سجلوا عندكم

زياد كاج قارئًا قصيدة “ظبية شاردة” لنجوى الغزال

Views: 272

   زياد كاج

أجمل الشعر أصدقه. وأجمل ما في الشعر، أنه لا يحتمل المراوغة والسطحية وردات الفعل الرمادية: فإما أن يحبه المتلقي، أكان قارئاً أو مستمعاً، أو لا يستغيه (يحصل ذلك كثيراً يشكل ضمني دون مصارحة صاحب النص). ضاق جمهور الشعر وقل، لكن وميضه بقي طاغياً كفعل الرعد في عالم مظلم حالك، كمطر صيفي مفاجئ ينعش النفوس.

  عندما يكون الشعر نابعاً من القلب والوجدان، يصعب، بل يستحيل، عدم الاعتراف والتصفيق له.  يحصل اليوم، أن التصفيق الحقيقي والصادق تحول الى علامة “لايك” على صفحات التواصل الاجتماعي.

   قصيدة “ظبية شاردة” تمتلك مكونات البوح الصادق، المعبر، المختصر، الجريء، وتمتلك المقدرة على قطف المعنى العام الشامل من تجارب ووعي الشاعرة نجوى الغزال التي، بحكم صداقتنا، كنت ناقداً لشاعريتها. حصل أنني أعترفت لها بقصيدة “الأشيب”، التي أحبها كل من في رأسه شيب واعتقد أنها موجهة له (أنا أحدهم)، الى جانب قصائد أخرى. لكنني أعترف أن هذه القصيدة أجبرتني على اعادة قراءتها عدة مرات، فوجدت فيها متعة، وسحر الشعر، ومكاشفات إمرأة شرقية ناضجة تتقن فن الانتظار، وتحول جلسة شرود حزين على فنجان قهوة، الى أبيات شعرية ممتعة، مفخخة بالصور والأحاسيس التي تؤسن الجماد، وتشخصن المشاعر والوعي.

   كعادتها، تمنح الشاعرة فنجان القهوة حضوراً انسانياً، يحسبه القاريء وعاءً  سحرياً   تخرج منه صورها وعوالمها. “تجالس فنجان قهوتها”، كأن الفنجان هنا نديم تبارز معه الضجر والزمن. “كأنها تجالس عمراً من الانتظار”. 

لغة العيون ليست جديدة على نجوى..”تمشطان الوجوه العابرة”. أتت الاستعارة هنا جداً موفقة بأن جمعت بين فعل التمشيط (المترافق مع الحركة البطيئة والحذر الشديد) ووجوه الناس ككتب مفتوحة أمامها. ومن منا لا يعرف علاقة المرأة بشعرها!

أستوقفتني الأبيات التالية، فقرأتها مراراً:
“كان الشوق يتدلى من ملامحها،

مثل غصن أثقله المطر،

وكان القلق ينام بين أصابعها المتشابكة،

حتى بدت يداها، كأنهما تصليان بصمت”.

   جميل وموفق جداً هذا الربط  بين حال الشوق للحبيب وغصن في طقس ممطر، مما يدفع بصورة الغصن المتدلي، من ثقل حبات المطر، الى الظهور بوميض واضح التفاصيل في مخيلة القارئ. حتى القلق وجد مكاناً للنوم بين أصابع تلك المرأة المنتظرة التي امتلكت حنكة وصبر صياد.

   في قصيدة “ظبية شاردة” (رغم غياب أي اشارة للظبية في متن القصيدة)، الكثير من الانتظار والخيبة لأمرأة شرقية، تعض على جراحها، بوعي ومراعاة لما   حولها من مفاهيم وقيم، متوقعة من الرجل أن يقرأها ويفهمها جيداً. تقول الشاعرة بلسان الحبيب “…وكأنها كانت تعتذر لقلبها. وكأنها كانت تؤمن أن الانتظار وحده، يكفي ليحفظ دفء الأشياء”.

   تحتفل الشاعرة في قصيدتها “بالحزن الجميل” الذي “يجذب الأرواح”، و “بإبتسامة صغيرة، كانت كافية لتعيد ترتيب العالم”. وتتمتع بحكمة التجارب “بعض الاعتذارات لا تقال”،

“وعد لا يشيخ”، “قهوة بطعم اللقاء”، و “أجمل النهايات…”

   أخبرتني نجوى أنها كتبت هذه القصيدة بعد ساعات من الشرود، وتحولت الى حبر على الورق خلال دقائق قليلة. هكذا يأتي الشعر الحقيقي الصادق، يأتي كوميض، فيسحر ويفرح به كاتبه والقراء. لا يُحكم على الشعر بالكم بل بالنوع. وجمالية هذه القصيدة أنها عبرت عن حال ومكامن الكثير من النساء ببوح جميل، معبر، وواصل دون خدش حياء.

صوت شعري ينبهنا  الى أن المرأة عندنا تئن، وتنتظر، وتحب بصمت. وأن المرأة عندنا كتلة أحاسيس، ومشاعر، وليست مجرد جسد جاذب،  كما يظن الكثير من الرجال. تتقن المرأة عندنا فن الانتظار لأنه قدرها، وأن عليها أن تعيشه، فتخلق وتعيش عالمها الخاص، في مغارتها الخاصة، كحياة بديلة، كعالم بديل، رغماً عنها. حتى الحزن تحوله الى طقس احتفال.

مبروك صديقتي الشاعرة التي تحب أن يُقال عنها “أمرأة شاعرة”.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *