سجلوا عندكم

نادر سراج ونكهة بيروت شرايين الحياة والهوية

Views: 594

 

سليمان بختي

مثلما أرخ د. نادر سراج لتاريخ بيروت الاجتماعي والثقافي من خلال السرديات الصغرى، واقام المقارنات اللسانية والعمرانية ووثقها، يأتي اليوم في كتابه الموسوعي “نكهة بيروت – موائد وسرديات” ليشعل الهامش ويحرج المتن>

يريد نادر سراج ان يجعل من: 

1- حقائق التاريخ، شفهياً كان أم مدوّناً أم معاشاً؛

-2 ومن ثوابت الجغرافية؛

3- ومن بنى الاجتماع مدخلاً لمعرفة المزيد من حقيقة المدينة وهويتها.

كيف تجعل من اليومي ثابتا ؟ وكيف تجعل من الهامش متنا؟ كيف تعيد كتابة تاريخ جديد للمدينة، على ضوء تطور العلوم الانسانية والعلوم العمرانية والتراث الحي المتراكم والمناهج الحديثة؟ كيف توائم بين بيروت الأصالة وبيروت الحداثة، فلا انقسام ولا انتقام ولا غربة، بل هوية حقيقية.

 

يكتب نادر سراج عن ما اهمله المؤرخون، ليثبت حقيقة لم يؤكدها اهل التاريخ . يخوض في المسموعات والمرويات والوثائق والكتب التراثية والمعاجم ،لإظهار كل هذا التاريخ العريق والغني والمثير.

يكتب عن بيروت، أنيسة المدن، عاشقاً وشغوفاً ودارساً بأمل استمرار الحياة والهوية المدينية والعمرانية والحضارية.

يحاول انقاذ الهوية من كل ناحية ومطرح، يريد ربط العادات والتقاليد والطقوس بعلم الاجتماع وعلم العمران وعلاقة الانسان بالزمان والمكان والآخرين، وعلاقة كل ذلك بنمط العيش وطريقة التفكير، وبالثقافة والحضارة ،وبالتالي يضيء سراج على حقيقة ان المدن لا تؤكد هويتها الا من معنى الحياة فيها، ومن تنوعها وحرياتها وانفتاحها، وما تأنس له من اخلاط وامزجة ونكهات.

ذات مرة قال الفنان زياد الرحباني: “في لبنان الطائفية داخلة حتى بالأكل”.

نادر سراج قال: تعالوا نكتشف هويتنا بالأكل، بنكهة بيروت ، وبكل تلك الموائد والسرديات. تعالوا نكتشف تاريخنا كما هو، لا كما يراد له ان يكون. تعالوا نرد الاعتبار للمهمل والمنسي، نرد الاعتبار للهوامش في تاريخ المدينة ،ونسهم في بناء الذاكرة الجمعية والحال .

يمزج نادر سراج في كتابه نكهة بيروت الاجتماع بالذاكرة، والطقوس باللغة والطبيعة والانثروبولوجيا. هنا الطعام ليس حاجتنا اليومية فقط بل مقاربة نقدية لعاداتنا وطرق انشغالاتنا بتصاريف الحياة وتدابيرها. والسؤال، كيف يمتد مطبخ بيروت وتفاصيل المائدة، وعلاقة كل شيء بكل شيء، علاقة البحر والجبل وعلاقة الوافد والعابر والمقيم.

ولا يكتفي سراج بالتسميات والتفاصيل بل يرفدها بالأمثال الشعبية العبارات السائرة المرافقة للطعام ، وما لها من تأثيرات ثقافية وحضارية، وعلاقة المائدة بالأحداث الاجتماعية المرافقة الانسان في فرحه وحزنه ، الافراح والمآتم والاعياد. ولا يتوقف نادر سراج في فضاء التاريخ والتراث، ولكن يقارب اثر العولمة على المائدة البيروتية لجهة الوجبات السريعة المرتبطة حكمًا بالاستهلاك. قرأت في كتاب “المأكولات الشرقية أطباق من الشرق ” لفاروق مردم بيك ان اهل بيروت استعاضوا عن كل المشروبات الروحية المرافقة للمازات في الجبل بتنكهة الطعام وتطييب الحلويات الى درجة السكر . فانت تسكر من تطييب الطعام اكثر من أي شيء آخر. (من فترة وضع السفير الياباني في بيروت صورة الكنافة وكتب تحتها اطيب حلوى في العالم).

يتطرق نادر سراج الى مسألة مهمة في كتابه وهي تزايد البعد الفردي في تناول الطعام، وهذه المسألة حذر منها الغزي في كتابه التراثي “أداب المؤاكلة”، “لان المائدة في الشرق هي طقس جماعي مثل افطارات رمضان وسحور رمضان. هي الود المصحوب بكلمة صحتين على الأكل وعلى الشراب. رأيت في بيروت الصحون تنتقل من بيت الى بيت في البناية أو الحي، هذه ممارسة اجتماعية حرة كأنهم لا يريدون ان ينام احد على الضنك. نجوع كلنا ونشبع كلنا. لا ازال حتى اليوم اعيش تقليداً بيروتياً مميزاً فحين تطبخ والدتي اكلة الأرنبية وموسمها مع الحامض والليمون والابوصفير، ارى الصحون توزع في اليوم التالي الى الابناء والبنات والاقارب. ولطالما ضبطت نفسي أردد خير جديد وزرق جديد واللي طعمانا عمره يزيد”.

يدعونا نادر سراج الى مائدة الى وليمة تفوح منها الاطايب والنكهات والتاريخ. يسال الدكتور سراج ويبحث ويستنتج ويعيد تظهير الصورة على المعنى والتاريخ  يطوف على الاعتاب المنسية ويجعلها حافلة بالتذكر والحنين والحياة. في بيروت هناك اناس يحبون الاكل بل يتغزلون بالأكل وبما لذ وطاب او يستعملون كلمة “مليقة” في وصفهم. هذا ليس تفرداً فقد اجاد ابن الرومي والمأموني في تدبيج القصائد في هذا الباب الشعري اللطيف.

 

للفنان عاصي الرحباني هذا القول “الاكل هو راس المتع لأنه متعة غير مستنفدة”.

الطعام هو حصن الانسان المادي ضد الجوع والمرض، والكلام هو حصنه المعنوي ضد الوحدة والخواء والفراغ. الطعام مادة تسعى لأن تتكلم ولا ينحصر دورها في بناء الذات إنما في بناء الحياة وإعمار الأرض والهوية. وكما يدخل الذهن والخيال والذوق في اعداد الطعام، كذلك يدخل في السلوك الكلام والكتابة. وبعد الذي قرأته واكتشفته في كتاب نادر سراج في نكهة بيروت فلا عجب أن يحتل المطبخ اللبناني البيروتي اعلى المراتب في مطابخ العالم ومطاعمه وفنادقه الكبرى، مع الاعتبار بأن المطبخ البروتي تمتد جذوره الى الشام والجزيرة العربية ومصر وتركيا وفارس واليونان وإيطاليا وأرمينيا، وأنه اخذ من الحضارات كلها وبقي محافظا على نكهته أولا واخيرا.

واخيرا، كشف نادر سراج عن المضمر في التاريخ وحتى المسكوت عنه . هذا التاريخ الصغير هو بأهمية الكبير، لأنه لم يخضع لقانون الغلبة وان لا احد يعرف عنه الكثير.

وبين الوان الطعام ومذاقاته والعين التي تشبع قبل الفم وهذا يعني أناقة ورقياً. وهناك الروائح التي ترتبط بالمدن. وهناك المعجم والجهد الكبير المبذول فيه. هذا عمل رائد في مجاله يرد اليومي الى الكلي والعابر الى اصله، ويربط الماضي بالحاضر والمستقبل. ويجعلنا نتحقق من أن الطعام هو لبنة اساس داخل المعمار الحضاري البيروتي اللبناني .

الطعام هو المادة الاساس في شرايين الانسان ومع نادر سراج رأينا النكهة ورأيناها في شرايين الحياة والهوية  والحضارة.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *