سجلوا عندكم

“مذكرات رئيس أركان الجيش اللبناني” للواء رياض تقي الدين… مرجع تاريخي وسردية صادقة

Views: 564

سليمان بختي

بمعنى من المعاني تفضي كل الاحداث والتحليلات والنقاشات  والشروحات وان كان يتم ذلك بعد حصولها بزمن الى تصويب الحقيقة.

كتاب اللواء رياض تقي الدين يصوب الكثير من الحقائق في اتجاهها الصحيح وفي اطارها التاريخي.

صادق وشفاف رياض تقي الدين فيما يكتب وصاحب لهفة حقيقية على الوطن وخوف على اللبنانيين من التورط في النزاعات والمشاكل.

يحاول طوال الوقت في كتابه ان يحلل المعلومات ويراجع ضميره عند كل حدث وبنفس إصلاحي بناء ويتوقف عندما يرسخ كل ذلك في الوجدان او في قعر الخابية.

ارتقى رياض تقي الدين الى الرجولة سريعا امام احداث الحياة فكان المراهق الذي يلعب دور الكبير. يفكر في بداية حياة الجندية في المدرسة الحربية في الشعور الوطني الذي يسمو به الى الذرى وفي المقابل يتعامل في الممارسات الطائفية وبروز صراع تكتلات بين مسلم ومسبحي حتى يجد نفسه احيانا وحيدا ومحبطا في مواجهة الظلم والتمييز  وتاخير الترقيات (وكلها كانت تحت مسمى وقائع التعامل والتشكيك بالولاءات).

انها سيرة من المواجهات التي لا تنتهي.

يروي رياض تقي الدين بدايات الصدام والاشتياكات مع الفلسطينيين في مطلع السبعينيات وكان سبقه أتفاق القاهرة ١٩٦٩. يذكر حادثة اغتيال معروف سعد في صيدا والتي اعتبرت شرارة انطلاقة الحرب اللبنانية. ولاول مرة نعرف اسرار مقتل معروف سعد ويكتبها تقي الدين بعد اطلاعه على تقرير احد ضباط المخابرات في الجنوب. والاحتمالات هي: اما فلسطيني يحمل بندقية وإصاب سعد. واما احد عناصر قوى الامن الداخلي عن طريق الخطأ. او عنصر من عناصر الجيش اللبناني من اهل شرق صيدا اطلق النار واختفى.

 اما بوسطة عين الرمانة العائدة الى تل الزعتر فيسأل تقي الدين من حول سيرها الى عين الرمانة وهي المتجهة اصلا الى المكلس. ويسمي احد نقباء قوى الامن الداخلي كليم واكيم هو الذي فعل ذلك. يروي تقي الدين مقدمات تفكيك الجيش اللبناني. ويكشف التحريض السوري لضباط الجيش اللبناني بالقيام بانقلاب.

يسال كمال جنبلاط أسئلة  دقيقة وجريئة مثل: لماذا تحمل عبء القضية الفلسطينية على كتفيك؟ لماذا تحتضن حركة احمد الخطيب(جيش لبنان العربي)؟و يعيد تصويب  السرد حول معارك الكحالة الصورية وحول دخول الجيش السوري الى البقاع. ويذكر انه سمع من كمال جنبلاط ان لبنان  لم يحكم بصورة عادلة الا عندما حكمه درزي. ويعلق: لامس ذلك عاطفتي ولكن عقلي رفضه. وامام علاقته الوثيقة مع كمال جنبلاط وميزانها الثقة تتكامل الرؤية على ارض الميدان.

ويرى ان قرار إنهاء حياة جنبلاط هو نتيجة تداعيات صلات إلياس سركيس مع سوريا. وبتقديري  يمكن ان يكون ذلك سببا  ولكن ابعد من ذلك هناك البعد الفلسطيني والامساك بورقة فلسطين ولبنان من قبل سوريا. كان رياض تقي الدين يلتهب في قراراته . واشتغل بصدق على ما تختزنه وتمتلكه المؤسسة العسكرية من معان وطنية وانزلها في قلبه ووجدانه. وفي استنتاجاته الاخيرة خلاصات يرى فيها ان لا ثقة تدوم اذا تغيرت المصالح. واننا ضعنا في لبنان في تصنيف بعضنا، وليس اغلى من لبنان . وان نظاما رئاسيا

مخابراتيا هو غير مؤهل لرعاية نظام ليبرالي حر. وان الاوطان تبنى بالمحبة والغفران. ويشير الى الحلول العقلانية والطرق السلمية بحل المشاكل. سعى رياض تقي الدين بكل ما في وسعه لتظل الكرامة الشخصية والكرامة الوطنية على مستوى واحد. وإلى عدم تشويه الصورة التي تتردد في الوجدان ولم يسأل من ربح العالم. كأنه يستبدل الكرب الكبير بكرب اخر هو كرب الحر القلق الذي لا يريد ان تلوث الايام السوداء الروح او المبادىء.

كان هناك الكثير من الحروب الصغيرة والكبيرة في هذا البلد بين الاشقاء والجيران والدول المجاورة. كان هناك تصفية حسابات مرعبة. لماذا الحرب؟ هذا السرطان يسأل رئيس الاركان الذي تحمل ما لا يحتمل لأنه عمل بصدق وضمن القانون . اهم ما في تجربة تقي الدين رؤيته للسلطة التي يعتبرها مسألة اخلاقية ووطنية قبل اي شيء اخر. وتقي الدين اراد ان يكون انسانًا عينه قبل اي شيء اخر. عانى التحولات والطباع الشرسة والمزاعم وعانى تبدل الموازين والقوى  والقيم وحاول التكيف معها دون ان يخسر المبدأ. وما بين قسوة الحياة العسكرية ورهافة الحياة الانسانية كان تقي الدين يهرب الى تأليف الكتب (ستة عشر كتابأ في السياسة والتاريخ والعلم العسكري والدين والسيرة الذاتية والشعر ).

هذا الكتاب هو وثيقة ومصدر اساسي من مصادر التاريخ. وفيه تحليل موضوعي عن قرب لأحداث تاريخ لبنان المعاصر. وفيه اسرار المرحلة التي عاشها تقي الدين في المواقع وما اكتنفها من غموض وملابسات. لم يلتف تقي الدين حول المشكلة بل كان يواجه وكأني به يخوض على ارض الواقع معركة الذاكرة الي هي خط  الدفاع الاخير عن الانسان. هذا الكتاب يرتقي الى رتبة المرجع التاريخي العسكري الميداني الاصلاحي.

علينا ان نستفيد من تجربة اللواء رياض تقي الدين في بناء الجيش والمؤسسات الامنية التي تحمي البلد باعتبارها ضرورة في ظل الانقسامات التي يعيشها الوطن اللبناني .

جمع تقي الدين بين الفكر والعمل وبين الحكمة والإنسانية. انه قدوة ايحائية ومثال ونموذج  يحتذى به لجيل يبحث عن الحقيقة والسلام والامان في وطن ممزق .

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *