سجلوا عندكم

الأيّام… مع أسعد يوسف زيدان/ للصبيِّ الذي كَبِرَ، ولِلرَّجُلِ الذي لَمْ يَغِبْ

Views: 782

فاروق غانم خداج

في الذاكرةِ اللبنانيةِ، حيثُ لا تنفصلُ الحجارةُ عن البشرِ، ولا القرى عن حكاياتِها، يولدُ بعضُ الناسِ كأنهم ليسوا أفرادًا فحسب، بل امتدادُ صوتٍ أبعدَ من حياتِهم. أسماءٌ لا تُستحضرُ كثيرًا، لكنها تبقى؛ لأنها عاشت بطريقةٍ حوّلت العاديَّ إلى معنى، وجعلت من الغياب احتمالًا آخرَ للحضورِ في الذاكرةِ.

أسعدُ يوسفُ زيدانَ كان من أولئك الذين لا يُروَون كأخبارٍ عابرةٍ، بل يُتذكَّرون كأثرٍ يستقرُّ في الروحِ. وُلدَ عامَ 1933 في رويسةِ البلوطِ، في بيتٍ يتيمِ الأبِ، حيثُ كانت الأمُّ زلفا ناصر الدين — التي عرفها الصبيُّ لاحقًا باسم “الستِّ أمِّ أسعد” — تمثلُ له العالمَ كلَّه. لم يكن الحلمُ عنده مالًا، بل معنى؛ لذلك حين هاجر إلى البرازيل عامَ 1952، لم يكن خروجه بحثًا عن تجارةٍ، بل انتقالًا إلى أفقٍ تتحولُ فيه الكلمةُ إلى وطنٍ ثانٍ.

هذا النصُّ ليس سيرةً ولا أرشيفًا، بل ذاكرةُ صبيٍّ كَبِرَ، وبقي داخله رجلٌ يمرُّ في حياته كما يمرُّ الضوءُ في نافذةٍ مفتوحةٍ: لا يُمسكُ، لكنه يتركُ أثره في المكانِ دون إعلانٍ.

 

في رويسةِ البلوطِ، حيثُ تتداخلُ الأزمنةُ كما تتشابكُ الأغصانُ في الريحِ، كان بيتُ الصبيِّ ملاصقًا لبيتِ امرأةٍ تُدعى “الستُّ أمُّ أسعد”. لم تكن امرأةً عاديةً، بل بدت كأنها تقيم داخل انتظارٍ دائمٍ، يُفهم أكثر مما يُقال، ويُقرأ من ملامحِها قبل الكلماتِ.

كانت أمًّا لرجلٍ بعيدٍ في البرازيلِ، لكنه ظلَّ حاضرًا في حديثِها اليوميِّ. لم تكن تراه غائبًا، بل متحوِّلًا في المكانِ؛ يكتبُ ويحرِّرُ ويؤلِّفُ في مدينةٍ بعيدةٍ اسمها بيليم، لا بوصفه ساعيًا إلى المالِ، بل باحثًا عن معنى آخرَ للحياةِ.

وكانت تستحضرُ أسماءً أخرى أيضًا: رشيد سليم الخوري، شاعرُ المهجرِ الذي حمل لبنانَ في قصائده عبر المحيطِ. وكان ابنُها، في روايتِها، جزءًا من هذا الامتدادِ، يكتبُ عنهم وعن غيرهم ممن حملوا الوطنَ في الصدرِ لا في اليدِ، كأنها كانت تحفظه عبر حضورِ الآخرين.

وفي لحظةٍ مفاجئةٍ، التفتت إلى الصبيِّ، كأنها قرأت فيه ما لم يره بعدُ، وقالت: “اكتب لي رسالةً إليه.”

لم يكن يدركُ بعدُ أن الكتابةَ قد تكون جسرًا بين قلبين يفصلُ بينهما بحرٌ. ومع ذلك كتب. أمضى يومين بين المحو وإعادة الصياغةِ، كمن يختبرُ أولَ عبورٍ لغويٍّ نحو إنسانٍ بعيدٍ. وحين اكتملت الرسالةُ، قرأتها الستُّ أمُّ أسعد، فابتسمت بهدوءٍ وقالت: “جميلةٌ… سأرسلُها.”

ومنذ تلك اللحظةِ، صار في حياةِ الصبيِّ ظلٌّ لرجلٍ لم يره، لكنه بدأ يتشكل داخله بهدوءٍ متدرِّجٍ.

كان بيتُ أسعدَ قريبًا، لا يفصلُ بينه وبين بيتِ الصبيِّ سوى دربٍ قصيرٍ، لكنه كان مسافةً رمزيةً بين عالمين: عالمِ الطفولةِ، وعالمٍ آخرَ لا يُفهم إلا حين يُعاشُ.

وحين كان يغيبُ في أسفارِه الطويلةِ إلى البرازيلِ، كان البيتُ يدخلُ في صمتٍ كثيفٍ، كأن الجدرانَ تحتفظُ بما غادرها. وحين يعودُ، يتحولُ المكانُ إلى حركةٍ ممتلئةٍ بالوجوهِ والأصواتِ والكتبِ، كأن الغيابَ لم يكن انقطاعًا بل إيقاعًا مؤجَّلًا.

وكان الصبيُّ يقفُ أحيانًا على الطريقِ المؤدي إلى البيتِ، يراقبُ وجوهًا لا تشبهُ وجوهَ القريةِ، وأحاديثَ تمتدُّ خارج زمنِها المباشرِ. ومن هناك بدأ يتكوَّن لديه يقينٌ صامتٌ بأن هذا الرجلَ يعيشُ أكثرَ من مكانٍ في آنٍ واحدٍ.

وهكذا فهم مبكرًا أن البيتَ ليس جدرانًا، بل أثرُ من يمرّ فيه.

جاء الصيفُ… وجاء معه الرجلُ.

لم يكن يحتاج أن يراه أولًا، فصوته كان كافيًا: فيه امتدادُ البحرِ، ودفءُ المدنِ البعيدةِ، وحنينٌ لا يُصرَّحُ به. وعندما دخل، بدا كأن الخارجَ دخل ليستقرَّ في الداخلِ.

نظر إليه ثم ناداه: “غانم”.

اسمُ الأبِ الذي غاب مبكرًا — قُتل في الحربِ وهو في العشرين — وترك فراغًا لم يُملأ، بل صار جزءًا من تكوينِه الداخليِّ.

في تلك اللحظةِ، لم يكن النداءُ مجرد اسمٍ، بل إعادةُ ترتيبٍ خفيّةٍ للذاكرةِ، وشعر الصبيُّ أن خيطًا غير مرئيٍّ قد تشكَّل بينه وبين هذا الرجلِ.

لكن الصورةَ لم تكتمل بعدُ.

في إحدى الليالي في رويسةِ البلوطِ، رأى ضوءًا في بيتِ أسعدَ لم ينطفئ.

اقترب ببطءٍ ونظر من النافذةِ المفتوحةِ.

رآه وحده.

أوراقٌ كثيرةٌ أمامه: مكتوبٌ وممزقٌ، وأخرى لم تكتمل. كان يكتبُ ثم يتوقفُ، ثم يعيدُ ترتيبَ الجملِ كمن يطاردُ فكرةً تتفلّتُ منه.

لم يكن الرجلُ الذي يعرفه الآخرون، بل إنسانًا يواجهُ ذاتَه بلا وسيطٍ.

ثم سمعه يقولُ بصوتٍ خافتٍ:

“كيف أكتبُ الغيابَ دون أن أنكسرَ؟”

وساد صمتٌ طويلٌ، بدا فيه الصمتُ نفسه جزءًا من التفكيرِ.

كانت جدّةُ الصبيِّ تقولُ إن أسعدَ في طفولتِه كان يقرأ لساعاتٍ طويلةٍ، لا يرفعُ رأسَه إلا عند الطعامِ. وحين تناديه أمُّه، يجيبُ: “دعني… أنهي هذه القصيدةَ أو القصةَ.”

ومنذ ذلك الوقتِ تشكَّل في داخله إدراكٌ مبكرٌ بأن الكتابةَ ليست مهنةً، بل شكلُ وجودٍ.

كبر الصبيُّ وانتقل إلى بقعاتا ثم إلى بتلون في الشوفِ، لكن الخيطَ لم ينقطع. كان أسعدُ يمرُّ عليه في طريقه إلى المكتبةِ الوطنيةِ، ويهديه كتبه واحدًا بعد آخرَ: عن القرويِّ وفرحات، وعن الأزجالِ في المهجرِ، وعن وجوهِ الشعرِ الشعبيِّ.

وكان يتلقى الكتبَ كالهدايا النادرةِ، لا لذاتها، بل لأنها تحملُ أثرَ صاحبِها.

وفي صيفِ 2005، أعطاه كتابًا عن الكلماتِ العربيةِ في اللغةِ البرتغاليةِ، قائلاً إنه جمعها خشيةَ أن تضيعَ آثارُ العربيةِ هناك، ثم أتبعه بكتابٍ آخرَ: “هذا أهمُّها… الناسُ والتاريخُ.”

تحوّل بيتُه إلى مكتبةٍ نابضةٍ بالكتبِ والأسئلةِ، يدخلها الصبيُّ فيجدُ أن الكتبَ لا تملأ المكانَ فقط، بل تكادُ تكون بنيتَه الداخليةَ.

وفي رويسةِ البلوطِ، شهد مناظرةً بينه وبين يوسف نصر الدين. اختلفا دون خصومةٍ، والتقيا عند مستوى رفيعٍ من الاحترامِ، حيثُ يبقى الفكرُ أعلى من الانفعالِ، والاختلافُ أوسع من الصراعِ.

ومن هناك فهم أن الثقافةَ ليست أن تنتصرَ، بل أن تبقى إنسانًا أثناء الاختلافِ.

لم يكن أسعدُ مغتربًا عاديًا. كان يرى أن الخطرَ ليس في البعدِ، بل في النسيانِ. عاش بين البرتغاليةِ والعربيةِ، ورأى كيف تتآكلُ اللغةُ في الجيلِ الثاني، لذلك جمع الكلماتِ العربيةَ في البرتغاليةِ، وكتب عن المهجرِ، وأرّخ للأزجالِ وشعرِ الغربةِ.

 

كان يعرف أن الغربةَ ليست مكانًا، بل احتمالُ فقدانِ الذاكرةِ.

ماتت الستُّ أمُّ أسعد… وغاب صوتُها، لكن حضورَها ظلَّ يعملُ في الخلفيةِ كذاكرةٍ لا تُمحى.

ثم، بعد سنواتٍ، مات أسعدُ. كان الصبيُّ قد رآه آخرَ مرةٍ في بعقلين، حيثُ أعطاه كتابًا زجليًا للشاعر نجم الدين العنداري وقال: “اقرأ.” ثم مضى.

ولم يعد.

لكنه لم يغب.

في البيتِ الذي صار مكتبةً، بقيت الكتبُ واقفةً كما تركها، وعلى الطاولةِ أثرُ كأسٍ قديمٍ وورقةٌ لم تُطوَ بالكامل، كأن الزمنَ توقف لحظةً ولم يُكمل دورته.

وحين مرَّ الصبيُّ آخرَ مرةٍ في رويسةِ البلوطِ، شعر أن المكانَ لم يعد فارغًا، بل ممتلئًا بنوعٍ آخرَ من الحضورِ لا يُرى مباشرةً. لم يقل شيئًا، فقط نظر ثم انصرف.

ومنذ ذلك اليومِ، أدرك أن بعض الناسِ لا يرحلون، بل يتحولون إلى معنى يستقرُّ في الذاكرةِ بصمتٍ. تحوّل… ولا يُسمّى ذلك غيابًا.

وأن الرجلَ الذي كان يعبر بين بيتين في قريةٍ صغيرةٍ، لم يكن يعبر المكانَ فقط، بل كان يعبر الإنسانَ نفسه.

ثم…

مشى الصبيُّ — الذي كبر — في الاتجاه المعاكسِ، يحمل كتابًا مفتوحًا على صدره، دون أن يغلقه.

***

*كاتبٌ لبنانيٌّ وباحثٌ في الأدبِ والفكرِ الإنساني

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *