سجلوا عندكم

الأضحى في زمن النفاق: شعائر بلا روح

Views: 345

د. زهير علامة

مرّ عيد الأضحى هذا العام وكأنه لم يمر. ففي بلدٍ أنهكته الحروب والأزمات والانقسامات، أصبح العيد ضيفًا غريبًا يطرق الأبواب فلا يجد من يستقبله، ويعبر الشوارع فلا يسمع إلا صدى الخيبات المتراكمة.

مرّ العيد كنسمةٍ خفيفة فوق وطنٍ مثقل بالأوجاع. حضر في التقويم، وغاب عن النفوس. أتى كعادته، لكن البلاد لم تعد كما كانت، والناس لم يعودوا كما كانوا.

فكيف يفرح من أثقلته الهموم؟ وكيف يحتفل من يعيش على حافة الخوف والفقر والتهجير والضياع؟

لكن المأساة ليست في الواقع وحده، بل في ضياع المعنى أيضًا.

فالأعياد لا تُقاس بما نملكه من مالٍ أو ترفٍ أو مظاهر، بل بقدرتنا على التمسك بالإنسانية وسط الخراب، وعلى الإيمان بأن الليل مهما طال، فلا بد أن يعقبه فجر جديد.

ليس عيد الأضحى مجرد طقسٍ موسمي تُراق فيه الدماء، ولا مناسبةً اجتماعية لشراء الخراف وارتداء الثياب والتقاط الصور أمام موائد مكتظة، فيما الجوع ينهش المدن والقلوب معًا.

الأضحى، في جوهره، كان امتحانًا للإنسان:

هل يستطيع أن يذبح أنانيته؟

غروره؟

طمعه؟

نفاقه؟

ووحشه الداخلي؟

لكن ماذا فعلنا بالعيد؟

حوّلناه إلى مهرجان استهلاكٍ فارغ، وإلى شعائر تؤدّى بلا روح. نرفع التكبيرات من فوق منابر ملوّثة بالكذب، بينما تُنهب الشعوب باسم الدين، وتُقتل الحقيقة باسم الطائفة، ويُذبح الفقراء كل يوم على أبواب المصارف والمستشفيات والحدود والمخيمات.

وفي الجنوب…

هناك من لا يعرف للعيد معنى هذا العام إلا بصفته موعدًا إضافيًا للحزن.

قرىً مدمّرة، وبيوتٌ فارغة، وعائلاتٌ مهجّرة، وأطفالٌ اقتُلعوا من دفء الأرض والذاكرة.

أهل الجنوب الذين عاشوا القصف والخوف والنزوح لا ينتظرون خروف العيد، بل ينتظرون وطنًا لا يتركهم وحدهم تحت النار والخذلان.

أيُّ أضحى هذا،

والناس تُهجَّر من أرضها،

وتُدفن أحلامها تحت الركام،

ثم يخرج علينا تجّار الدين والسياسة بخطبٍ عن الصبر والإيمان، وهم غارقون في امتيازاتهم ونفاقهم؟

أيُّ عيدٍ هذا،

والإنسان صار أرخص من الأضحية؟

نصلّي… نعم.

لكن كثيرًا من الصلاة بات مجرد حركةٍ ميكانيكية، وطقسًا اجتماعيًا لإثبات “التديّن”، لا ثورةً أخلاقيةً على الظلم.

كم من يدٍ ترتفع بالدعاء وهي ملوّثة بأموال الناس؟

كم من جبينٍ يسجد لله، ثم يقف ليكسر إنسانًا أضعف منه؟

كم من مجتمعٍ يتغنّى بالإيمان، بينما الحقد والطائفية والشماتة تنهش روحه؟

لقد أصبحنا نمارس الدين أحيانًا كأنه ديكورٌ جماعي، لا مشروع تحررٍ إنساني.

نخاف من مواجهة عيوبنا، فنختبئ خلف الشعائر.

نرتّل الآيات، لكننا لا نرتّل الرحمة.

نحفظ الأدعية، لكننا نسينا معنى العدالة.

نذبح الخراف، لكننا نعجز عن ذبح الوحش المزروع في داخلنا.

الأضحى الحقيقي ليس في السكين…

بل في القدرة على ذبح القسوة.

ليس في الدم…

بل في قتل الجشع والرياء والخوف.

ليس في عدد التكبيرات…

بل في أن يصبح الإنسان أكثر صدقًا ونقاءً وشجاعةً بعد العيد.

إبراهيم لم يكن يبحث عن الدم، بل عن التحرر من عبودية النفس.

أما نحن، فصرنا عبيدًا لكل شيء:

للسياسة،

وللطائفة،

وللشهرة،

وللصورة،

ولرأي الناس.

العالم يشتعل بالحروب، والأطفال يُقتلون، والمدن تُدمَّر، والناس تموت جوعًا وقهرًا، فيما ينشغل كثيرون بالجدال حول مظهر الدين ويهملون جوهره.

صرنا أممًا تتقن البكاء في الخطب، لكنها تخشى مواجهة الحقيقة في الواقع.

الحقيقة المؤلمة أن أكبر أزمات مجتمعاتنا ليست اقتصادية ولا سياسية فحسب…

بل أخلاقية وروحية.

أزمة ضمير.

أزمة إنسان.

لا نحتاج مزيدًا من الشعارات عن الله،

بل نحتاج بشرًا يخافون الله حقًا.

لا نحتاج مزيدًا من المظاهر الدينية،

بل قلوبًا أقل قسوة، وألسنةً أقل كذبًا، وأيديًا أقل فسادًا.

فأين نحن من معاني العيد؟

العيد ليس صوت التكبير فقط…

بل صوت الضمير حين يستيقظ.

ولعل أخطر ما حدث لنا أننا اعتدنا الذبح حتى لم نعد نعرف من المذبوح الحقيقي:

الخروف…

أم الإنسان؟

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *