سجلوا عندكم

كتاب “أغصان وجذور” للدكتورة إلهام كلّاب: هواء نقي ينعش الذات المتعَبة ويرد الروح (قراءة انطباعية غير نقدية)

Views: 60

نهاد الحايك

أحيانًا عندما أقرأ نصًا أدبيًا رائعًا، أُعجب به لدرجة أنني أتمنى لو كنتُ أنا كاتبتَه.

كتاب “أغصان وجذور” جعلني لا أتمنى لو كنتُ أنا كاتبتَه فحسب، بل أيضًا لو كنتُ أنا إلهام كلّاب، وأنا التي عاشت تلك الحياة وكوَّنت تلك الذكريات، وأتمنى أيضًا لو كانت جبيل وعمشيت هي أمكنة جذوري.

بعض الكتابات تسبح أفقيًا أمامك وسرعان ما تختفي عن عينك وعن وجدانك وعن ذاكرتك.

بعض الكتابات بدل أن تشدَّك من صفحة إلى أخرى تبتعد عنك وتذوِّب اهتمامك فتهمل الكتاب من دون أن تندم على عدم بذل الجهد لإكمال القراءة.

وثمة كتابات تغطس عموديًا في الوجدان وتنساب كالهواء النقي الذي ينعش الرئتين ويرد الروح.

هذا ما ينطبق على كتاب “أغصان وجذور”: إنه كائن حي يستحيل أن تتجاهله من ضجر، ويصعب أن تتصفحه بخفة ثم تغلقه لتنصرف إلى شؤون الحياة. هو شأن مهم من شؤون الحياة، يضم قصة امرأة من لبنان، شجرة شامخة وراسخة مثمرة ومظلِّلة، لها أغصان وارفة وجذور عميقة، هي الدكتورة إلهام كلّاب البساط.

ما أجمله عنوان يتوِّج سيرة ذاتية مميَّزة ويقفز، فور أن تبدأ في قراءته، إلى خبايا الذات، يُصحّيها من سُباتها ويقودها من صفحة إلى أخرى لتَلْتَهِم بنَهَم ما ترويه الكاتبة بجرعة واحدة دون توقف، وكأنها إذ تروي قصتها، تروي عطشًا أو تسدُّ جوعًا مزمنًا إلى الجمال والرقة والحنين وصلابة الانتماء إلى الأرض والناس والأمكنة والزمان. أكثر من ذلك، عندما انتهيتُ من قراءة الكتاب، بقي الشعور بالجوع والعطش ولكن إلى المزيد من تفاصيل هذه السيرة الذاتية الغنية والجاذبة.

امتدَّت أغصان إلهام كلّاب من عمشيت وجبيل إلى بيروت ثم باريس ومدن أخرى حققت فيها خروقًا في السائد المعهود، بدءًا من الطفولة والصبا في المدرسة والعائلة والمحيط الاجتماعي ثم في الجامعة والحياة الثقافية والسياسية، وفي النضال من أجل القضايا الكبرى ومنها قضية حقوق المرأة. (يمكن الاطلاع على نبذة مفصلة عنها في ويكيبيديا).

أما الجذور…

لطالما شغلتني الجذور وقضَّت صحوي ومضجعي، في سنوات اغترابي الطويلة.

وشغلتني الجذور كثيرًا طوال حياتي كلبنانية، إذ كادت الحروب المتكررة تسمِّم هذه الجذور وتُخضِعها للتساؤل بحثًا عن الجدوى، بل جعلتني أتمنى، وبصراحة موجعة، لو لم أولد في هذا البلد.

جذور كجذور اللبناني تضعُنا في مكان بين الوجع والشفاء، بين الاضطهاد والتحرر، بين اليأس والأمل، بين الكابوس والحلم.

أما جذور إلهام كلّاب فطغت بسطوَتها الجميلة المحبَّبة على التزعزع الذي كان قد بدأ ينخر جذوري، وجعلتني أشعر بالذنب وأنتشي بالارتداد إلى الفخر والاعتزاز… عالجَتني…

أنا لستُ بناقدة أدبية ولكنني متذوِّقة، ولذلك لا أدَّعي تحليل أو توصيف الأسلوب واللغة في كتاب “أغصان وجذور”. هو من المفترض أنه سرد نثري لسيرة حياة، ولكنني شعرتُ في كثير من الأحيان أثناء القراءة بأجنحة شعرية يمنحها لي النص فتزداد المتعة وتتحوَّل إلى نشوة. وهنا أتذكر مقولة للشاعر الفرنسي بول فاليري (Paul Valéry) في وصف النثر والشعر: “النثر هو كالمشي والشعر هو كالرقص”. وفي قراءتي لسيرة الدكتورة إلهام كلّاب كنتُ أمشي وأرقص في آنٍ معًا.

وأوردُ في ما يلي مقتطفات من كتاب “أغصان وجذور”. ولم يكن من السهل الاختيار، إذ أن النص كله جميل، كتلة واحدة انصهرت فيها ذكريات ومشاعر وأفكار ورؤى وعِبر، تشكِّل نبعًا من الإلهام، ومثالًا يُقتدى. ولستُ أول مَن يقول إن المؤلفة إسم على مسمى: إلهام…

 

مقتطفات من “أغصان وجذور”- د. إلهام كلّاب

“من طفولة سعيدة مع إخوتي وأخواتي في بيت وسيع جميل يخترقه الضوء والشمس ومحبة الناس… هذه الطفولة السعيدة التي لا تزال تغذّيني بمنابع فرح وبابتسامة رحبة تضيء تجاعيد العمر.”

“تعلمتُ قيمة النساء ومعاناتهن وصمتهن التاريخي الذي صنع مجد الرجال، وأنا أرافق وعيَهن لمعنى الوجود والاختيار والقبول والكرامة.”

“تعلمتُ بإلحاح وإصرار وإيمان أن لبنان وطن رائع ليس لذاته وحسب بل للإنسانية جمعاء.”

“أذكر أنهم كانوا يحذِّروننا من اجتياز الطريق، وقضيتُ حياتي أجتاز طرقًا ممنوعة ويحذِّروننا من الكلام مع الغرباء، ولم أتعلم إلا من كل غريب مختلف.”

“في باريس تَشكَّل وعيي بالعالم والوطن والثقافة الإنسانية، كما تأكد انتمائي لهويتي المتنوعة، الثرية المنابع، ولالتزامي الوطني والنسوي والإنساني.”

“تَعلَّمنا أن نعيش التطابق الصعب والمتواصل بين نبض الحياة ونبض الكلام، أن نجعل حب الناس إرثًا عائليًا وحاجة للروح، أن نذوّب الأصنام وأن نكثر الأيدي المتصافحة المتصالحة، وأن نحوِّل كل انكسار إلى نعمة.”

“تعلمتُ ممارسة الحرية والأحلام، والدهشة أمام عظماء الإنسانية كما أمام انزلاق قطرة ندى على ورقة عشب.”

“كم يحلو لي أن نكون معًا متكاتفين في هذا العالم الذي يزداد ضراوة وقساوة، في هذا الممر الضيق الحاد الذي تجتازه الإنسانية اليوم على طريق العصبيات والدم، ونحن نعاند برقة الروح، بأخوة الإنسان، وبالحب، أبهى الفضائل.”

“أنا متيقنة، وبعد مُعاركةٍ ونضال، أن باستطاعة النساء أن تنسج العالم، برهافة وإتقان، كما تنسج الدانتيل، في عاديات أيامها كما في قمم مسؤولياتها.”

“في طريقنا إلى بيروت (للسفر إلى باريس) جاوَرَ كميون كبير السيارة التي أقلَّتني مع والدي، وقد كُتب على جانب منه وبالأرقام: الوزن الإجمالي، والوزن الصافي. تلفَّتَ أبي نحوي وقال لي: “اذهبي. وصيَّتي الوحيدة إليك: إصنعي وزنك الصافي”.”

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *