الياس زغيب قارئًا “مساكب الغزل في شعر عبدالله شحاده” لجورج زكي الحاج
د. الياس زغيب
عرفته منذ يفاعتي، عرفته قبل أن ألتقيه.
حينها كنت منكبًّا على الزّجل والشّعر المحكيّ، فقرأته باحثًا وشاعرًا على صفحات مجلّة صوت الشّاعر وتابعته في المؤتمر الأوّل للشّعر العامّيّ في لبنان عام 1995.
منذ ذلك الوقت أتابعه، قرأت دراساته بين الفصحى والمحكيّة، وكان بالنّسبة إليّ أوّل أكاديميّ- بعد منير وهيبه- يمكنني الاعتماد عليه لتعلُّم أوزان الشّعر العامّيّ وللإحاطة بأصول اللّغة المحكيّة. كنت حاضرًا في غير أمسية له في ملكوت الشّعر، وحين دخلت كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في الجامعة اللّبنانيّة كان اسم “جورج زكي الحاج” يملأ الأرجاء، وشعره يضجّ في نفوس طلابه، وحضوره رهبةً أكاديميّة ووقارا…
لم أكن من طلابه حيث صودف أنّه كان في استراحة حين بلغت السّنة الرّابعة، لكنّني أعترف أنّني تتلمذت عليه كثيرًا، خصوصًا من خلال لقاءاتنا ومن خلال كتبه الّتي قرأت معظمها بنهم. محطّات أكاديميّة وغير أكاديميّة وشعريّة جمعتنا على مدى السّنوات الطّوال، وقد شاءت الظّروف أن يدعوني منتدى شاعر الكورة الخضراء لأقدّم قراءة في كتابه “مساكب الغزل في شعر عبدالله شحاده”؛ ويا لها من متعة أن تطارد الدّكتور جورج زكي الحاج وهو يجمع باقات الغزل من شاعر كوسبا والشّمال ويشذّب أغصان القوافي ويوضّب المحصول في سلال من أناقة وعجب.

البروفيسور جورج الحاج ناقد عميق الأغوار واسع الثّقافة، وما يميّزه في نقده أنّه صاحب مشروع وموقف، فمنذ المقدّمة يحدّد موقفه من الشّعر الحديث ويعلن عن عدم موافقته على تمذهب الأدب وتمدرسه، إلا أنّه يحاول الموازنة بين شعر عبدالله شحاده الغزِل وشعر الرّومنسيّين الّذين عاصرهم أو ربّما سبقوه، بالإضافة إلى الاستشهاد بنتاج ونظريّات الأدباء والفلاسفة الغربيّين حول الرّومنسيّة ومبدأ الفنّ للفنّ وغيرها… زد على ذلك قراءة غزل شحاده على ضوء ما عرفه العرب من أنواع الغزل أي نسيب بني عذرة وتشبيب ومغامرات عمر بن أبي ربيعة وامرئ القيس وغيرهما؛ كلّ ذلك بأسلوبه الجذّاب ولغته الأنيقة وتحليله الواضح والعميق في آن.
وهنا أوافقه الرّأي في أنّ عبدالله شحاده كان ليكون أوسع شهرةً لو انتسب إلى جمعيّة أو مؤسّسة ثقافيّة من تلك الّتي كانت ذات نشاط وحضور في بيروت، شأنه في ذلك شأن كثيرين من شعراء النّهضة الّذين عايشوا تلك المرحلة من الزّمن.
ولعلّ أجمل ما استوقفني أنّ الحاج اعتبره شاعر النّاس، فالشّعر الصّادق هو ابن بيئته ومجتمعه، وحسب شحاده- برأيي- أنّه إلى الشّعر امتهن التّعليم والإدارة التّربويّة لتكون بصمته راسخة في النّفوس ولو بعد حين.

إنّ صيته الحسن وحضوره الدّائم في منطقته جعلا منه شخصيّة محبّبة، ولعلّ تنقّله بين أنواع الغزل وبين المدارس الأدبيّة من كلاسيكيّة إلى رومنسيّة وبعض رمزيّة، وعدم تأطير أدبه في مذهب واحد إن هو إلا تعبير عن عفويّة البوح، وصدق الانفعالات الوجدانيّة لحظة الكتابة.
أمّا أنا فقد عرفت عبدالله شحاده من خلال ابنته الأديبه ميراي الّتي صادفتها ذات امسية في الكورة منذ أكثر من عشر سنوات؛ أهدتني كتابها عربون صداقة ومحبّة أخويّة. وما لبثت بعد حين أن اكتشفت أنّ تلك السّيّدة صاحبة مشروع سامٍ، خصوصًا عندما أهدتني المجموعة الكاملة لعبدالله شحاده ناشرة فيها شعر والدها ومؤسّسةً منتدى لتخليد اسمه: شاعر الكورة الخضراء. تلك البصمة الّتي حلم بها عبدالله شحاده أبرزتها ابنته الوفيّة ميراي تعاونها شقيقتها رندلى من خلال منتدى شاعر الكورة الخضراء الّذي أصبح له حضور وازن ومؤثّر في الثّقافة اللّبنانيّة.
عزيزتي ميراي، يكفيك فخرًا أنّك أعدت عبدالله شحاده شاعر الكورة الخضراء إلى الحياة محقّقة رغبته وحلمه لو بعد حين من غيابه، تقودك القيم الّتي تربّيت عليها وشقيقتك. فاثبتي يا صديقتي وتجذّري في قناعاتك؛ حسبك إن هبّت الرّياح فلن تقتلعك بل تزيد رايتك خفقانًا وتلويحًا.
السّلام والرّحمة لروح عبدالله شحاده، أمّا أستاذنا البروفيسور جورج زكي الحاج فله تمنّياتنا بدوام الصّحّة والعطاء، متنقّلاً في مساكب الشّعر والنّقد، مالئًا خزائن الفصيحة والمحكيّة من جولاته في جنائن الفكر والفنّ والإبداع!
***
*ألقيت في الندوة حول كتاب د. جورج زكي الحاج “مساكب الغزل في شعر عبدالله شحاده” ضمن فعاليّات المهرجان اللبناني للكتاب في الحركة الثقافية انطلياس – السنة 43، من تنظيم “منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي”. قدّمت لها وأدارتها الأديبة جورجينا بو ضومط، وشارك فيها : أ. د. جيمي عزار، د. الياس زغيب، م. ميراي شحاده الحداد، و أ. د. جورج زكي الحاج.



