زياد خدّاش في “السفر إلى كعكة القمر”… مشحون بعاطفة مَن صودرت حريّته ظلماً
محمود شريح
يمزج زياد خدّاش، الكاتب الفلسطيني، في روايته السفر إلى كعكة القمر (بيروت: دار المرفأ، 2025)، ما بين الخيال العلمي والواقعيّة المأساويّة للتاريخ الفلسطيني، من خلال تسعين صفحة، تحمل عقوداً طويلة من التهجير والتعذيب والقتل للفلسطينيين. في طيّاتها حنين للمكان ومنشأ الأجداد، وصراع نفسي يمكن استدراكه في تكوين الشخصيّات وتركيبتها الاستثنائيّة، فيمكن مشاهدة صورة الماضي الذي لا يمكن تغييره، أو إيقافه، مهما حاول الإنسان ملامسته. وصورة أخرى للواقع، الذي لم يجفْ الدم فيه، لتبقى مأساة فلسطين مستمرّة بدون توقف. هناك، أمام الحاجز غير القابل للكسر ما بين الذاكرة والخيال، وما بين الماضي والمستقبل، تقف تفاصيل صغيرة، لتشكّل سرداً مثيراً للأفكار حول أعقد قصص الاحتلال في التاريخ.
ولا يمكن إغفال وجود صراع نفسي واضح في تركيبة شخصيّة البطولة في الرواية ينسحب على وعي رجل في عقده الستّيني، حيث الحنين إلى قريته بيت نبالا، وما بين براءة طفولته ومعاصرته عبء النكبة الفلسطينيّة على الأرض. فمن يستطيع العودة بالزمن لملامسة أحزانه، ونكبته، ليرى كيف يتم عجن مكوّنات الألم الجماعي الفلسطيني!
الرواية في جوهرها سَفر عبر الزمن، لكنها سفر تجاه الاستحالة. ففي المخيّلة الفلسطينيّة، القرية المهجورة، البيت الأوّل، النشأة، كلّها مقدّسات لا يمكن عبورها بأي حال. ويجسّد خدّاش هذه الاستحالة بأن يجعل حتى التكنولوجيا، البوّابات، الهواتف، وقراءة المستقبل، عاجزة عن إنقاذ الفلسطيني من رحلة الإغراق القسري منذ البداية.

يكتب خدّاش: “وحدي الآن في فجر بيت نبالا الهادئ. كانت الدقائق العشر دهراً كاملاً، وتذكّرت بطاقة المعلّم؛ أثناء الطيران على شكل صوت آلي، قبل السقوط بلحظات: تذكّر مستر زياد، موعدنا فجر 1947.7.4 في تمام الرابعة وعشر دقائق تماماً كما هي الساعة الآن، أرجو ألّا تتأخّر، معنا هامش انتظار مدّته فقط دقيقتان. إلهي أنا قرب قريتي الآن، قرب المدرسة التي أراها أمامي، المدرسة التي درّس فيها أبي، أوّل حاسّة اشتغلت في جسمي هي حاسّة الشّم، كان الجوّ كلّه مملوءاً بروائح طوابين تقي في هذا الوقت. تشتعل طوابين البيوت، الطوابين التي اختفت في 2024، طالما كنت أقول لأصدقائي في القرى المجاورة: مشتاق لرغيف طابون حقيقي، وذكرت لهم طابون ستّي مريم في قرية أبو شخيدم التي لجأتْ إليها مع أهلي بعد الـ 48؛ كانت جدّتي يا شباب تعطيني رغيف الطابون ساخناً، أتقاذف وأنا ألتهمه، أين أجد طابوناً حقيقيّاً”.
بهذا تقف الرواية ضد خيال الخلاص الغربي، حيث يغيّر البطل مسار الزمن. هنا يسحق الزمن بطل السرد. حتى قفزة الخيال العلمي لا تنقذ الفلسطيني من الاحتلال والنكبة والمنفى. فتتجلّى الرسالة السياسيّة صادمة وعميقة: لا عودة إلى ما قبل 1948، لا خلاص في الزمن، ولا في الحنين، ولا حتى في الحيلة.
تكثر الحواجز في حياة الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة. هنالك حاجز آخر في السرد، يمنع زياد “هايل” من العودة للحاضر، ويبقى هنالك في نكبة أخرى، مهجّراً حزيناً يشاهد كيف عاش أجداده المحرقة والإبادة منذ طرفها الأوّل. ذلك الاحتجاز هو رمز ألم الفلسطيني، فلا يمكن عبور الحياة ولا السير بالزمن كما يسير به الآخرون، وكأنه يحمل الزمن بعربة من دون عجلات.
يمكن اعتبار لغة خدّاش في السرد طريقة لتسهيل السَّفر معه نحو قريته بيت نبالا، مثل دولة تُهيّىء مختبراً علميّاً كامل الأدوات لعلمائها، للوصول لأفضل نتيجة، فجاءت لغته سهلة مسترسلة، ممتلئة بالرموز والإيحاءات، ومشحونة بعاطفة مَن صودرت حريّته ظلماً.



