سجلوا عندكم

“ميتافيزيقا غزة في لاهوت الإبادة” لجورج كعدي جديد دار نلسن في بيروت

Views: 386

صدر عن دار نلسن في بيروت كتاب “ميتافيزيقا غزة في لاهوت الإبادة” لجورج كعدي، لوحة الغلاف للرسام الفلسطيني أسامة حسين بعنوان ” مواجهة “، في ما يلي مقدمة الكتاب بقلم دكتور محمود شريح.

 

 

جورج كعدي رفيق الفكر والثقافة على صفحات «النهار» في عصرها الذهبي الذي ولّى، والناقد والمحاضر الجامعي في السينما، والمهتمّ بالفلسفة متخصّصاً في آرثر شوبنهاور الفيلسوف الموسوم بالتشاؤم الوجودي وهو المستنير ومُسقط الغشاوة عن الوجود، ها إنّي أقدّم كتابه ميتافيزيقا غزة – في لاهوت الإبادة الذي يلحّ فيه على أنّ غزة ليست مجرّد مكان محاصر، مقتول ومجوّع ومتروك في العراء، بل إنّها صارت موقعاً ميتافيزيقياً للسؤال، لا يُطرح على السياسة وحدها، أو على العدالة الأرضية وحدها، بل أيضاً على العناية الإلهية، فيتساءل من أين تستمد الدولة العبرية راحة بال وطمأنينة إزاء ارتكابها إبادة مطلقة ويردّها، مصيباً وصادقاً، إلى خرافة معتقد أهلها الديني في التوراة، وإلى أن المناهج الدوغماتية لهذه الخرافة تلقى صدى لدى الغطرسة الأميركية في استباحتها أدنى حقوق الإنسان، وإن أدرك الكاتب والباحث والمتأمل جورج كعدي أن الإنسان منفرداً بين الكائنات قادر على ارتكاب جرائم الإبادة.

يجنح المؤلف، كعادته، إلى تفسير مجرى وقائع حوادث غزة بنَفَس شوبنهاوري، فيرى أن الإنسانية، لهي، في صمتها عن إبادة أهل غزة، هي وقائع موت غير معلن للإنسانية، ويرد ذلك إلى أن جوهر الدولة العبرية قائم على السيادة القاتلة، مشيراً بحكمة إلى تصوّر أسفار التوراة القائل بأنّ دور الرب لبني إسرائيل لا يقف عند حد التشجيع على الحرب، لا بل أنه يخوضها بنفسه.

يعالج جورج كعدي ها هنا فكرة الألم الأخلاقي الذي يضغط على الشرّ بتصوّره، فيأخذ بنموذج تأريخي للوعي التراجيدي عند شكسبير حيث نزعة شك ونظرة تشاؤم، وفي هذا كانت مسرحياته عزاءً عظيماً عن عالم وضيع كُتب على شخوصه أن يكافحوا بلا هوادة، فيتساءل الكاتب عن مدى علاقة الفلسفة باللحظة الفلسطينية الراهنة من منظوري الألم والشر، ويخلص إلى أنه إذا لم يكن الفيلسوف مفكراً بجَمْع روحه لا بعقله وحده، تنتفي عنه صفة الفلسفة، ذلك أن استباحة الجسد الفلسطيني وتجريده من إنسانيته لهما خروج بالمطلق عن ميتافيزيقا الكون، فيتأمل طبيعة العنف البشري، وبالنسبة إلى غزة، عينه أبداً على مهابة عبور تفوق ذاك المتخيّل، فعبور أهل غزة من موقع إلى موقع بحثاً عن الخلاص والنجاة تحت وقع الحصار، يدحض كل أساطير العبور المنسوجة بالخرافة والمقنّعة بدوغما التلفيق والخيال وتجيير القدرة الإلهية للأنا المتعالية على الآخر، فيرى أنه العبور الذي لا يسبقه واقعاً عبورٌ آخر على مرّ التاريخ.

وفي صلب هذه المقاربة الفلسفية في ميتافيزيقا غزة – في لاهوت الإبادة عودة إلى نيتشه، سليل الكانطية المطعّمة بالشوبنهاورية، المعترف بأنه كان دائماً عدمياً في قرارة نفسه، فلا يصدّق المؤلف كيف عجزت مئات الملايين على سطح هذا الكوكب عن جَزْره وردّه إلى ضوابطه الإنسانية، ذلك أن شبق تدميرية نتنياهو لإبادة أهل غزة لهو في آن شبق ساعٍ في المحطة النهائية إلى تدمير الدولة العبرية ودكّ أسسها الواهية، فها هو مجتمعها يعاني ازدواجية فصامية على أرض فلسطين تهدّد بانحلاله.

ميتافيزيقا غزة – في لاهوت الإبادة مدخلٌ إلى فهم اللحظة الفلسطينية من وجهة فلسفية، وبالتالي لهي مقاربة فكرية تنظر إلى غزة على أنها مركز ثقل كونيّ لربما يؤدي إلى إشعال فتيل صراعات لا نهاية لها ما دام أهل فلسطين خارج أرضهم التاريخية.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *