سجلوا عندكم

قراءة في قصيدة الدّكتور جميل الدويهي “أظلّ طفلاً عندها” من وحي اللقاء مع “لقاء”

Views: 680

الدّكتورة هدى عيد

(عن صفحته الفيسبوكيّة  20/ 8/ 2025)

تلك التي أحببتُ، بعضُ خيالي

لو قيلَ عنها: لا ترقُّ لحالي…

من أين جاءت؟ ربّما من قصّةٍ

عنونتُها بتعجّبي، وسؤالي…

صوتٌ كصوتِ العودِ، يعبرُ في دمِي

ويعيدُني من غابرِ الترحالِ…

ما كنتُ أعرف غيرَها، فإذا مشت

تمشي العيون على الحرير الغالي

وأظلّ طفلاً عندها. فكأنّني

قمَرٌ تعلّق في خطوط الشالِ…

عندي رسائلُها. أحدّقُ في السطو

ر، وطيفها لمّا يغبْ عن بالي

وتقول إنّي مُبعدٌ، ومسافرٌ

فكأنّ جسمي انهارَ من أحمالي

وتقول: عُدْ… والبحرُ دار كما الرحَى

وهديرُه قد هدَّ لي أوصالي

أشتاق أن أغفو على أرجوحةٍ

فلقد كرهتُ تشرّدي، وضَلالي

والعمر ُيمضي كالهواء، ومنزلي

من بعدِها ملحٌ، وخيطُ رمالِ

هل من يردّ إليّ بعض حقيقتي؟

هل قبلةٌ من ثغرِها المتعالي؟

يا مرَّها، ما كان أطيبَ طعمَه!

لولا شربتُ المرّ، لست أبالي

 ***

القبلة والحنين الباشلاري إلى المنزل:

يطرح علينا الشّعر الغزليّ في بعض نصوصه المتقدّمة، حالة من التّجاوز، لا يعود معها القصيدُ مجرّد توصيف لمحبوبةٍ تتلاعب بالقلب وبالوجدان، محرّكة في الشّاعر مكامن الشّوق والحنين، بل نجده يغزل لنا فضاء رمزيّا تتقاطع فيه الأسئلة الوجوديّة، ليستحيل في كثير من الأحيان، مرآةً لتقلبات الذّات وأحوالها ومدار تساؤلاتها.

 وهو حالنا أمام نصّ مخاتلِ العنوان ” أظلّ طفلا عندها “، للشّاعر المهجريّ جميل الدّويهي،والّذي يبدّي القصيدةلقارئهافي الوهلة الأولى، نصّا وجدانيّا غزليّا شفيفًا، إلاّ أنّ استقراءه، وتبيّنَ دلالاته يكشفعن فضاء ترميزيّ، يستحضر فيه شاعرُه ثنائيّة المرأة/ الوطن، بالتّضادّ مع ثنائية الارتحال/ الغربة، مستدعيا إلى الذّهن، قصيدة الشّاعر محمود درويش ” تكبّرْ، تكبّرْ” الّتي يبدو المرسَل إليه فيها امرأة، بينما هو في حقيقة الأمر الوطن السّليب العصي على العودة.

تتقاطع في أبيات هذه القصيدة الأسئلة الوجوديّة في بحث عن معنى الوجود، بالحنين العميق إلى الّذات الضّائعة الّتي ارتحلت عن موطنها الأصيل، وهي ما زالت في حالة من التّطلّع الذّائب إلى  زمنه الّذي صنع حقيقته، وإلى استعادة الحقيقة الّتي غامت على مرّ الأعوام”هل من يردّ إليّ بعض حقيقتي؟”

نقرأ في العنوان/ العتبة النّصيّة الفعل” أظلّ”، يعكس إرادة التمسك بمرحلة الطّفولة عند الشّاعر “طفلا”،بحسبانها رمز البراءة والصّدق والعفويّة، والمشاعر الصّافية، على اقترانٍ بظرف المكان “عند” مضافًا إلى غاء الغائب العائدة إلى ” مؤنّث” قد يكون حبيبة، أمّا، وطنًا، أو حتّى فكرة أو ذكرى، فاتحا بذلك المجال أمام تعدّد القراءات واغتنائها.

 إلاّ أنّ القبلة من الثّغر المتعالي في آخر القصيدة “هل قبلةٌ من ثغرِها المتعالي؟” تصويبٌ على كينونة الأنثى صنو الوطن وشبيهته في قدرتها على الاحتضان، وعلى شفاء الجرح، فالسياق يبرزهامرآةًللذّات المتعبة من كثرة حلّها وترحالها، من هذا التّسرّب المؤلم للعمر  الّذي “يمضي كالهواء”، فيتناثر بغيابها كلّ الوجود الّذي كانه،وبغيابها يصير المنزل  ملحًا سرابيا متذاوبًا، بل خيطًا من رمال تذروه الرّياح، ما يصيّر العنوان مفتاحًا دالا معينًا على الولوج إلى عالم الشّاعر، المتمسّك بعمر البراءة الأولى، بالزّمن الدّاخليّ الممتدّ في الوجدان، يناوئ به قسوة الزّمن  الخارجيّ  الّذي فرض عليه طقسه الاغترابيّ وعلاقاته.

هكذا، لا تُقدّم لنا الحبيبة بوصفها موضوعًا للرّغبة، بلفعلا يعيد للذّات حقيقتها الّتي مزّقها الغياب، وكائنًا يعيد تشكيل الذّات المبعثرة بفعل التّرحال الّذي أفسد حقيقة الشّاعر الأولى الصّافية: ” هل من يردّ إليّ بعض حقيقتي؟ /هل قبلة من ثغرها المتعالي؟”

فالمنتظَر من كينونتها ذاك الأثر المتروك في الآخر، لا استقلالها عنه، وهذا ما يتقاطع مع تصوّر هايدغر للكينونة بوصفها انكشافًا في العالم “حيث لا تتحقّق الذّات إلاّ عبر علاقتها بالآخر”[1]. وهو عينه يصيّر القصيدة/الخطاب تجاوزًاللغزل الشّعريّ التّقليديّ، واستحالتها غوصًا تأمليا في فعل الاغتراب تعكسه مفرداته ( مبعد، مسافر، أحمالي، عُد، البحردار كما الرّحى-  هديره هدّ أوصالي)، والّذي يرغب الشاعر بالتّملّص منه، إذ يؤكّد بقاءه عند حدّ الزمن الفاصل في الحياة، زمن الطفولة ” وأظلّ…”.

من هنا تصير القبلة في هذا النّصّ رمزًا وجوديّا، لا مجرّد فعل حسيّ مكرور، إنّها نوع من الحنين الباشلاري يستحيل معه الحضور الأنثويّ إلى ترميز للمنزل الدّاخليّ بوصفه فضاء للحنين والذّاكرة، والقبلة هي لحظة استعادة المنزل للذّات المتشظيّة في أسفارها، في إحالة إلى مفهوم الّلامنزليّة عند هايدغر ” حيث يغدو الإنسان كائنًا في العالم، لكنّه بلا مأوى داخليّ”[2]. “أظلّ طفلا عندها” عبارة تحمل في طيّاتها وعدًا شعريّا بالانكشاف، بالعودة إلى نقطة الأصل إلى الوضعيات الأولى في الفعل، تلك التي تسبق مراحل التقدّم في العمر مسقطةً كلّ أقنعة النّضج الّتي قد نضطر إلى التّقنع بها، في مسارات الحياة.

وإذا كان لابدّ من كلمة ختاميّة، فهي التّأكيد على كون هذه القصيدة الغنائيّة الوجدانيّة قد تجاوزت النّوع الغزليّ التّقليديّ الّذي يتوجّه بالخطاب نحو الآخر ليتغنّى بحضوره، وبتأثيره، لتكون بالقبلة/ الاستعارة تفحّصًا لوجود الذّات في الحياة، واستطابةً للالتحام بها في حالاتها الأولى، على مرارة ابتعادها زمنيا ” يا مرّها، ما كان أطيب طعمه! لولا شربت المرّ لست أبالي”.فبالقبلة الختامية ينتج الشّاعر لحظة اندماج ما بين الذّات والآخر، الدّاخل والخارج، وبين الحنين والتّحقّق، معيدًا بذلك عبر لعبة الّلغة، تشكيل المعنى الّذي رمى إليه.

***

[1] Heidegger, martin (1962). Being and Time, Trans. John Macquarrie and Edward Robinson, Harper and Row. P. 231

[2]Ibid., p. 233

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *