زكي ناصيف والتراث تجدّد واستمرار
سليمان بختي
قدر كل موسيقي عظيم وأصيل أن يظهّر صورة بلاده في أعماله ويبرز هويتها الثقافية والوطنية والحضارية. وزكي ناصيف بما حباه الله من مواهب في العزف والتلحين والتوزيع والتأليف الشعري، وبما بذل من جهد ونال من علم استطاع أن يوظف كل ذلك في خدمة بلاده. ولكن مع قيمة مضافة بأنه كان صاحب رؤية حضارية ومشروع ثقافي يربط الموسيقى والفنون بالتراث والهوية. لذلك أصبح تاريخ زكي ناصيف جزء لا يتجزأ من تاريخ الموسيقى في لبنان والعالم العربي.
وعلى مدى نصف قرن وأكثر وبلا تعب أو كلل جمع زكي ناصيف في ريبرتواره تنوّعاً تراثياً غنياً من الكلاسيكية إلى الموشح إلى الدبكة الكلاسيكية والشعبية واللون البدوي والدرامي.

آمن زكي ناصيف بالنهضة وتمثلها وسعى لتحقيقها. وفي بداية انشغاله بتأليف النشيد القومي سأل زكي ناصيف الزعيم أنطون سعادة: من أين تأتي الموسيقى؟ فأجابه سعادة: من الأرض يا زكي من الأرض”. هذا الجواب جعله ينتبه أكثر لعلاقة الأصوات بالطبيعة والجماعة بالأرض. يسمع حين ينهض باكراً في قريته أصوات الفلاحين والمكارية وهم يغنون الميجانا والعتابا أو يصدحون بالأهازيج وقد حفظ كل ذلك عن ظهر قلب وسجله. وتأمل أكثر في حضارة المحراث التي علمت الناس تعمير البيوت التي لا بدّ من سقفها بالتراب، ولا بدّ من رصّ التراب وحدلها فوق السطوح، ولا بدّ من التعاون والعون ومن هنا دبكة العونة والدلعونا. ومن هنا أغانيه التي احتفلت بكل ذلك، بصيغة الصوت المفرد والجمع، ومجدته وغدت فولكلوراً يضاف إلى الفولكلور. ولعلّنا إذا سمعنا اغنية مثل “هلي يا سنابل” أو “درب الغزلان” أو “طلوا حبابنا” سنشم رائحة المواسم والحقول والوديان والفلاحين ونطلّ على قرانا المعلقة الجميلة التي تعيش عاداتها وتقاليدها وطقوسها وتمارس هويتها. وسنقول هذا اللون وذاك الطعم وتلك الرائحة – انه زكي ناصيف ولا أحد سواه وهو صاحب الأغنية المنتمية إلى الأرض والناس والإنسان والى قيم الحق والخير والجمال.

وقد لاحظ الأستاذ سمير الصايغ في كلمته في كتاب “من ألحان زكي ناصيف” وفي ندوة إطلاق الكتاب أن معظم أغاني ناصيف يأتي بصيغة الجمع “النحن” وهي ملاحظة جديرة صحيحة. نعم قوة النحن في عضد الفرد ونهضة المجتمع وفي دمج تاريخها بتاريخه وبتجلّي سعادة الفرد في مجتمع حيّ متعاضد ومتواصل ومتفاعل.
اسمع زكي ناصيف يقول لعاصي الرحباني عام 1957 عشية التحضير لليالي اللبنانية في مهرجانات بعلبك: “نريد غناء” مبنياً على الفولكلور. ما يميزنا عن غيرها من شعوب العالم ليس سوى فولكلورنا الذي هو موسيقانا الشعبية”. وهكذا كان.
ولا عجب إذن أن يسميه الموسيقار الراحل توفيق الباشا بـ”أبو الموسيقى والفولكلور في لبنان”. وهكذا تدفق النهر ولم يزل، ولكن ما هي المصادر أو الينابيع التي صنعت النهر الموسيقي العظيم الذي اسمه زكي ناصيف؟

بالدرجة الأولى التراث المحلي للقرية اللبنانية، لجغرافية السهل والجبل الطبيعية والاجتماعية والانتروبولوجية، ولمخزون الموسيقى الشعبية والزجل. ثانياً، الموسيقى العربية ببعديها الغنائي والديني. ويؤكد ناصيف ذلك في حواره مع فيكتور سحاب في كتاب “زكي ناصيف العالم الموهوب” بالقول: “نشأت على كلاسيكية رفيعة نابعة من تجويد القرآن يستخدم فيها المرتل كل مقامات السلم الموسيقي”. ثالثاً، معرفته وإلمامه بالطقوس السريانية والبيزنطية والترانيم الدينية. رابعاً، معرفته العميقة للموسيقى الغربية الكلاسيكية عل يد الروسي أركادي كوغل والفرنسي برتراند روبيار. خامساً، معرفته المكينة باللغة العربية وأسرارها وغناها وصياغاتها، وفهمه للكلمة وما يريده منها للموسيقى وللإيقاع وما يريده للشعر والتعبير. سادساً، شخصيته التي تحمل تواضع العالم الموهوب وانفتاحه على الثقافات والتزامه بقضايا مجتمعه في آن.

وأود أن أقول هنا أن شعر زكي ناصيف ظلم بألحانه. بالكاد أحياناً ننتبه لسيولة الكلام وعذوبته وبلاغته المندمجة باللحن. ولطالما ردّد الشاعر الراحل خليل حاوي اعجابه بكلمات اغانيه وحسّها الشعبي والإنساني المرهف والانيق. وهذا صحيح لأن من يكتب لفيروز: “فوق هاتيك الربى/ في صفاءٍ مقمرِ/ ردّد الليل ندائي يا حبيبي/ أنت لي عمر الندى/ في الربيع المزهر/ أنت لي فيض الهناء وصفاء المنهل/”. هو بلا شك شاعر كبير. بكلماته يدلنا إلى الغابة وباللحن يكتشفها، وبالصوت يدنينا من الملموس وفي المراحل الثلاثة شاعر شاعر.

هل نستثمر في التراث؟ والاستثمار في التراث يحتاج إلى وعي ومؤسسات وبنى تحتية كما ذكر الأب الدكتور بديع الحاج في ندوة إطلاق كتاب “من ألحان ناصيف” في الجامعة الأميركية (والتي تلاها ريسيتال من أعمال ناصيف والأخوين رحباني ووليد غلمية). ولكن زكي ناصيف استثمر في التراث وبات راسخاً في الذاكرة والتاريخ يافعاً في الحاضر وأفقاً في المستقبل. أرسى اتجاهاً وحساسية مختلفة في الغناء الفولكلوري بل صنع ذلك التوازن الدقيق في معالجة اللحن الشعبي بروح علمية منفتحة اصيلة. ودائماً زارع اصيل للحب والفرح في حياتنا. ولم يحد في مسيرته عن امرين: الأول، هو التوفيق بين الأصالة والحداثة وهذا أساس وجوهر المدرسة الموسيقية اللبنانية. والثاني، انه ظلّ يحن حنيناً صادقاً إلى النبع إلى مشغرة ولبث ينهل من هذا المعين حتى آخر لحظة من حياته كأنه وكأنها ينبوع أو أيقونة أو أسطورة.

أخيراً، نحن أمام علماً موسيقياً مميزاً في تاريخنا. وامام إرث عظيم تعدّت فيه المؤلفات إلى أكثر من 1100 عملاً متنوعاً بحسب الباحثة جيزيل حبو. وقدم فيها زكي ناصيف نفسه تجربة وجواباً على سؤال الاستثمار في التراث، وترك إرثاً لا يمحوه النسيان بل يتجدد كل يوم في الذاكرة والحياة ومع الأجيال.




