؛ مفتوناً يتبارى و”الغاق السقطري”!

والصقر الحُر… يطوف ! أم أدركتَ في غفلةٍ رائحة العود! والياسمين تحتجزهُ القوارير!

تُحيكُ المملكةُ من بستان خيوط “السدو”نضال الأباءِ المؤسّسين، ومن أهازيج الجدّات حكايا الأولين، ومن الرحّالةِ عزيمة المُتصبِّر، ومن صلاةِ المُتعبّدِ عزم الرسالة. وتخطّْ من لحظِ صُقورِها رؤىً استشرافيَّةً ناسجةً مُدن الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا البيئة الخضراء لرفاهِ الإنسانيَّة، ثقافيَّاً وانسانيَّاً.

تكسو مغازِلُ الحرير تكاوينَ طقس “ضربة فُرشات الرَّسمِ”وامتزاج بحثي النقدي: “متوالياتٌ جماليَّةُ بين التُراثي والَّلوني السَّعودي في لوحاتِ شوقي دلاَّل”، والفَرَس الملمع جِيدُها لا تنحني؛ وأصالةُ الأشتياقِ القديم يختفي في اتِّحاد روحين، والرَاح لا تعرِفُ بِمَن تلتقي ترحاباً أزليَّاً؛ والياسمين يصقُلُ وجدان مرئية الصدقِ، والأصالةِ العربيَّةِ برؤى مُستقبليَّة، حضارةً وتمايزاً أُمميَّاً.

والمدام ذاتيٌّ في الَّلوحةِ، المُحتفي انفعالاً ونشوة الاشعاع، عذبٌ كبروجِ السَّماءِ، يستقي من قلبِ الحقيقةِ السرمديَّة _ الله، عِشقاً أبديَّاً، حتميّاً، كي ينطلق برحابتِهِ الفَّنيَّةِ إلى تصاوير إنسانيَّة أكثر شموليَّة؛ وفي البُعد الجمالي للطبيعةِ ومداها اللا محدود، يستفيضُ غناءَ دالٍ ومدلول، وشائِج للعتمةِ والضِياء.

***

أستاذة النقد الأدبي الحديث والأدب المقارن،

أدب ما بعد الحداثة، والمنهجية،

في كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة _ الجامعة اللبنانية

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *