تكريم موسى زغيب بوسام الاستحقاق الفضي ذي السعف في احتفال حاشد في جامعة الروح القدس
حلّ “ملك الزجل اللبناني” الشاعر الكبير موسى زغيب مكرَّمًا في جامعة الروح القدس – الكسليك، في احتفال مميّز أقامته نقابة شعراء الزجل في لبنان وعائلته، لمناسبة منحه وسام الاستحقاق اللبناني الفضي ذا السعف.
حضر الاحتفال وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة ممثلا رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، الرئيس العماد ميشال عون، المطران رفيق الورشا ممثلا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، الشيخ فادي العطار ممثلا شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الدكتور سامي أبي المنى، اللواء الركن حسان عودة ممثلا وزير الدفاع وقائد الجيش وشخصيات وفاعليات.
وشهد الاحتفال حضورًا رسميًا ووطنيًا وواسعًا، وقد حضر أيضا حاكم مصرف لبنان كريم سعيد ونائبه مكرم بو نصار، ممثل رئيس جامعة الروح القدس– الكسليك عميد كلية الآداب والعلوم الأب الدكتور فريد المجبر، إضافة إلى أفراد عائلة المكرَّم: الدكاترة ربيع ووسام وميرنا وعائلاتهم، ونقيب شعراء الزجل في لبنان الشاعر بسّام حرب، وشخصيات ديبلوماسية وقضائية وروحية ونقابية وحزبية وعسكرية وأمنية وسياسية وبلدية، وحشد من الأكاديميين والإعلاميين وعشاق الشعر والزجل اللبناني، فضلًا عن أهالي بلدته حراجل وأصدقائه الذين ملأوا قاعة البابا يوحنا بولس الثاني في حرم الجامعة. وقد تفاعل الحضور بالتصفيق، وامتزجت القصائد بالحنين والذكريات.
وقد قلّد الوزير سلامة الشاعر موسى زغيب وسام الاستحقاق اللبناني الفضي ذا السعف، ناقلًا إليه تحيات وتهاني كل من رئيس الجمهورية العماد جوزف عون والرئيسين بري وسلام. ثم تلا كلمة رئيس الجمهورية، وجاء فيها: “تقديرًا لعطاءاتك الفنية والثقافية على مدى أكثر من سبعين عامًا، والتي أغنت مكتبة الشعر الزجلي بأدبيات شعرية تجسّد التراث اللبناني العريق بأبعاده التاريخية والفلسفية العميقة، قرّر فخامة رئيس الجمهورية منحكم وسام الاستحقاق اللبناني الفضي ذا السعف، وكلفني، فشرّفني أن أقلّدكم إياه في هذه المناسبة، متقدّمًا منكم بأحرّ التهاني”.

الافتتاح
افتُتح الاحتفال، الذي قدّمته الإعلامية جويس عقيقي، بالنشيد الوطني اللبناني، تلاه عرض فيلم وثائقي تناول مسيرة الشاعر موسى زغيب، فعُرضت مقتطفات من قصائده وشهادات لأبنائه وبعض الشعراء والأصدقاء، نوّهت بالمكانة الأدبية الرفيعة للمكرَّم ودوره في صون التراث الشعبي اللبناني.
كلمة جامعة الروح القدس – الكسليك
ثم ألقى ممثّل رئيس جامعة الروح القدس – الكسليك الأب البروفسور جوزف مكرزل، عميد كلية الآداب والفنون الأب الدكتور فريد المجبر كلمة رحّب فيها بالحضور في رحاب الجامعة “التي شكّلت منذ تأسيسها حصنًا لحماية التراث اللبناني وصون الذاكرة الوطنية والاحتفاء بمبدعي لبنان”.
وأكد أنّ اختيار جامعة الروح القدس – الكسليك لاحتضان هذا التكريم هو الخيار الطبيعي، كونها تحافظ على جذورها اللبنانية وتنفتح على الإنسان والثقافة، وتبقى البيت الطبيعي لكلّ مبدع حمل لبنان في قصيدته ولكل شاعر جعل من لغتنا وهويتنا جسرًا نحو العالم.
كلمات الشعراء وتأكيد أهمية الزجل
وتوالت الكلمات والقصائد لكلّ من الشعراء: الدكتور سهيل مطر، مازن غنّام، إبراهيم شحرور، جريس البستاني، أنطون زغيب، والإعلامي وليد عبود، حيث أشادوا بمسيرة المكرّم الغنيّة، وأجمعوا على أنّ موسى زغيب يمثّل أحد أعمدة الشعر الزجلي اللبناني وصوتًا يرسّخ الهوية الثقافية اللبنانية.
وأشاد المتحدّثون بعبقريته وإبداعه وبحبّه للوطن والأرض والناس، ولا سيّما بلدته حراجل، مشدّدين على ضرورة إدراج اللغة العامية والزجل في المناهج الدراسية، لأنّ الوقت قد حان لإنصاف روّاد الزجل والأغنية اللبنانية، وفي طليعتهم موسى زغيب، ومن سبقه من أعلام مثل: خليل روكز، أسعد السبعلي، الشحرور، إدوار حرب، ميشال طراد، طليع حمدان…، وصولًا إلى الرحابنة وفيروز، معتبرين أن تجاهل هذا الإرث “عيب وحرام” بحق الثقافة اللبنانية.
قصيدة نقيب شعراء الزجل
كما ألقى نقيب شعراء الزجل في لبنان بسام حرب، قصيدة استذكر فيها الصداقة التي كانت تجمع والده الراحل إدوار حرب بالمكرَّم، وممّا قال فيها:
بَيّي الرَواسي حَدّك تْسَلّق
وْرَاح وتَرَك دَفّو بإيدَيّي
وكِلْ ما وِسام بْصَدْرَك تْعَلّق
بْحِسّو تْعَلّق عا صَدِر بيّي
كلمة عائلة المكرَّم
وعبّر نجل المكرَّم الدكتور ربيع زغيب، باسم العائلة، عن امتنانها لهذا التكريم الوطني، متوجّهًا بالشكر العميق إلى رئيس الجمهورية على هذه المبادرة وكل من حضر الاحتفال. وقال: “عندما يقرّر رئيس الجمهوريّة أن يمنح وسامًا لموسى زغيب، فهو بذلك يكرّم لبنان. فعندما يُكرَّم موسى زغيب يُكرَّم الزجل، وعندما يُكرَّم الزجل يُكرَّم لبنان”.
ثم تلا قصيدة كان والده قد ألقاها في هذه الجامعة ومما جاء فيها:
عَتْم وشتي وسطوح غرَّقها المطر وريح العواصف تِجلُد كْعوب الشجر
ودعست خيول الجن برماد السنين وتعبت خيول الإنس من طول السفر
والغيم عم يُعصر تياب مرنّخين والرعد فات بِدَيْنة الليل وصَفَر
والبرق تا يوعي النجوم الغافيين فَلَّت عراوي الليل من زر القمر
كلمة رئيس الجمهورية اللبنانية
واختُتم الاحتفال بكلمة رئيس الجمهورية اللبنانية التي ألقاها ممثله الوزير سلامة، حيث تحدّث عن أهمية الشعر في إمتاع المستمعين، مؤكدًا أنّ الشعر، بفصحاه وعاميّته، نبعٌ واحد يتدفّق من الروح ذاتها، وأنّ الشعر العامي لا يقلّ شأنًا عن نظيره الفصيح، بل يتطلّب قدرًا أكبر من سرعة البديهة وعمقًا في مخاطبة الجمهور وقدرة على الاندماج في فريق يتبارى ويتهيأ لخوض التحدّي.
وأشار إلى أنّ تسجيل الزجل اللبناني على لائحة اليونسكو ما كان ليتحقّق لولا وجود نجم ساطع في سماء هذا الفن، لعب دورًا محوريًا في هذا الإنجاز، وهو الشاعر موسى زغيب، الذي “نحت الكلمة وساق المعنى بمهارة شاعر يعرف حجم إرثه”.
ولفت إلى أنّ موسى زغيب حمل الزجل اللبناني إلى أبناء الانتشار، ناقلًا إليهم جزءًا من الوطن، ليشعروا أنّهم ليسوا غرباء عن أرضهم الأم. وأكد أنّه كان واحدًا من أبرز البنّائين الذين أسّسوا لاعتبار الزجل اللبناني تراثًا عالميًا يستحقّ الاحترام والحماية.
وختم الوزير سلامة: “ان تكريم أمثال موسى زغيب هو تكريم للهوية الثقافية اللبنانية بكل غناها ووجدانها”.

كلمة سهيل مطر
أيها الأصدقاء
…أما ونحن في حرَم الروح القدس، فكلُّنا إخوة ليسوع، فلا ألقابَ تُميّز، ولا كراسٍ تتكابرُ وتتكبّرُ، ولا وجاهات ووجوه، بل قاماتٌ وقِيم، نفتخرُ بها ونعتزّ.
يبقى واحدٌ، استثنيه: هذا الجالِسُ، صامتًا أمامنا، لا من لحم ودم هو فحسب، بل من ورق وحروف وأقلام وحِبر، تخالُه جسدًا، فإذا به أبجديّة، تخالُه عاديَّ الحضور، فإذا به كتابٌ، إن فتحتَه ضجَّت السُّطورُ بقصائد تقول: أنا موسى زغيب.
يبكي ويضحكُ لا حُزنًا ولا فرحًا كعاشِقٍ خطّ سطرًا في الهوى ومحا
ومَن كموسى عاشِق؟ خطّ سطورًا، ولا يستطيعُ الزَّمنُ أن يمحو صوتًا، وكلماتٍ هي هبةٌ من الله وزوّادةُ الإبداع والابتكار.
من حراجل الحُلوة الأبيَّة انطلق، من الجبل العالي والبيتِ العتيق، من تحتِ العريشة لا من فوقِ العرش.
ساعةَ الولادة، تطلَّع الطِّفلُ إلى عينيّ أُمِّه، رأى فيهما كنيسةً. تأوَّه كأنَّه يُصلّي، ردَّته الأُمُّ إلى صَدرِها، أحسَّ على شفتيه اسمِرارَ السَّنابل وطعمَ الوردِ الأحمر، فانطلق هائجًا، يركُض بين الحفافي والكُروم والينابيع، فراشات وعصافير وشجر، وارتفع صوتُ التمرُّدِ والشَّغب: قدرُ العصافير أن تتشاجرَ مع الأقفاص، وقدرُ موسى زغيب أن ينقُرَ الزَّجاح، يطير، يطير يطير، لا حدودَ ولا سدودَ حتى وصل إلى الأكمل، إلى الأبعد، إلى تنورين:
مرّة التقيت ببنت بجرود تنورين
فاستنطَقتها أمها بْحَكي فيه القسى واللّين
روحي يا بنتي شوفيلك شب بالعشرين
وخللي لإمك أبو الشيبات يا عيوني
الشَّاعِرُ الشَّاعر هو الذي لا يمشي في الصفّ، ولا يُتقن ثقافة القطيع… يا ويلَنا من ثقافة القطيع… وموسى مشى عكسَ السَّير، راح يُخربط، يُحطّم، يجنّ، لم يُقلِّد ولم يستنسِخ، ابتكر عناوينَ وقوافي، احتكر مواقعَ ولم يحتقِر موقعَ أحد، وسجَّل اسمًا مميَّزًا هو الإبداعُ، ودونَه ثرثرة وتقليد وببغاء. وبورك للشُّعراء فإنّ لهُم ملَكوت السماوات.
موسى لم یکُن مُجرَّد شاعر، بل كان يُتيوع شِعر: وخذوا اشربوا.
ما كان يقرأُ القصيدةَ بل كان يفيضُ.
لم يصنع قصيدةً بل كان في انخطاف وسُكرٍ
لم يستعِر أصواتَ الآخرين،
عبقريَّتُه ليست في استعراض فُحولته، بل في كسرِ معايير الفُحولة.
لا يتنافسُ مع أحد على التصفيق،
تابع الطريق، ولا أُميِّز بين زجَل وشِعر، إلى أن خطفَه قُرصانث الحُبّ! أيُّ حُبٍّ؟ حُبّ الأرض والوطن، حُبّ حراجل، حُبّ الناس، ثم وبأحرُف مُكبَّرة، حُبّ المرأة.
شو نفع كل الدني إن كانت ملانة رجال
وما كان فيها مرا تضوّي لياليها
موسى زغيب لا يتصوّرُ الحُبَّ إلا مقرونًا بالمرأة، أو بجغرافية جسدها. المرأة هي الشِّعرُ، هي القصيدةُ، هي التي تمنحُ الاشتعالَ والتوهُّجَ، هي التي تمنحُ الشِّعر ماء الورد، وتنفُض عنه غُبار الصحراء.
عجبتُ لرجل يخيط ثوباً لامرأة. لماذا يُضيّعُ وقتَه؟ موسى لم يضيِّع وقته: وظَّف ذاته ناطورًا على سِحر العيون، وارتعاشة الشفتين، والقامة المغسولة بالندى، والشَّعر السكران على الكتفين، وخفقات النهد المحموم، وبحِبرٍ كدموعِ العذراء، أو كوهجِ النبيذ، رسم صورةَ المرأة وأكمل الرِّسالة، وراح يستريحُ كأنَّه في يوم سبت. ولكن لا هو استراحَ، ولا تركها تستريحُ، ولا نحن استرحنا…
قالوا الزغيبي خُطي بكوزين من رمان
مش متل آدم خُطي من فرد تفاحة
ومن كان منكُم بلا خطيئة، فليرجُمه بحجَر.
یا موسى،
أرجوك، يا مُعلِّمي، علِّمني الزَّجلَ.
اعتذرُ منكُ: لُغتك أجملُ من لُغتي، لغتكَ براءةُ أطفالٍ، جرديَّةُ النقاوةِ، لبنانيَّةٌ، عاميَّةٌ، طاهرةٌ، عِطرُها حبقٌ ونعناع، ألوانُها صفاءُ ثلجٍ وسماءٌ عذراء، كأنها العذراءُ، أما لُغتي، فبدويّةٌ جاهليةٌ، تحمِلُ لونَ الرّمل وقساوةَ الصَّحراء. أنت، موسى، ترشُقنا بالورد وبحبّة عِنب، فأرشقك بالشنفرى وحبَّةِ تمر. لا تؤاخذني.
منذ سنوات، وأنا أُقاتلُ وأُقاومُ لإدخالِ اللُّغةِ العاميِّة والزَّجلِ إلى مناهِج الدِّراسة، في المدرسة والجامعة، ولم أوفَّق. حان الوقت، وهذا هو عملُنا اليوم، أن يدخُل موسى زغيب ومن سبقه: خليل روكز وأسعد السبعلي والشحرور وإدوار حرب وميشال طراد وطليع حمدان و.. والرحابنة وفيروز، وإلّا… عَيب وحرام.
ملاخطةٌ أخيرة: وعدم المؤاخذة .
بعضُ أهلِ السِّياسة والقيادة يتَّهمون بعضهم بالقول: هذا كلامُ شِعر أو: هؤلاء فرقةُ زجَل. يا سيدي، يا سيدتي، على الأقلّ، الشِّعرُ جمال، الشِّعر حُبّ، على الأقلّ الزجل تبادُل ابتسامات ومُداعبات، وفرقةُ الزجل أنظفُ بكثير من فرقةِ السُّبابِ والشتائم.
ویا نقیب بسام،
أنت نقيبٌ لأنك صاحبُ مناقِب،
شكرًا لك، ولتحيا النقابة.
ويا ربيع…
أفخرُ بأنني كنتُ أستاذًا لكُم، لكنني اليوم أراكُم أساتذة في الوفاء لرجُل هو بعضُ لبناننا الجميل.
ويا أخي موسی،
نحن لا نزال بحاجةٍ إليك، ما أجمل أن يعودَ الطفلُ المُشاغبُ في أحراج حراجِل، طفلًا عاقِلًا على مقاعد يوحنا بولس الثاني… شاغب يا رجل، قليلًا.
ولكن…أنا أعرفُ جِراحَك، وأنا خبير:
كلُّ الذين أُحبُّهم نهبوا رقاديَ واستراحوا
فأنا هنا جُرحُ الهوى وهناك في وطني جراحُ.
فتعالَ، بصوتِك، بقلمِك، بحُضورك البهي، بأجيالِكَ الجديدة، بزُملائكَ، بالأهلِ والأقاربِ، تعالَ نمحُ بقلم الحُبّ، بحبرِ الحُبّ، بورق الحُبّ، ظِلالَ الكآبةِ والدَّمع، فأنتَ أيقونةُ هذا الوطن، ومعك ولك نُصلّي، ليحيا لبنان.



