الشاعر الفرنسي وجاريته
مصر-اللواء المتقاعد حمدي البطران
جيرار دي نرفال رحالة فرنسي [[1]]، قام برحلته الى الشرق في كانون الثاني/يناير سنة 1842. وصل إلى القاهرة في أعقاب وفاة محمد علي وبداية عصر ابنه عباس. كانت نتيجة تلك الرحلة كتاب بعنوان “رحلة الى الشرق” [[2]] .
قبل أن يصل جيرار دي نيرفال الى القاهرة قام بالاطلاع على العديد من الكتب والوثائق، ولما وصل الى القاهرة كان يتردد بانتظام على مكتبة أنشأها الفرنسيان بريس دافن والدكتور أبوت، وكان بالمكتبة كتب تتحدث عن مصر، وكانت تلك المكتبة ملتقى المثقفين الأوروبيين في القاهرة.
كما تردد نيرفال على صيدلية كاستانيول، وكان يلتقي فيها مع أشخاص من أصل فرنسي هوايتهم الحديث مع مسافرين عابرين لجمع التذكارات عن الوطن، وكان نيرفال يرى كل كراسي الصيدلية والمصاطب الموجودة خارجها مليئة بشرقيين حاملين النجوم اللامعة على صدورهم، ويتحدثون الفرنسية. وكان من أسباب الزحام وجود محطة بريد قريبة. كانوا ينتظرون الرسائل والأخبار التي تصل في النادر [[3]] .
كانت مصر وقتها محطة للرحالة والمغامرين والجواسيس الأجانب والذين بدؤوا في التوافد على مصر من الدول الأوروبية وعلى الأخص فرنسا وبريطانيا بعد النهضة التي أحدثها محمد علي.

من باريس إلى مصر
بدأ نيرفال رحلته من باريس الى مصر بالباخرة، قبل أن ترسو الباخرة في الميناء يستقبل التراجمة القوارب، ويحاولون الصعود إلى الباخرة لالتقاط الأجانب الراغبين في اصطحاب تراجمه لمرافقتهم في رحلتهم داخل البلاد،ومساعدتهم في التعامل مع رجال الحكومة والأهالي.
يعد الترجمان في ذلك الوقت بمثابة المرشد السياحي للأجنبي. ومن هؤلاء التراجمة صعد الترجمان عبد الله الذي رافق جيرار دي نيرفال أثناء رحلته في مصر.
صعد الترجمان عبد الله للباخرة بمجرد وصولها الى مياه الإسكندرية في قارب مخصص له، وكان عبد الله ككل التراجمة في ذلك الوقت محاطا بالأبهة والفخامة، وكان معه طاقم لمعاونته مكون من مساعد ترجمان حديث السن وزنجي يحمل له غليونه ويقوم على خدمته.
لم يكن من بين القادمين على متن الباخرة ركاب من الإنجليز، وهو ما جعل عبد الله يقبل على مضض مصاحبة الفرنسي جيرار، فقد كانت نظرة التراجمة الى الفرنسيين باعتبارهم أقل شأنا من الإنجليز .
ونظرا لفقره فقد رفض نرفال أن يقيم في الفنادق الإنجليزية الباهظة، قاده الترجمان الى فندق دوميرج في القاهرة، وهو ملتقى لكل الفرنسيين في مصر.
رفض عبد الله أن يقيم في فندق دوميرج مع الفرنسي جيرار دي نيرفال باعتباره فندقا رخيصا لا يليق بمترجم في درجة عبد الله، ومن ناحية أخرى كان عبد الله يريد أن يحافظ على سمعته بالإقامة في الفنادق الفخمة التي تجتذب الموسرين من الأجانب. ومع ذلك فلم يكن الفندق رخيصا من وجهة نظر نرفال، كان يراه باهظ التكاليف، وهو يريد الإقامة في القاهرة بأقل التكاليف، ولا سيما في بلد يقل فيه سعر كل شيء عن نظيره في فرنسا.
كان المترجم عبد الله يجد غضاضة في التردد على الفندق الفرنسي الرخيص، لأجل هذا اقترح على نرفال أن يقيم في بيت مستأجر في المدينة، ولما كان نرفال يريد أن يحيا الحياة الشرقية تماما كأهاليها ومواطنيها فقد استراح لفكرة المترجم عبد الله، وشرع بالفعل في البحث عن منزل.

بيت خشبي
تجول نيرفال مع الترجمان عبد الله في الحي اليوناني وحي الأقباط، ولكنه لم يسترح الى السكن في قصور الحي اليوناني وانتهى به الأمر إلى بيت تمتلكه قبطية تسكن في حي الأقباط، كان المنزل يسكنه إنجليزي ورحل عنه، وتم استدعاء شيخ الحي لكتابة العقد، وتسلم نرفال مفتاح بيته الخشبي، والذي كان عليه أن يعلقه في رقبته.
وقام نرفال بتأثيث بيته بقفص كبير من الجريد صنعه القفاص تحت عينيه، وحضر المنجدون للمنزل بأدواتهم، وتم صنع وسائد وأرائك للجلوس،على أن تتحول الوسائد في الليل الى مراتب للنوم.
بات نرفال في منزله الجديد ليلة واحدة، وفي صباح اليوم التالي،جاء شيخ الحي ومعه كاتبه وزنجي يحمل له الغليون، وطلب من نيرفال أن يغادر البيت، ويأخذ نقوده التي دفعها.
وقد ترجم له عبد الله حديث شيخ الحي مع نرفال على النحو التالي [[4]]:
- يجب ترك البيت.
- لماذا؟
- لأن أحدا لا يعرف على أي نحو تعيش.
- هل لاحظ أحد أخلاقي السيئة؟
- ليس هذا ما يقصده شيخ الحي
- إذن فرأيه هذا ليس طيبا.
- يقول إنه كان يظن أنك ستعيش في المنزل مع امرأة.
- ولكنني لست متزوجا.
- إنه لا يعنيه في شيء أن تكون متزوجا أو لا تكون، ولكنه يقول إن جيرانك لهم نساء، وسوف يقلقهم ألا تكون لك امرأة، ومهما يكن فهذا هو العرف السائد في القاهرة.
- وماذا علي أن أفعل؟
- عليك أن تغادر البيت، أو تختار لك امرأة لتعيش معك.
- قل له: إنه ليس من اللائق أن يعيش مع امرأة دون أن يتزوجها.
ومع أن رد شيخ الحي على نيرفال يعد إهانة للأخير. إلا أن نرفال يرى أن رد شيخ الحي جاء مصحوبا بتعبير أبوي لم تستطع الألفاظ المترجمة أن تؤدي معناه في ما يبدو إلا بشكل ناقص.
فقد أخبره الترجمان عبد الله أن شيخ الحارة يسدي له النصيحة، ويقول له إن أفنديا مثلك لا ينبغي له أن يعيش بمفرده، وإنه من المشرف دائما أن تأوي امرأة وتطعمها وتسدي لها الخير. وأحسن من ذلك أن تطعم الكثيرات منهن إذا سمح لك الدين الذي تعتنقه بذلك.
كان الوقت صيفا، وكان نرفال ينام مستلقيا على سطح منزله في الهواء الطلق.

وكالة النخاسين
ذات صباح فوجئ نيرفال بعدد من العمال يتقدمهم شيخ الحي، ثم بدؤوا في الصعود إلى السطح، وباشروا العمل على إقامة حاجز بينه وبين البيت المجاور له، بحيث يحجب الرؤية عن الجيران، وأخبره شيخ الحي أن المنزل المجاور تقطنه امرأة (خاتون)، وأن المرأة تقدمت بشكوى ضده الى شيخ الحي، لأنها رأته ينظر من سطح منزله الى حديقة منزلها، وأخبره شيخ الحي أن الأمر يجب أن يسوى بذهاب زوجة نيرفال الى الخاتون، وعندها سينتهي الأمر.
غير أن نرفال أجاب شيخ الحي بأنه غير متزوج، ولا توجد امرأة في البيت، وهنا أمهله شيخ الحي ثمانية أيام ليحضر امرأة، وإلا فإنه سيجبره على ترك البيت.
بدأ نرفال على الفور في البحث عن زوجة حسب التعاليم المسيحية، ولكنه وجد أن الزواج بتلك الطريقة يكلفه غاليا وهو الحريص في إنفاق النقود.
ذهب نرفال الى القنصل الفرنسي وعرض عليه مشكلته التي قد يطرد بسببها من البيت الذي استأجره بسبب عدم وجود امرأة فيه.
قال له القنصل:
- إنهم يملكون هذا الحق، وقد سجل السيد كلوت بك هذا بالتفصيل في كتابه ، ويحكي مستر لين القنصل الإنجليزي في كتابه أنه أجبر هو الآخر على هذه الضرورة ، وفوق ذلك إقرأ كتاب ماييه القنصل العام في عهد لويس الرابع عشر ، فستجد أن الأمر كان كذلك في زمنه ، ينبغي لك ان تتزوج .
أجابه نيرفال:
- لقد عدلت عن ذلك، فإن آخر امرأة عرضت علي قد زهدتني في الأخريات، ولم يكن لدي استعداد للزواج منها.
- هذا لن يغير وجه المسألة.
ثم نصحه القنصل الفرنسي أن يقتني جارية. فهي أرخص من تكاليف الزواج. كما أنها ستقوم مقام الزوجة وتعتني بشؤون البيت. وفضلا عن ذلك فإن القانون في مصر يسمح بذلك[[5]] .
قاده المترجم عبد الله إلى وكالة النخاسين حيث تباع الجواري والعبيد في أسواق القاهرة وهناك وجد اثني عشر عبدا، وكان القلق يبدو على العبيد أكثر من الحزن، وكانوا يرتدون القمصان الزرق التي يرتديها عامة الشعب، وأحاط بهؤلاء العبيد عدد كبير من التجار. كما وجدا هناك خمس أو ست جواري زنجيات جالسات في دائرة على حصير، وكان العدد الأكبر منهن يدخن، وكن يقهقهن ضاحكات.
لم تعجب أي واحدة منهن نيرفال وطلب مشاهدة أخريات تكون زاوية الوجه لديهن أكثر اتساعا واللون الأسود أكثر وضوحا، وقيل له إن الأمر يتوقف على السعر الذي تريد تقديمه، الواحدة ممن تراهن هنا لن تكلفك سوى مائتين وخمسين فرنكا، وهن مضمونات لمدة ثمانية أيام إذا ظهر فيهن عيب أو عاهة.
كان التجار يعرضون أن يجردوا الجواري من ثيابهن، وكانوا يفتحون شفاههن لرؤية أسنانهن لتقدير أعمارهم، وكانوا يأمروهن بالمشي، ويولون اهتماما خاصا لما تمتاز به نهودهن من مرونة.
لم تحظ أي واحدة منهن بإعجاب نيرفال ، إنه لا يبحث عن مجرد جارية ، إنها ستكون له بمثابة امرأة أيضا .

قصة جارية
ذهب به عبد الله المترجم إلى عبد الكريم،أشهر وأكبر تاجر جواري في مصر، وهناك شاهد أكثر من جارية على قدر من الجمال، وكان الخيار بينهن شاقا. فقد كانت الجواري متشابهات وعلى قدر كبير من الجمال ، ولما رأى التاجر حيرته أمر بإدخال جارية أخرى، وعندما شاهدها نيرفال صدرت منة صيحة إعجاب، فقد تعرف فيها على العين اللوزية الشكل الواسعة ، والجبين المائل جميلة جدا ، وقد فصل جسمها تفصيلا بديعا بشكل يدع مجالا للخوف من كثرة الإعجاب بها، كان بريق عينيها المعدني، وبياض أسنانها، ورخص يدها، وطول شعرها ذي اللون البني الغامق الذي شاهده نيرفال عندما رفعوا طربوشها عن رأسها، كانت الجارية قد وصلت للتو من جزيرة جاوة الاندونيسية، قضت الجارية الجاوية جزءًا كبير من عمرها في الأرخبيل تحت وصاية قرصان إمام مسقط ، ولم تبق عند عبد الكريم سوى ليلة واحدة .
وقال نيرفال للمترجم عبد الله إنها قضت الليل في بيت عبد الكريم التاجر. وفهم المترجم عبد الله ما يعنيه نرفال من تخوفه من احتمال أن يكون عبد الكريم قد عاشرها في تلك الليلة، وأخبره عبد الله أن زوجات عبد الكريم الشرعيات لن يتركنه يغازل امرأة أخرى غيرهن، وفوق ذلك فهو تاجر، والتاجر يحظى بالثقة، ولو عرف عنه ذلك، فانه سيفقد عملاءه جميعا.
اشترى نرفال الجارية بأربعة أكياس بما يعادل ستمائة وخمسة وعشرين فرنكا،وأخذها من السوق إلى بيته.
وعندما صارت الجارية في البيت وجد نرفال نفسه محاصرا بطائفة من الأفكار التي لم تخطر على باله عند الشراء.
فقد اكتشف نرفال أن عبد الكريم قد غشه، فقد وجد تحت الشريط الأحمر الذي يحيط بشعرها وجبهتها موضع بقايا من حرق قديم في عرض القطعة الذهبية من فئة الخمسة جنيهات، تبدأ من منبت الشعر، وحرق آخر بنفس الشكل على ىصدرها، وفوق هاتين العلامتين كان هناك وشم في ذقنها، وكان منخرها الأيسر مثقوبا، وعندما قدم لها الطعام في الصباح رفضت تناوله.
كما رآها بعد ذلك تنظر من النافذة إلى بعض الشبان في الملابس العسكرية كانوا يدخنون أمام البيت وأخذته الغيرة كالشرقيين، ولم يعثر على أي كلمة باللغة العربية يستطيع أن يفهمها أنه ليس من المستحب أن تنظر إلى العسكريين في الشارع.
قرر نرفال أن يستعين بمدام بونوم الفرنسية والتي تعمل بالتمثيل في مصر وتجيد العربية والفرنسية، لكي تعمل كمترجمة بينه وبين الجارية بدلا من عبد الله، لأن أحد اليهود أخبره أن المترجم عبد الله من المحتمل أن ينقل أفكارا سيئة للجارية.
وبالفعل قامت السيدة بونوم بدور المترجم، طلب منها نرفال أن تسألها عن اسمها وديانتها ومغامراتها قبل أن تصل إليه، وسبب امتناعها عن تناول الطعام في الصباح. أخبرته أن اسمها زينب، وأنها اختطفت وهي صغيرة من على شاطئ البحر، وبيعت في القاهرة، وقالت إنها مسلمة، ولم تتناول الطعام في الصباح لأنها صائمة.
كانت إجابات الجارية مرضية.
كان القنصل قد دعا نرفال إلى رحلة للريف، ولم يكن من اللائق أن يصحب الجارية معه، كما انه خاف أن يتركها ليوم كامل بمفردها مع الطاهي والبواب، ودله القنصل على أحد الأقباط واسمه منصور، كان منصور هذا من الذين تبعوا الحملة الفرنسية عقب رحيلها وأقام في مرسيليا، وعندما استولى البوربون على الحكم طردوه من فرنسا، بعد أن أبدى ولاءه للإمبراطور نابليون، وعاد إلى القاهرة من جديد هو وزوجته.
بقي منصور القبطي في منزل نرفال مع الجارية أثناء غيابه في الرحلة مع القنصل، وكان وجود القبطي في المنزل هو وزوجته كافيا لقلق الطاهي، لاعتقاده أن القبطي منصور وزوجته سيحلان محله في خدمة نيرفال، في الحقيقة لم يكن القبطي ولا زوجته يجيدان فن الطهي.
وعندما عاد نرفال من الرحلة طلب من منصور أن يخبر الجارية بأن دورها قد حان للقيام بطهي الطعام لسيدها. غير أن الجارية اعتبرت أن هذا يعد إهانة شديدة لها، لأنها لم تأت لتصبح خادمة!
يقول نرفال إنه عجز عن وصف تعبير الكبرياء المجروحة، أو الكرامة المهدرة الذي بدا عليها، وقالت للمترجم:
- قل لسيدي، إنني سيدة لا خادمة، وأنني سأكتب للباشا إذا لم يضعني سيدي في المكان اللائق.
عندها صاح نيرفال:
- الباشا، وما دخل الباشا بهذا الموضوع؟ لقد اشتريت الجارية لخدمتي، فإذا لم يكن لدي القدرة على اكتراء الخدم، فإنني لا أرى سببا يجعلها تحجم عن القيام بأعمال المنزل، كما تفعل النساء في كل البلاد.
وقال منصور:
- إنها تقول ، إن لكل جارية الحق في التوجه إلى الباشا، وطلب إعادة بيعها، وتغيير سيدها، وإنها مسلمة، ولن تقبل أبدا أداء الأعمال المهينة [[6]] .

تشبه بنساء القاهرة
شعر نيرفال بالندم، لأنه سيضطر للإنفاق عليها في ما تبقى له من الرحلة، ولن يستفيد منها، وقرر أن يعلمها اللغة الفرنسية ليوفر نفقات المترجم، وطلبت منه أن يعطيها ورقه وقلما لأنها تريد ان تكتب بعض الطلبات التي تريدها من سيدها، لم تكن الجارية تجيد الكتابة، أخبرها نرفال عن طريق المترجم منصور أن تملي طلباتها.
كان البند الأول أنها تريد أن تلبس حبرة من التافتاه الأسود على شاكلة نساء القاهرة!
والبند الثاني أنها ترغب في الحصول على فستان من الحرير الأخضر!
والثالث رغبتها في اقتناء حذاء برقبة.
ووافق نرفال على طلباتها.
وذات يوم عاد نرفال إلى منزله ليجد إكليلا من البصل معلقا بعرض الباب، ومعه مجموعة أخرى من رؤوس الثوم مرصوصة بانتظام فوق الموضع الذي تنام فيه، فما كان منه إلا أن انتزع تلك الزينات غير اللائقة وقذف بها في الفناء، وما كاد يفعل ذلك حتى صاحت الجارية ثائرة، وهرولت لالتقاط البصل وهي تبكي.
وعندما حضر منصور القبطي الذي يعلمها الفرنسية ، أخبر نرفال أنه عندما ألقى البصل على الأرض، فقد أهان طقسا من الطقوس المصرية [[7]]، من شأنه أن يمنع الأمراض والأوبئة عن المنزل وسكانه .
وسرعان ما تحققت مخاوف الجارية وأصيبت بمرض غامض حاول نرفال علاجه، ولكنها لم تستجب لعلاجه أو نصائحه الطبية، واستعانت الجارية بسيدتين من البيت المجاور وشيخة مشهورة أحضرت موقدا وأعلت فيه نارا، وأحرقت على النار حجرا، وكان من شأن هذا الدخان أن يضايق الشياطين، وقامت الجارية وانحنت على الدخان، مما سبب لها سعالا شديدا، والغريب أنها منذ تلك الواقعة بدأت في التحسن حتى شفيت تماما.
كانت أموال نبرفال قد بدأت في التناقص ، وكان يفكر في استكمال رحلته إلى لبنان وتركيا ، وكان يريد أن يتخلص من الجارية ، وقال لها [[8]]:
- يا طفلتي الصغيرة، إن كنت تريدين البقاء في القاهرة أنت حرة.
وكان يتوقع منها الاعتراف بالجميل وتشكره. ولكنها بادرته بالقول:
- حرة! ماذا تريد أن أصبح، وإلى أين أذهب، من الأوفق أن تبيعني مرة ثانية الى عبد الكريم.
- لكن يا عزيزتي، الأوروبي لا يبيع النساء، وقبوله هذه النقود أمر شائن.
قالت الجارية وهي تبكي:
- وماذا أفعل إذن؟ هل أستطيع أنا كسب عيشي.؟
وقال نرفال:
- تستطيعين الالتحاق بخدمة سيدة من دينك.
صاحت الجارية باستنكار:
- أنا أصبح خادمة؟،أبدا، بعني مرة ثانية إلى عبد الكريم، فسيشتريني باشا من الباشوات، وأصبح عنده سيدة عظيمة.
وشعر نرفال أنها على حق، وقرر أنها مادامت لا ترغب في البقاء في القاهرة، فينبغي أن يصحبها معه إلى البلاد التي ينوي أن يذهب إليها.
وقالت له الجارية وهي تشير بإصبعيها:
- أنا وأنت.. سوا .سوا .
أسعده قرارها، وقرر أن يجعلها حرة بمجرد مغادرة الأراضي المصرية. وذهب إلى ميناء بولاق وحجز زورقا ليبحر إلى دمياط، ومنها يستقل الباخرة “سانتا بربارا” إلى لينان وتركيا.

رحلة ومغامرة
في الزورق الذي يقلهم إلى الميناء، سمع نيرفال صوتا شجيا يغني بلغة لم يفهمها وعرف في ما بعد إنها اللغة التركية، كان المغني فتى جميلا له ملامح جركسية وعينان سوداوان، وكان أصفر الشعر حليقه، يحمل صندوقا يحتوي على أدوات كتابية وأحبار، أعتبره نيرفال كاتبا مثله. كان الشاب أرمني الجنسية يريد السفر إلى بيروت ولكنه لا يملك تكاليف السفر، في البداية اعتذر له نيرفال . ولكن الشاب أخبره انه في هذه الحالة سينتظر حتى يتقابل مع أحد الإنجليز ليدفع له نفقات الرحلة. سببت تلك الكلمة ألما لنيرفال ، غير أن الشاب أخبره أن القبطان الأرمني صديقه في الباخرة. كان القبطان ومساعده مسيحيين ينتميان إلى الكنيسة الرومانية، أما باقي النوتية والملاحين فهم أتراك مسلمون.
عند غروب الشمس لاحظ نرفال أن المؤذن يؤذن للصلاة، ويتجمع النوتية ويولون وجههم تجاه مكة ويؤمهم في الصلاة أحد النوتية له لحية شهباء.
لم يمنع نرفال الجارية من الصلاة مع النوتية الأتراك، ولكنه لاحظ أن النوتي ذا اللحية الشهباء يكثر من الحديث مع الجارية أكثر من غيره.
في البداية لم يلفت الأمر انتباهه. لأن النوتي في عمر جدها، ولكنه مع تطور الأمر وهو لا يعرف في ما يتحدثان، بدأ القلق يساوره، وكلف القبطان الشاب الأرمني بمراقبة الموقف، وأن يخبره بما يسمعه، وبعد فترة أخبره الأرمني أن الأتراك (المسلمين) يقولون: إن المرأة التي برفقتك ليست ملكا لك.
قال نرفال:
- إنهم مخطئون، وفي إمكانك أن تبلغهم أن عبد الكريم باعني إياها في القاهرة بخمسين كيسا، ومعي إيصال البيع، ومع ذلك فهذا أمر لا يعنيهم!
- يقولون إن النخاس لا يملك حق بيع امرأة مسلمة لرجل مسيحي.
- رأيهم هذا لا يهمني، وفي القاهرة يعرف القوم عن ذلك أكثر منهم، وكل الإفرنج يقتنون العبيد والجواري سواء كانوا من المسلمين أو من المسيحيين.
وهز الأرمني رأسه دلالة الشك، وقال له نيرفال:
- أصغ إلي. أما عن حقي فأنا لا أشك فيه، فقد قمت بالاستعلامات اللازمة، ولكن عليك أن تخبر القبطان، انه من غير اللائق أن يتحدث النوتية إلىالجارية.
وعندما أخبر الأرمني القبطان بما قاله نرفال أخبره القبطان أن على نرفال أن يبعدها عنهم.
ولكن نرفال لم يشأ أن يحرمها من متعة الحديث بلغتها التي تجيدها، ولا أن يمنعها من الانضمام إليهم في الصلاة، وأيا كان الأمر فإن الحياة على ظهر السفينة تضطر الجميع إلى أن يكونوا معا، ومن الصعب منع تبادل بعض الكلمات.
في الصباح استيقظ نرفال وشاهد صبي الطاهي يغرف ماء الشرب ويغتسل به، وحاول نرفال أن يمنعه من استعمال ماء الشرب في الاغتسال، وأقترب من الصبي وحاول أن يحدثه باللغة العربية، وبحث نرفال عن بداية يبدأ حديثه مع الصبي فلم يجد إلا كلمة ” حبيبي.. “، ونظر إليه الصبي باسما. وفي فترة الظهر أخبره الأرمني أن القبطان يعرض عليه أن يبادله الجارية بالصبي الذي غازله في الصباح ، كان الأرمني يحاول أن يحسن الصفقة لصالح القبطان وقال لنيرفال [[9]] :
- الصبي شديد البياض والجارية سمراء.
دهش نيرفال، ولكنه بالطبع لم يوافق.

لم يتحدث النوتي مع الجارية، ولكنه كان يتحدث مع رفاقه أمامها بصوت مرتفع، وفهم نرفال أن الأمر يتعلق بالمسلمين وعلاقتهم بالأجانب، لأجل هذا استدعى الجارية وقام الأرمني بالترجمة. وسألها:
- ماذا قال لك هؤلاء؟
- قالوا لي أنني مخطئة، وأنا المؤمنة، ببقائي مع الكافر.
- ولكن ألا يعلمون أنني اشتريتك؟
- يقولون إن أحدا لا يملك حق بيعي لك.
- أتظنين أن هذا صحيح؟
- ألله أعلم.
- هؤلاء الرجال مخطئون ولا تتحدثي إليهم بعد الآن.
- حاضر.
وطلب من الأرمني أن يقوم على تسليتها، ويقص عليها القصص بلغتها العربية.
عندما خرج نيرفال من كابينته وجد الجارية تتحدث مع النوتي العجوز. في هذه المرة لم يجد نرفال ما يحرص عليه وجذب الجارية من ذراعها في عنف حتى سقطت على أرض الباخرة فوق كيس من أكياس الرمل، وصاحت الجارية في نيرفال : يا غول .
ووصلت الكلمة إلى سمعه بوضوح وأجاب: بل أنت غول.
وأشار إلى النوتي العجوز وقال: هو كلب.
لم يعرف نيرفال ما إذا الغضب الذي اعتراه ناشئا عن معاملته باحتقار بصفته مسيحيا، أم من التفكير في جحود تلك المرأة التي كان يعاملها معاملة الند.
عندما سمع النوتي سبابه قام بحركة تهديد، وتقدم ناحيته اثنان من زملاءه وهم يلفظون الشتائم، وبحركة آلية امسك نرفال بمسدسه، وكان غير محشو بالطلقات.
واندفع الأرمني ليمنعه. قائلا:
- إنه مخبول، وسوف يتحدث إليهم القبطان.
تظاهرت الجارية بالبكاء، ولم ترد أن تتحرك من المكان الذي جلست فيه. وجاء القبطان، ووجه إليهم كلمات لينة.
وقال نيرفال : ما أن أضع قدمي على الأرض حتى أذهب لمقابلة الباشا، وأجعلهم يتلقون ضربات العصا .
كان نرفال يحمل خطاب توصية إلى والي عكا، وعندما علم النوتية بذلك عرفوا أن ضربات العصي على أقدامهم التي وعدهم بها نيرفال لم تعد خيالا، واحنوا رؤوسهم له، ويقول نيرفال : إنه بعد تلك المشادة أحنى هؤلاء الشياطين رؤوسهم، وكان القبطان قد خاف من الاحتكاك بآرائهم الدينية، ولا سيما رعية من رعايا السلطان المسلم . كما أخبره القبطان بأنه بالنسبة للجارية ” فإذا كنت صديقا لمحمد باشا فستظل لك “.
عندما وصلت الباخرة الى بيروت وأثناء إقامتهم في الحجر الصحي أخبره القبطان أن ثمة علاقة قد نمت بين الأرمني الشاب والجارية، وانهما كانا يتحدثان.
يعترف نرفال انه لا يستطيع أن يغفل ما في الأرمني من مزايا، فهو في ريعان الشباب، وتميزه الوسامة الآسيوية مثل فتاة ساحرة تخفت في ملابس الرجال، وأحس انه موضع ازدراء مزدوج، من الجارية والأرمني. وقرر أن يتخذ قرارا حاسما، وقال للأرمني:
- أي عمل تقوم به في مصر؟
- كنت سكرتيرا لطوسون بك، كنت أترجم له المجلات والجرائد الفرنسية، وكنت أحرر له خطاباته للموظفين الأتراك، وقد مات فجأة، وطردت من عملي.
- وماذا تنوي أن تفعل؟
- أمل الدخول في خدمة والي بيروت، فأنا أعرف أمين خزانته وهو أرمني مثلي.
- ألم تفكر في الزواج؟
- لا أملك ما أقدمه كمهر للزوجة.
وبعد برهة قال نرفال لنفسه: لأظهر كرم أخلاقي وأمنحه السعادة، وأشعرته تلك الفكرة بالسمو والنبل، وسأعتق الجارية.
وأمسك بيد الأرمني وقال:
- إنها تروق لك سأزوجها لك.
وكانت الجارية حاضرة أثناء ذلك، ولكنها تجهل موضوع الحديث الذي يتحدثان فيه.، رفع الأرمني ذراعه في الهواء، كما كان قد ذهل لتصرف نيرفال غير المتوقع. مما دفع نيرفال للقول:
- أتتردد في القبول، أبعد أن تغري امرأة في حوزة غيرك، وتنحيها عن واجباتها، ترفض أن تتكفل بها بعد أن أعطيها لك؟
وعبر الأرمني عن دهشته بسلسلة من الاعتراضات القوية، وقام نيرفال بإخبار الجارية بالأمر، مما سبب لها جرحا لكبريائها.

في بيروت
عندما وصل نيرفال الى مدينة بيروت استأجر مسكنا وسط المسيحيين المارونيين ، ولكن الجارية المسلمة لم تتوافق معهم ، وكانت تعتبر نفسها محاطة بمن هم أقل منها ، وكانت تطلب منهم خدمتها .
وذات صباح استيقظ نرفال فوجد فوق رأسه قسيسا مارونيا جاء الى منزله بطريق الخطأ، ولكنه تحدث معه، وكانت الجارية حاضرة، وأخبره نرفال بتاريخها، كما أخبره بأنه سوف يمنحها حريتها، لأنه لا يستطيع أن يدخلها الى فرنسا بصفتها جارية، كما أخبر القسيس أنها مسلمة وان هذا شعور فطري وطبيعي لديها، ولكن المارونيين الذين استضافوهم لم تعجبهم حركاتها، وألحوا عليه فكرة بيعها وعرضوا استحضار تركي لإتمام الأمر.
عرض القسيس الأب بلانشيه استضافتها في الدير.
يقول نيرفال:
- كنت أخشى أن يندفع الأب بلانشيه في الخيال بدافع من إيمانه القوي ويفكر في أن يمنح الدير شرف تنصير إحدى المسلمات، كان يخشى ألا تقبل ويصبح مصيرها تعسا.
وعندما دعاه أمير بيروت لقضاء عدة أيام في الجبل، هناك دلوه على مدرسة في بيروت للبنات تديرها سيدة فرنسية من مرسيليا اسمها كارليس، وكانت تلك المدرسة هي الوحيدة التي تدرس فيها اللغة الفرنسية ، وبعد أسابيع من إقامتها في المدرسة انتحت به مديرة المدرسة وقالت له :
- لن أيأس من الوصول الي تبشيرها بالمسيحية.
ولكن الجارية أصرت على موقفها ويقول نرفال في خاتمة كتابه الذي نشر في باريس عام 1851:
– يبدو أن الجزء الأول من هذا الكتاب قد نجح بسبب قصة الجارية الهندية ، وهي لا تزال حتى الآن حية ترزق ، وقد اضطررت الى تغيير اسمها في طبعة الكتاب ، وهي الآن متزوجة في احدى مدن الشام ، وأن مصيرها استقر بصورة سعيدة وأنني تسببت في تغيير مصيرها الى الأبد ، ولم أطمئن على مستقبلها إلا عندما علمت أن وضعها الحالي كان من اختيارها المطلق، وقد ظلت على عقيدتها الإسلامية، رغم كل الجهود التي حملتها على اعتناق الأفكار المسيحية، ولن يستطيع الفرنسيون من الآن فصاعدا شراء الجواري من مصر لأن أحدا منهم لن يجازف بإلقاء نفسه في المتاعب التي تجرها تلك المسؤولية الأبدية ..

***
المراجع
[1]– جيرار دي نيرفال شاعر وكاتب فرنسي، يعشق الشرق منذ صغره، وكان في شبابه ينسخ فنون الخط العربي دون أن يتمكن من فهمه، وكان يحلم كثيرا بألف ليلة وليلة. زار الشرق في يناير 1843 الي نوفمبر من نفس العام، في الرابعة والثلاثين من عمره أدخل المستشفى بسبب نوبة من الجنون.
[2]– أصدرت الجزء الأول والثاني الدار المصرية للتأليف والترجمة. أما الجزئيين الثالث والرابع فقد أصدرتهما دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، والكتاب ترجمته الدكتورة كوثر عبد السلام وراجعته الدكتورة سهير القلماوي.
[3]– روبير سولييه. مصر ولع فرنسي، مكتبة الأسرة 1999
[4]– جيرار دي نيرفال. رحلة الي الشرق. ترجمة د. كوثر عبد السلام البحيري. مكتبة الأسرة 1999 ,الجزء الأول.
[5]– ابرمت معاهدة إلغاء الرق بين الحكومة المصرية والإنجليزية عام في أغسطس 1877
[6]– جيرار دي نيرفال. رحلة الي الشرق. ترجمة د. كوثر عبد السلام البحيري. مكتبة الأسرة 1999 الجزء الثاني ص287
[7]– ربما يعود هذا الي ما ذكره هيرودوت من ان العمال الذين كانوا يعملون في بناء أهرام خوفو قد اكلوا الفجل والبصل والثوم ما تقدر قيمته بألف وستمائة وزنه من الفضة , كما وجدت في مقاير طيبة بعض ربطات من الثوم , والإسم القديم للثوم هو خيزان , وقد حققه فيكتور لوريه في بردية هاريس الكبري في ترجمة العهد القديم باللغة القبطية , وقد وزع رمسيس الثالث كميات وفيرة من الثوم علي المعابد , وقد أبدي العبرانيون وهم في طريقهم الي أرض الميعاد أسفهم علي الخيار والبطيخ والكرات الكبير والبصل والثوم التي كانت موجودة في مصر . [بيير مونتيه. الحياة اليومية في مصر. ترجمة عزيز مرقص منصور. مكتبة الأسرة 1997. ص 108]
[8]– جيرار دي نيرفال. رحلة الي الشرق. ترجمة د. كوثر عبد السلام البحيري. مكتبة الأسرة 1999 الجزء الثاني ص297
[9]– جيرار دي نيرفال. رحلة الي الشرق. ترجمة د. كوثر عبد السلام البحيري. مكتبة الأسرة 1999 الجزء الثاني ص382



