سجلوا عندكم

لحد خاطر: ذاكرة القرية التي كتبت نفسها بصوت رجل هادئ قراءة نقدية في موقعه داخل البنية الثقافية اللبنانية

Views: 730

فاروق غانم خداج

تمهيد: الاسم الذي لا يطرق الباب

بعض الأسماء لا تدخل الحياة من باب المعرفة، بل من نافذة المصادفة: ظلّ عابر في هامش كتاب، أو إشارة خجولة في أرشيف قديم، ثم تتحول إلى سؤال لا يمكن تجاهله.

هكذا جاءني اسم لحد خاطر. بلا ضجيج، بلا هالة ترويجية، بلا حضور في الذاكرة العامة. كأنه رجل جلس في زاوية التاريخ، مكتفيًا بأن يكتب، وترك الزمن يتقدّم من دونه. وفي هذا الغياب تحديدًا، تكمن قوة حضوره.

لكن السؤال الذي يتجاوز السيرة هنا ليس: من هو لحد خاطر؟

بل: ماذا يعني أن يظهر كاتب من هذا النوع في البنية الثقافية اللبنانية؟

وما الذي يكشفه عن طريقة إنتاج المعرفة في مجتمع يتأرجح بين القرية والدولة، وبين الذاكرة الشفوية والمؤسسة المكتوبة؟

أولًا: سيرة تتكوّن من الضوء البسيط

لا تقدّم سيرة لحد خاطر مادة درامية صاخبة، بل نموذجًا هادئًا لرجل تشكّل في منطقة جبلية تمتد بين رويسة النعمان وبتاتر (قضاء عاليه)، حيث اختلفت الروايات حول مكان ولادته، لكنهما معًا شكّلا وعيه الأول؛ في بيئة كانت فيها المدرسة نافذة على العالم، والمعلم حامل معنى قبل أن يكون ناقل معرفة.

في تلك البيئة، لم تكن المعرفة ترفًا، بل طريقة لفهم الحياة.

بدأ معلّمًا، ثم انتقل إلى الصحافة، فتولّى رئاسة تحرير جريدة “البشير”، محوّلًا الكلمة إلى مسؤولية اجتماعية لا إلى مهنة فقط. لكنه، رغم انتقاله إلى الفضاء العام، لم يغادر موقعه الأول: ظلّ ابن القرية الذي يكتب كما لو أنه يعيش داخل النص، لا خارجه.

قريبٌ بما يكفي ليفهم، وبعيدٌ بالقدر الذي يسمح له بالكتابة. وهذه معادلة نادرة في جيل كثيرًا ما انقسم بين خطابةٍ عالية وقطيعةٍ كاملة مع الناس.

لكن هذه السيرة لا تُقرأ كمسار فردي فقط، بل كجزء من تشكّل طبقة ثقافية لبنانية أنتجت كتّابًا لم يدخلوا الحداثة من باب المدينة، بل من باب القرية المُعاد تأويلها.

 

ثانيًا: الكتابة بوصفها شكلًا من أشكال الإنقاذ

يمكن قراءة لحد خاطر من زاويتين: مؤرخ للمرحلة، وجامع للذاكرة الشفوية. لكن في العمق، هو شيء ثالث: شاهد يحاول أن يمنع الزمن من ابتلاع التفاصيل الصغيرة.

في كتابه «عهد المتصرفية في لبنان» (1966)، لا يقدّم التاريخ كجداول ووقائع، بل كنسيج اجتماعي حيّ: السلطة في أثرها على البيت، والقرية، والجوع، والعدالة المتأخرة.

التاريخ عنده ليس أرشيفًا، بل حياة تتنفس تحت الورق.

أما في كتاباته القروية، فتتضح مهمته الأعمق: إنقاذ الصوت قبل أن يختفي. جلس مع العجائز، التقط الأمثال، دوّن الحكايات التي كانت تُقال في الليل، عند النبع، وتحت الأشجار، قبل أن يبتلعها الصمت.

لم يكن يسألهم كباحث فقط، بل كابن خائف على ذاكرة أمّه الجماعية.

كان يدرك أن القرية لا تموت دفعة واحدة، بل تتآكل حين يُنسى كلامها، وحين تفقد قدرتها على رواية نفسها.

ومن هنا، لا يعود لحد خاطر مجرد مؤرخ أو جامع تراث، بل شاهد على غياب بنية مؤسساتية قادرة على إنتاج الذاكرة.

فلم ينشأ أرشيف وطني جامع للهجات والأمثال، ولا متحف مركزي للحكاية الشعبية، ولا مشروع دولة متكامل لحفظ الذاكرة الشفوية حتى اليوم.

ثالثًا: بين القرية والتاريخ… موقع الكاتب داخل طبقة ثقافية

تكمن فرادة لحد خاطر في تلك المنطقة الوسطى التي نادرًا ما يقف فيها الكتّاب: بين القرية بوصفها حياة يومية، والتاريخ بوصفه نظامًا يفسّرها من الخارج.

هو لا ينحاز لأحدهما، بل يكتب في المنطقة الوسطى التي يعيش فيها الناس فعليًا، قبل أن يُسجَّلوا في أي أرشيف.

في نصوصه، لا نجد “الإنسان الكبير” الذي تصنعه الكتب، بل الإنسان الصغير الذي تصنعه الحياة: الفلاح، الجدة، الطفل، الجار، أولئك الذين يختفون من الوثائق لكنهم يبقون في الذاكرة الشفوية.

وهنا تظهر إشكالية أوسع داخل الثقافة اللبنانية نفسها:

تشكل طبقة من الكتّاب يمكن وصفها بـ”كتّاب الوسط”؛ لا هم أدباء حداثة بالكامل، ولا مؤرخون أكاديميون صارمون، بل حَمَلةُ ذاكرةٍ بين الحقلين، وفي بعض التقاليد المتأخرة المنسوبة إلى بطرس البستاني، وكتّاب الريف والصحافة الثقافية في بدايات القرن العشرين.

هذه الفئة لم تكن هامشًا، بل كانت أحيانًا البديل الوحيد عن غياب مشروع تاريخي مركزي متماسك.

رابعًا: لماذا يعود هذا الصوت اليوم؟

في زمن يتسارع فيه النسيان، وتتحول فيه الذاكرة إلى مادة عابرة على الشاشات، تبدو كتابات لحد خاطر كنوع من المقاومة الهادئة.

مقاومة لا ترفع شعارًا، بل تحفظ تفصيلًا.

نحن اليوم، بعد كل ما مرّ بنا، لم نعد نملك زمنًا بطيئًا نروي فيه حكاياتنا. صرنا نمرّر الذاكرة كملف، لا نعيشها كجسد. وفي هذا التحول، يفقد الإنسان علاقته بصوته الداخلي.

لحد خاطر يعيد إلينا هذا الصوت البطيء: أن الأشياء تحتاج وقتًا لتُفهم، وأن المجتمعات لا تُقاس فقط بما تنتجه، بل بما تتذكره.

لكن السؤال النقدي يبقى مفتوحًا:

هل نقرأ لحد خاطر اليوم لأنه مهم فقط… أم لأننا لم ننجح بعد في إنتاج بديلٍ عنه؟

خاتمة: رجل كتب كي لا يختفي أحد

لم يكن لحد خاطر يبحث عن الخلود، بل عن تثبيت ما يمكن أن يختفي بصمت.

لم يقف على منابر، ولم يصنع لنفسه خطابًا عامًا، لكنه ترك أثرًا يشبه البصمة في تراب قرية: خفيفًا في الشكل، عميقًا في المعنى.

وعندما نغلق كتبه اليوم، لا نشعر أننا أنهينا قراءة، بل أننا فتحنا نافذة على زمنٍ كان أبطأ، وأكثر إنصاتًا، وأكثر إنسانية.

ومن هنا يتحول هذا البورتريه من سيرة رجل، إلى مرآة ثقافية:

تعكس موقعنا نحن من الذاكرة، ومن الكتابة، ومن الفقدان.

***

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *