“حدّثني أبي: تفاصيل صغيرة في قضيّة كبيرة” لبلال زكي حمادي … شهادةٌ على بقاء بيروت، موئل الحرّيات في المشرق العربي
محمود شريح
د. بلال زكي حمادي في كتابه حدّثني أبي: تفاصيل صغيرة في قضيّة كبيرة (دار العلوم العربية للطباعة والنشر، 2025) لهي أحاديث وحكايات وحوارات جرت بين ابن وأبيه، والابن هو المؤلِّف، والأب هو والده، وهي ذكريات قصّها الأب على ابنه، في جلسات على مدى سنوات. منذ مولده في ترشيحا عام 1936، من قرى الجليل المطلّة على خليج عكّا على ساحل فلسطين، حتّى وفاته في جدرا عام 2014، فدُفِنَ في مقبرة سبلين، قدّم له صدقي البيك، وعرّف بآل حمادي أسعد أحمد عرار، وكان زكي حمادي وأهله نزحوا إثر نكبة 1948 إلى برج البراجنة، بسبب علاقة أهل ترشيحا بأهل برج البراجنة، سيّما مع آل السبع.
بداية الذكريات حياة النزوح في مخيّم برج البراجنة، والتحاق والده بمطعم في ساحة البرج، يوصل منه وجبات إلى زبائنه، وفي أوقات فراغه انصرفَ إلى الرياضة، سيّما السباحة في بحر بيروت، ثمّ برع في المصارعة بداية من نادي الكتائب الرياضي في الصيفي، مع أندريه وجان سعادة، إلى الاهتمام بالسياسة وانتساب سكّان مخيم برج البراجنة إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي أو إلى حركة القوميين العرب أو حزب البعث، فيما ندر التحاقهم بالحزب الشيوعي، أمّا والده زكي حمادي فكان من نصيب حركة فتح بدءاً من 1966.
إلى قطر لفترة قصيرة، فالتمثيل مع محمود سعيد، إلى الانخراط في حركة فتح والتدرّج فيها، فإلى الأردن ثمّ العراق، ثمّ بيروت حيث أُنيطت به مسؤوليّة تعيينه مندوباً لمنظمة التحرير الفلسطينية لدى الدولة اللبنانية لشؤون المداخل الحدوديّة في لبنان إثر رسالة من الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية إلى وزارة الخارجية اللبنانية لإبلاغ الجهات المختصّة في الحكومة اللبنانية بهذا التعيين. هذا في البدء ثمّ جرّ ذلك حتماً إلى العلاقة مع القوات السورية الوافدة أيضاً إلى المطار، فاكتملَ النقلُ بالزعرور، فإذا بمطار بيروت دولة في دولة، فما أن كان اجتياح 1982 وحصار بيروت حتى كانت صفحة جديدة من العلاقات اللبنانية الفلسطينية، ثمّ الطامة الكبرى في حرب المخيّمات، فخُطف زكي حميد إلى دمشق فأقام هناك لخمس فما أن خرج من السجن حتّى قرّر الاعتزال في بيت في جدرا فاعتنى بحديقته واهتمّ خاصّة بشجرة تين تذكرة بحديقة أهله في ترشيحا.
حدّثني أبي، ذكريات، بمرِّها وحلوِها، هي شهادةٌ على بقاء بيروت، موئل الحرّيات في المشرق العربي، شرق السويس وغربه، نافذة فلسطين على العالم، على مدى ثمانية عقود، وتبقى على الدوام صخرةً عُلِّقتْ بالنجمِ يسكنها أهلها وحيث الفكر نيسانٌ، طارت بها الكُتُبُ، كما غَنّتها فيروز للشاعر سعيد عقل الطيّب الذكر.



