سجلوا عندكم

ألف شريان وشريان

Views: 415

د. جان توما

لم أَعُدْ أقرأُ في كتابٍ من ورق، تعلَّمْتُ أبجديةَ “نَفْرَةِ” الشّرايين. كلُّ شريانٍ يحكي عمرًا مضى. هنا ألفُ شريانٍ وشريانٍ يهدُرُ حياةَ سهر ٍوتعبٍ، انكسارٍ وانتصارٍ، لعلَّ نَفْرةَ الشّريانِ شهرزادُ العمرِ الذي كان، لا يكفُّ عن الرّوايةِ ولا ينامُ في ليلةٍ إلّا على همٍّ بانتظار ِفرجٍ قد يأتي ولا يأتي.

أَحْمِلُ ساعتي في معصمي وقد ماتَ وقتُها من زمان. توقّفَ عقرباها عن السّعي وراء الثّواني. تَعِبَا من الجري وما تعب الزّمن من الدّوَران. ليت الأرض أوقفت دورانها كساعتي. لو يجمد العمر لأيام ، لثوانٍ، ويتركني أشعرُ بِنَبْضِ شراييني، وقد جفَّ مسرى دمي فيها، وجفّ ماءُ جِلْدي، وتكسّرت مسامي مع تكسّر الدقائق والوقت.

أين مضى شبابي، وقد أمضيتُه حاملًا ألف صليب وقد دمّل ثقلها كتفيّ لكنّ البركات كانت تغمرني بالفرح، تزرعني في عالم من السكينة لم أنله إلّا لمّا غسلت وجعي بماء الوضوء، وقمت من معمودية الدموع نقيًّا كالثّلجِ، بهيًّا كالطالع من قارورة عطر تستبيح الأرجاء بقناعة واستكانة ورضا.

تذكّرت طفولتي يوم كنت اكتبُ بالمسكة والريشة. أغطُّ الريشةَ في فمِ محبرةٍ واكتبُ على ورقٍ ثم أضع “نشّافة” كي لا تتّسع مساحة الحبر. إنّ الفرقَ بين الأمسِ واليوم، أَنّي أقرأ ما كَتَبَهُ العمرُ على سطورِ شراييني،  وأمسحُ بمنديل دمعي ما بقي من كلمات حياتي … لأحيا.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *