سجلوا عندكم

صدور ديوان “منسيات” لجوزف صايغ عن “دار نلسن”

Views: 401

صدر عن دار نلسن في بيروت كتاب “منسيات” للدكتور جوزف صايغ، يتضمن مجموعة من القصائد حققها ودققها طوني شعشع.  وكان موقع Aleph-lam نشر بعضها. في ما يلي  رسالة الدكتور صايغ ومقدمة طوني شعشع.

المقدمة

وُلدنا في مدينةٍ واحدة، وفي حيَّيْن متجاورَين، فظلَّلتنا سماءٌ واحدة، وروانا نهرٌ واحد، ورنَّح خاطرَينا تاريخٌ واحد حافلٌ بقِصص البطولة. ومع ذلك كلِّه، فقد تأَخَّر لقاؤنا.

عرفتُ الدكتور جوزف صايغ، أَوَّلاً، من خلال “سعيد عقل وأَشياء الجَمال”، أَوَّل مؤلَّفاته. كان الكتاب معروضًا في واجهة “مكتبة البلديَّة” بزحلة. ولـمَّا حاولتُ أَن أَقرأَه – وكنتُ، يومذاك، حوالى الرابعةَ عشْرةَ من العمر – استعصى عليَّ فهمُ الشيء الكثير منه. على أَنَّه لم يفُتْني ما في لغتِه من أَناقةٍ وصَوغ لازماه إلى أَن سقط القلمُ من يده.

وتمرُّ الأَيَّام، فأَقرأُه على صفحات الجرائد البيروتيَّةوالزحليَّة، فإذا كلماتُه، حينًا، تتلهَّب ثورةً ونقمةً، ولا سيَّما في مقالاته السياسيَّة ومَشادَّاته الفكريَّة؛ وحينًا، تسيلُ رقَّةً وعذوبة، وبخاصَّةٍ في غزَلِيَّاته. وفي أَثناء ذلك، كنتُ لا أَني أُفتِّشُ عنه على دروب المدينة؛ فإذا وقعتُ على مَن يُشبهُه، توهَّمتُه إيَّاه… إلى أَن دعاني إلى زيارته، ذات يومٍ، بعضُ الأَصدقاء، فلبَّيتُ لم أَتردَّدْ؛ وكان ذلك في أَواخر السبعينيَّات من القرن المنصرم. ومذَّاك، نشأَتْ بيننا صداقة لم ينلْ منها الزمن، ولا اغترابُ كلينا عن الوطن.

شدَّني إليه، في اللقاء الأَوَّل، تواضعُه ودماثته. ثمَّ ازدادتْ معرفتي به، فأَكبرتُ فيه صرامته المبدئيَّة. لا يُجامل، ولا يُساوم على ما يراه صوابًا. الحقُّ، عنده، فوق أَفلاطون دائمًا. إرضاءُ الضمير قبل إرضاء الصديق. ولعلَّ مَردَّ ذلك عنده إلى فضيلة الصدق: صدقِه مع نفسه قبل صدقه مع سواه. وعندي أَنَّ هذا الصدقَ هو الذي عصمَه من الجنوح إلى تدجيلِ بعضِ الشعراء المحدَثين الذين يُوهِمونك، في شِعرهم، بشيءٍ… لا وجودَ له! تقرأُه، فلا يُزايلُك الإحساسُ بأَنَّ نفحاتٍ غربيَّةً تهبُّ على الأَدب العربيّ؛ نفحاتٍ مسحَتْ غبارَ الصحراء عن الشِّعر، لكنْ من غير أَن تقتلعَه من جذوره. وبرغم ما صدر في أَدبه من دراساتٍ وأَبحاث، فما برحَتْ فيه أَقاليمُ لم يطرقْها بعد رُوَّادُ المخبَّآت. وعلى مَن يعتزم القيامَ بهذه المغامرة أَن يتسلَّح بثقافةٍ غيرِ محصورةٍ في نطاق الأَدب العربيّ فحسب. روافد كثيرة انصبَّتْ في أدبه،منها الفلسفيّ،ومنها العِلميّ. وعندي أَنَّ شِعره، على تنوُّع موضوعاته، يخترقُه غَصَصٌ ميتافيزيقيّ – ولا أَقول: ترَفٌ لاهوتيّ – حافزُه البحثُ عن معنى الوجود. على أَنَّه، في صَوغِه الفنِّيّ، لم يبرأْ، إلاَّ قليلاً، من أَثر أُستاذه سعيد عقل.

*

في مطلع العام 2018، أَبرد إليَّ الدكتور صايغ كدسةَ أَوراق، وكتب يقول: “يُطمئنُني، ويُرضيني، أَن تكون هذه الخطرات بين يدَيك. فذلك يقيها الضياع في حال كان القدَرُ أَسرعَ إلى مباغتتي. أَرجوك أَن تنظر فيها وكأَنَّك أَنت بارئُها. لا أُريد أَن يكون فيها سَقْط. فتصرَّفْ…”

تحوي هذه الأَوراق بعضَ بواكيره، وما باشره من قصائد لم يُنجِزْها، وما سنح له من مقطَّعات شِعريَّة أَو أَبيات لم تستقم في قصيدة… فهي أَشبَهُ بما يدعونه، عندنا في لبنان، على حدِّ تعبيره، “العْفارَة”؛ أَي ما يتبقَّى من الزَّرع بعد حَصْده، وفصيحُه “الجُرامة”. وفي جملة ما تحويه تلك الأَوراق قصائدُه المتأَخِّرة، التي حالَ رحيلُه دون أَن يُصدِرها في ديوان.

ولقد كان، أَوَّلَ الأَمر، في حيرةٍ ممَّا يُعَنْوِن به تلك الخطرات، ثمَّ اهتدى إلى “مَنسِيَّات” عنوانًا لها. وتسنَّى له، إبَّان إقامته بزحلة في صيف 2020، أَي قُبَيل رحيله ببضعة أَشهرٍ، أَن ينظر في كثيرٍ منها، وينشرَه في موقع “أَلف لام” https://aleph-lam.com. وممَّا استرعى انتباهي أَنَّ بعضَ ما نشرَه – وهو قليل – لم يكنْ في كدسة الأَوراق التي بين يدَيّ! وقد أَدرجتُ هنا كلَّ ما نشره على نحوِ ما صدر.

أَمَّا “السَّقْط”، فقد ساورَني، في شأْنه، ما ساوره هو عند إعداده ديوانَ صديقِه إميل الصدِّي “رؤى” للنشر: “الغلَط مع الأَموات”! وهو “غلطٌ مُطلق” لا أَتوخَّى ارتكابه.

في ذكرى رحيله الخامسة، تصدر “المنسيَّات” لتذكِّر القارئَ بـ”العاشق” الذي كانت زحلة حبيبتَه الأُولى والأَخيرة، وفي حضنها كانت غفوتُه الأَبديَّة.

 نيويورك، 14/ 6/ 2025

 

Comments: 1

Your email address will not be published. Required fields are marked with *

  1. يسترعي طوني شعشع انتباهَ القرّاء الكرام إلى أنه ليس مسؤولاً عن عشرات الكلمات والأشطر الساقطة من ديوان “منسيَّات” للدكتور جوزف صايغ في طبعته الصادرة عن دار نلسن عام 2025.