سجلوا عندكم

محمد بكري رجل الظل والصداقات… من عالم الأعمال الى الثقافة 

Views: 1617

 زياد كاج       

     عرفت الصديق  الاستاذ محمد بكري، أبو أحمد، رجل الاعمال والشغوف بالثقافة وأهلها، وأنا مراهق، وهو الجار المقيم في  الطابق السادس في  بناية  “تي. في. تاكسي” في رأس بيروت في بدايات الحرب الأهلية في السبعينات. كان يلفتني بقامته الطويلة، وهيبته، نازلاً على الدرج بصمت. عرفت لاحقاً أنه صهر المحامي اسامة العارف، وكيل البناية، الذي كان يدير مكتب محاماة في الطابق الأول حيث تقع شقتنا.

   انطبعت صورة الجار وكثر غيره في ذاكرتي التي تكونت من اشكال خالية من مضمون. وقد دونت عالم “تي في تاكسي” في رواية صدرت عن “دار نلسن”.

   دارت عجلة الزمن. قرأ جارنا الرواية، وحضر ندوة عنها في مكتبة السبيل في مونو برفقة نجل المحامي اسامة، وكانت له مداخلة.  زرته لاحقاً في بيته في شتورة، فأنست لجلسته وحضوره وعدد من اصدقائه الزوار. بين جلسات الصيف في الحديقة تحت “العريشة”، وجلسات الشتاء على الشرفة الشتوية المجهزة لفصل الشتاء، كان القرار بالعمل على كتاب يجمع معظم محطات حياته الغنية بالمعارف والصداقات، خاصة المصرية منها.

صار محمد بكري كتاباً غنياً مفتوحاً أمامي. 

“بيتك بيشبهك”، قلت له، بعد أن اكتشفت أن هذا الجار الذي عرفته ولداً في “شارع الصنوبرة”، يختزن في ذاكرته وشخصيته الكثير من التجارب والعلاقات والانجازات جعلت منه “رجل ظل بامتياز”، جل همه، اليوم، راحة البال، الرضا والتواضع.

   ولد محمد بكري في 19 أيار 1947، “أمين المال في غرفة تجارة وصناعة وزراعة زحلة والبقاع” و “عضو مجلس ادارة اتحاد غرفة التجارة اللبنانية”، في بلدة كامد اللوز في البقاع الغربي. ارتدى والده بذلة الدرك، فلحقه والعائلة للسكن في زقاق البلاط في بيروت سنة 1955. من دفء أجواء المدرسة في كامد اللوز، الى جدية وصرامة مدرسة “حوض الولاية” (كان اسمها “العسكرية” في زمن العثمانيين)، عانى من الغربة والوحشة “فبكى بكاءً مريراً”. جاءت خشبة خلاصه من جار وصديق: خليل الصاري. أبوه من أصول سورية، وأمه من آل الأغر (بيروتية عريقة). لفت نظر التلميذ محمد في دار صديقه صور ثلاث  معلّقة على الحائط: واحدة لأم كلثوم، الثانية لعبد الوهاب، والثالثة في الوسط للشيخ عبد الباسط عبد الصمد.

 

   في مدرسة المقاصد، كانت الأجواء أكثر راحة وقبولاً لدى التلميذ النازل من الريف قسراً. فانسجم مع الاساتذة المصريين الذين كانوا ضمن بعثة أرسلها الرئيس عبد الناصر، فتفتح وعيه على مصر الناصرية، واللهجة المصرية، والاغاني والافلام، وخطابات الزعيم العربي. والفضل يعود لإستاذ اللغة العربية، علي العابدي. “كان عبد الناصر شعلة في العالم العربي”، يقول بكري. “عنا بالضيعة، سرت مقولة أن بعضهم شافوا صورته على القمر ليلاً!!”

   استلم بكري شهادة “السرتفيكا” والابتدائية من صائب سلام، رئيس جمعية المقاصد، وعبد الله المشنوق، عميد التربية في الجمعية. ونال شهادة حفظ القرآن الكريم، قراءة وتجويداً. بعد نيله شهادة “البريفيه”، اشتغل في النهار، وانضم الى “معهد بيروت العالي” في دوام مسائي من 6 الى 9. وبسبب “سقوطه المريع” في امتحان الباكالوريا، لضعفه في اللغة الأجنبية، قرر السفر الى القاهرة ونيل “التوجيهية العامة”. نال الشهادة، وانضم الى جامعة بيروت العربية، كلية التجارة، ليتخرج سنة 1972، ويتوظف في وزارة الزراعة. 

  بيروت تعني الكثير لأبن البقاع، محمد بكري، ولا تزال. فيها دخلت روحه ووعيه رياح الناصرية والقومية العربية. سنة 1964، كان قد أنضم الى “حركة القوميين العرب”، بفضل صديقه، محمد سرحال. “نادي الرواد” في رأس النبع كان البوابة العريضة التي فتحت أمامه أبواب وعالم المدينة وناسها. فتعرف على شلة أصحاب منهم: منير فرغل، مدير عام تعاونيات بيروت، عدنان مرعبي، عفيف كعكاتي، عمر مكداشي وعصام فرشوخ…جلهم من أبناء الطبقة الوسطى في بيروت. تفتح وعيه على “النسيج الكوسموبوليتيكي” لبيروت. “عشت فيها أجمل أيام حياتي”، يقول. ” ع الطفر، كنا ناكل سندويش فلافل بربع ليرة عند العكاوي”، و “لمن يكون معنا مصاري، ناكل شاورما عند أبو خضر بنص ليرة”. عاش أبو أحمد اول قصة حب جدية مع ابنة الجيران في زقاق البلاط، التي عاد والتقى بها في القاهرة، فكانت تطلبه على الهاتف وتسمعه أغنية أم كلثوم “جددت حبك ليه؟”

   تجربة بكري في مصر  هامة جداً في حياته، وهو يتحدث عنها بشغف العارف والسعيد باستعادة محطات مصرية لامعة. “الفضل يعود للصديق طلال سلمان، مؤسس وصاحب جريدة السفير(صوت الذين لا صوت لهم)، الذي تعرفت عليه في حركة القوميين العرب”. أنبهر بكري بالقاهرة وأجواء المسارح، والعروض الفنية، والافلام، وكباريهات شارع الهرم. وكانت له فرصة مشاهدة عرض للمطرب الشعبي شفيق جلال. في التسعينات، عرفه طلال على الرسام الكاريكاتوري، بهجت عثمان. “حصلت بيننا كيمياء قوية”، يتذكر. تعلم منه الكثير، وفهم منه الحياة على حقيقتها. “تأثرت به جداً”. كان عثمان يقول لأصحابه في مصر وهو آت الى لبنان: “رايح لعند جدو الباشا في شتورة”. طلال سلمان كان دليله في القاهرة: يصول ويجول برفقته في الحسين، الأزهر، خان الخليلي، وشارع المعز (القاهرة الفاطمية).

   نجاح محمد بكري في مجال التجارة والاعمال عرّفه على قامات ثقافية وفكرية. “بحب أهرب من التجارة الى الثقافة. بلاقي حالي معهن”، يقول وهو الشغوف بقراءة كل اصدار جديد. كانت له صداقة  مع وزيرة الثقافة السورية، نجاح العطار، عن طريق زوجها الطبيب اللواء ماجد العظمة. وبفضلهما التقى بالروائي حنا مينا الذي قرأ له كل رواياته. دعته الوزيرة وزوجته لحضور مهرجان السينما العربية في دمشق حيث التقى بالمخرج المصري المعارض، فؤاد التهامي. من معارفه، أحمد الأزهري، مستشار ياسر عرفات، ابو عمار( اسمه الحقيقي فاروق القاضي، قبل التحاقه بالثورة الفلسطينية وهو صحافي ومحام). في احدى الزيارات الى مصر، عرفه التهامي الى أهم مخرجي مصر: رضوان الكاشف، داوود عبد السيد، محمد خان. وكانت لأبو أحمد صداقة مع الرسام المشهور، جميل شفيق، امتدت عشرين سنة. وكان الأديب والناقد، علاء الديب، من بين شلة أصدقائه المقربين. تعمقت الصداقة وأمتدت إلى ما بعد رحيله مع عائلته حتى اليوم. ومن أهمها جلسات مع شلة “الحرافيش” مع الأديب العالمي نجيب محفوظ.

أصطحبه الفنان بهجت عثمان الى تلك الجلسات  في “كازينو قصر النيل”، كان خلالها محفوظ قليل الكلام، مستمعًا أكثر، يسأل وينتظر ردات الفعل والأجوبة. بهجت عثمان كان يجلس قربه، لأن  محفوظ كان يحب سماع النكات الجديدة وسمعه ثقيل.

   خلال زيارة الى باريس مع زوجته سنة 1989، يستعيد محمد بكري أجمل السهرات مع فنانين مصريين.  اتصل به صديقه الأزهري في احدى الليالي ودعاه الى سهرة مع الملحن بليغ حمدي. كانت جلسة ممتعة. فقرروا السهر عند فنان مصري أسمه جورج البهجوري. كان سائق سيارة الاجرة جزائريًّا، فمازحه بليغ “أنا كنت صهركم”. انزعجت صديقة البهجوري الفرنسية، فقرروا المغادرة والسهر في شقة بليغ. كانت بالاساس للمطرب عبد الحليم حافظ. كانت الشقة مفتوحة ومليئة بالمصريين من فنانين ومثقفين. كأنها مقهى. “كانت سهرة العمر” بفضل هضامة وخفة دم الممثل محمود عبد العزيز، وهو يحكي نوادر عالم الفن، وعن فساد شركة “الريان” المتخصصة في توظيف وسرقة أموال الناس.

التقى بالشاعر العربي، محمود درويش في بيروت خلال سهرة عائلية جمعته مع صديقه الأزهري في منزل الأخير، وزوجة الشاعر، أبنة أخ الشاعر السوري نزار قباني. “انطباعي عن درويش أنه حاد الطباع، عصبي وعميق الثقافة”، قال الاستاذ بكري.

   تعرف محمد بكري الى المحامي والكاتب المسرحي أسامة العارف سنة 1973 بواسطة منير فرغل. اعجب بشقيقته المحامية مهى. خطبها في 18 ت1 1974 وتزوجا في 28 شباط، 1975. “لأسامة العارف فضل كبير علي”، يقول أبو أحمد. حضر جميع مسرحياته: “بنسيون الست نعيمة”، “أيام بتسوى فرانكو”، “اضراب الحرامية”، و”يا اسكندرية، بحرك عجايب!”

   رغم أنه لم يكن بعيداً عن أهل اليسار ونخبهم (جورج حاوي، نديم عبد الصمد، كريم مروة، فاروق دحروج، خليل الدبس وجورج بطل)، يرى محمد بكري أن زمن الايديلوجيات والأحزاب قد انتهى. وأن فكرة الشيوعية كفكر وممارسة قد فشلت. ما عدا التجربة الصينية لتوجهها نحو الليبرالية الاقتصادية. يقول إنه زار الاتحاد السوفيياتي أيام غورباتشوف، فسأل المترجم الروسي عن المستقبل. جاء الرد: “لا أمل”.

   يؤمن بأن الطوائف في لبنان نعمة ونقمة. وأن التعددية الطائفية حافظت على النظام الليبرالي في وسط محيط من حكم العسكر. وأن الحل هو بحماية الدستور والقانون والحفاظ على حقوق الطوائف. ولا ينسى أن الطوائف هي التي جلبت الارساليات ومعها  الاستقلال والعلاقات التجارية مع الغرب. “لبنان هو دائماً الحلقة الأضعف…والمحيط مسيطر عليه” و “اتفاق القاهرة سنة 1969 كان جريمة بحق البلد”.

   يأنس أبو أحمد لشلة أصحابه التي سموها “أميكال”. يلتقون كل سبت الساعة 11 قبل الظهر في مقهى “لاتور” القريب من كسارة. أسس اللقاء مع صديقه جان مهنا. وكان مدير فرع بنك بيروت والبلاد العربية. توسع اللقاء منذ 1981، وصار يشمل: المهندس منيب الشوباطي، فاروق دحروج، شفيق سعادة، عبد الرحمن يوسف، سعيد اللقيس، العميد حاتم الخشن، سامي عبود، ونجيب خزاقة، ظافر فاضل، الياس أبو شاب، جلبير أبو منصف، وسامر الحسيني..

    اليوم، يستريح رجل الظل وعاشق بيروت والقاهرة على شرفة منزله في شتورة. كم يشبهه بيته؟

 كم تعكس شخصيته، روحه، وتكتنز تجاربه؟ لا يخشى نقد ًاومحاسبة نفسه كشرط للتطور. تغيرت نظرته لعبد الناصر وللبلد والحياة. يتمدد مرتاح البال على كنبته على الشرفة، يفرح لحضور الزوار للمشورة والدردشة. رسى قاربه في ميناء أساسه  الرضا، والقناعة، والتسامح (مع الذات والآخرين)، والتواضع. 

   “ما في أحلى من الهدوء والرواق “، يختم بإبتسامة  العارف الحكيم.       

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *