سجلوا عندكم

“قبل أن تنطفئ الذاكرة” جديد طنوس شلهوب عن دار نلسن – بيروت

Views: 276

صدر عن “دار نلسن في بيروت” كتاب “قبل أن تنطفئ الذاكرة” للكاتب طنوس شلهوب، في ما يلي المقدمة بقلم المؤلف:

 

في ديرميماس، كنتُ ألعب تحت أشجار الزيتون، كان البيتُ صغيرًا لكنه واسع كقلب جدتي التي احتضنتني حتى الخامسة من عمري. كانت تزرعُ الحاكورة وتغمرني بحنانها الممتد الى حدود السماء. كنتُ أركض على دروب الضيعة غير المعبدة، دون أن أعرف أن قدميَّ ستسيران لاحقًا في طرق لا عودة منها. لم أعد ذلك الطفل الذي خرج من ديرميماس حاملاً طفولته في الذاكرة كقناديل الأمل في لحظات الصعاب. وفي الحدث، حيث كبرتُ شابًا تملأه الأسئلة، وقعتُ على أولى المحاضرات في الديالكتيك، وشاركتُ في توزيع أول منشور ليليّ، وانتسبتُ الى مدرسة الحزب الشيوعي، امتهنتُ السياسة، وتقربتُ من روح ماركس ولينين وتلقيتُ أولى الخيبات من وطن مرسوم على أجنحة الأحلام ومحاصر بقوى اليمين الفاشي. هُجِّرنا من منزلنا، منزل الأزهار، كُتب ليَّ النجاة، وكنتُ شاهداً على انطلاق الحرب والمجازر لأكتب عنها بعد خمسين عاماً.

ثم جاءت موسكو، بثلجها وثورتها وأناسها، ومنحتني الأيام الجميلة حيث تفجرت طاقة الشباب الهادرة في المثابرة وسهر الليالي لإنجاز الفروض والمشاريع الجامعية الهندسية في مجال العنفات البخارية والغازية، ومنحتني الحياة فرصة استثنائية لأندمج مع الناس السوفيات الطيبين أبناء الاشتراكية، وأغوص في رحاب الثقافة الروسية العظيمة. وعبرتُ في موسكو مع العلوم الهندسية الى تاريخ الفلسفة والاقتصاد السياسي. هناك، صرتُ مهندساً وحملني طموحي للسير نحو الأعلى في سلم الاكتساب العلمي منفذاً وصية والدي الذي كان يردد بإصرار: لا تتوقف عن طلب العلم طالما يمكنك ذلك.  لكن في داخلي كانت تعيش ديرميماس بكل تفاصيل طبيعتها، وبطعم زيتها، ولم تتمكن لغة لينين الجميلة التي عشقتها من محو لهجتي الجنوبية. عدتُ إلى لبنان، محمّلاً بشهادات أكاديمية، وكان عليَّ أن أعيش معاناة قاسية لاجتياز اختبار الانتماء الى شبه وطن، حاولتُ طيلة أكثر من 35 عاماً من عملي في التدريس والبحث العلمي والعمل السياسي والاجتماعي ان اعيد صياغته على صورتي، وبالرغم من أن المصارفوالطوائف كانت في كل مرة تهزمنا، لكن اصراري على المحاولة هو الذي منح المعنى لحياتي.         

بين العائلة والحزب، بين السبورة والنشاط العلمي والاجتماعي والسياسي، بين الفكرة والعاطفة، بين التعقل والحماسة… كنتُ أنقسمُ، بصمتٍ، ولا يعلم أحد كم من نزف القلوب لا يظهر على الوجوه.

*****

هذه السيرة ليست سيرة رجل منتصر، بل سيرة من عاش على الحدّ: على حدِّ الإيمان بالفكرة، وحدِّ الخوف على الأبناء، وحدّ الغربة بين وطنين: واقعي ومنشود.

أكتب اليوم… كي لا تموت ذاكرتي مرتين. فالذاكرة لا تموت، وإن غابت…تبقى تتنفس في الصمت.

لقد عرفتُ النجاح بقوة المثابرة، والخسارة بعد الانجاز، والانكسار بعد الحماسة. عرفتُ كم هو صعب أن تكون أبًا في زمن تتوقع فيه الحروب والقتل والتهجير وتقلق على أولادك فتهاجر وتنسلخ عن الأرض التي تنتمي اليها وتسافر الى غربة نازفة لا شفاء من جراحها.

لكني، رغم كل شيء، ما زلتُ أؤمن بأن الكلمات تحفظنا حين تغادرنا الآمال، وأن النضال الحقيقي هو أن نحتفظ بإنسانيتنا وسط العواصف.

وبقي القلب ينبض… ينكشف كل يوم من جديد.

*****

في لحظةٍ يختلط فيها الصمت بصدى ذكريات لا تموت، وقفتُ أمام مرايا روحي، أبحث عن نفسي في أعماق العتمة التي أحيطت بي، لأدرك أخيرًا أن الكتابة ليست مجرد سرد، بل فعل حياة أخير.

فعل حياة أخير… لأعود إلى ديرميماس، حيث كانت رائحة خبز جدتي تملأ البيت، وحيث كانت أصوات الضحك تتراقص بين جدران الحجر القديم وتحت السطح الترابي الذي ينز بالمياه، ويضطر كامل، أصغر أخوالي للصعود وحدّْلِ السطح تحت المطر. هناك، حيث تفتح وعيي، تعلّمتُ أول معاني الحُب، ودلال

الجدين، وألمي الأول من فراقٍ لم يكن قابلاً للقول.

فعل حياة أخير… لأعود في ذاكرتي إلى الحدث، حيث كبرت بين صخب المدينة وارهاصات الحروب الاولى، حيث نسجتُ قصص الأمل بين فصول الألم، وأدركتُ أن الوطن هو القلب الذي لا ينكسر، رغم كل الغيابات.

فعل حياة أخير… لأرحل بذاكرتي إلى ثلوج موسكو ومباني جامعة الصداقة حيث اكتشفتُ أن دفء الإنسانية يجمع قلوب الناس من كل جنسيات العالم، حتى لو كانوا يعزفون ألحان لغات الكرة الأرضية قاطبة، والتقيتُ برفاق الشتاء، الذين شاركوني حلمًا بنار الفكر المتقدة في برد الزمن. هناك، وسط الكتب والحوار والبرد، تشكّلت فكرة الإنسان الذي يحارب من أجل العدالة وإذا لم يفلح فليحافظ على مبادئه لكي يبقى إنسانًا.

*****

أكتب لأبنائي، للناس، للشباب والطلاب والعمال والفلاحين، للمثقفين الثوريين، للرجال والنساء الذين صمدوا في الظلال، لأخبرهم أن الثوار الحقيقيين لا يرفعوا الرايات البيضاء إن هم هُزموا، وأن النضال الحقيقي ليس فقط في الميدان، بل في أن تحافظ على نقاء التزامك وانحيازك للجانب الصحيح من التاريخ، ألا تتخلى عن انسانيتك وأن تُبقي قلبك نابضًا، وإن أصابه الكسر.

هذا الفعل، الكتابة، هو فعل حياة أخير… أن أفتح أمامكم ذاكرتي، دون رتوش، دون صمت، لأشارككم قصتي بكل تناقضاتها، بكل ألامها وأفراحها، بكل هزائمها وانتصاراتها.

ها أنا ذا… رجل لم ينسَ أبدًا صوت أمه، ولم ينسَ دموع أطفال العالم الحفاة، الجياع، المعذبين، والمقهورين، وصراخ رفاقه، ونور شمس ديرميماس الذي لا يغيب مهما طال الشتاء، ونزف فلسطين التي ولو بعد ألف عام لن تكون سوى عربية.

لم أعد ذلك الطالب الذي درس في موسكو وظن أن الحركة الاشتراكية العالمية تقف على ابواب التغيير الثوري للعالم، لكنني عشتُ العمر بين سطور لا تُدرّس في أي جامعة.

أختتم كتابتي هنا، ليس وداعًا، بل بداية لحياة جديدة، لحياة تستحق أن تُروى، أن تُحكى، أن تُحبّ.

في النهاية، فعلّْتُ حياتي أخيرًا، بفعل الكلمة التي لا تموت.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *