لاهوت المطران كيرلّس سليم بسترس في مستنداته الفكريّة وسماته الأساسيّة
مشير باسيل عون
أذكر أنّ كوكبةً من الرهبان الموارنة، من أساتذة اللاهوت في جامعة الروح القدس (الكسليك)، أتَوا في العام 1988 يهنّئون المطران كيرلّس سليم بسترس على انتخابه أسقفًا على أبرشيّة بعلبك للروم الكاثوليك. في إثر الزيارة، روى لنا الأب البولُسيّ المنتخَب أنّهم استهلّوا الكلام بعبارةٍ أدهشته وما لبثت أن أدهشتني: “الإجلال لعلماء اللاهوت”، أو “باللاهوتيّين يليق الإكرام” (Honneur aux théologiens !). ذلك بأنّ العُرف السائد في كنائس الشرق كان يقضي، على وجه العموم، أن يُفرَز لخدمة الأسقفيّة أصحابُ الاختصاصات الوادعة الموثوقة المأمونة، ومنها الحقول المعرفيّة المتعلّقة بآباء الكنيسة والتاريخ الكنسيّ والليترجيا والحقّ الكنسيّ وسواها من الميادين البحثيّة التي لا تنطوي بالضرورة على مساءلات جذريّة تربك العقل اللاهوتيّ وتهزّ يقينيّات المؤسّسة وتوقظ وعي الجماعة المؤمنة التي غالبًا ما تسترخي في الحقائق المعتمَدة والبديهيّات المألوفة والتقاليد السائدة.
إذا كان حقل التخصّص الدكتوراليّ يمهر مسيرة الطالب الجامعيّ مهرًا دامغًا، فإنّ الاطّلاع على سيرة روجِه غارودي يبيّن لنا حيّزًا بارزًا من الخلفيّة الفكريّة التي استندت إليها أعمالُ المطران بسترس. الحقيقة أنّ غارودي هذا حيّر العالم بتنقّلاته المتواترة وارتدادته المتعاقبة ومواقفه الجذريّة الحادّة. استهلّ نضاله باعتناق الإيمان المسيحيّ في صيغته البروتستانتيّة. ولكنّه ما لبث أن أيّد الماركسيّة، من غير أن يتخلّى عن معتقده المسيحيّ الذي سرعان ما أفضى به إلى الروحيّة الصوفيّة الكاثوليكيّة. لم تدم إقامته في ملكوت الروح طويلًا، إذ طفق يندّد بالمركزيّة الحضاريّة الغربيّة ويقبّح انحرافات السياسات الاستعماريّة. فأفضى به هذا الضرب من الانفعال إلى اعتناق الدِّين الإسلاميّ، وفي ظنّه أنّه عثر على الخلاصة الحضاريّة التي تستصفي أفضل ما أتت به شعوب المسكونة من إسهامات الارتقاء الفكريّ والروحيّ. من جرّاء هذا التحوّل، وقع فريسة الأوهام الإنكاريّة، فأعاد قراءة التاريخ بمقتضى ما استقرّ عليه وعيه من افتضاح التواطؤات الملتوية التي خُيّل إليه أنّه عاينها بين اليهوديّة والمسيحيّة الغربيّة، بحيث ساقته المغالاة إلى إنكار المحرقة النازيّة واستجرار إدانة المحافل الفكريّة العالميّة والمحاكم القضائيّة الفرنسيّة والأُروبّيّة.
لست في معرض مناقشة التحوّلات المربكة التي اختبرها غارودي إبّان مسيرته الفكريّة. غير أنّ الأمانة العلميّة تقتضي التذكير بأنّ اعتناء المطران بسترس بفكر هذا الفيلسوف اقتصر على مرحلة المؤالفة بين الإيمان المسيحيّ والنظريّة الماركسيّة. في العام 1976 دافع الأب البولُسيّ الشابّ في جامعة لوڤَن البلجيكيّة عن أطروحة الدكتوراه التي تناولت شروط هذه المؤالفة، وكان غارودي آنذاك ينتقل من الماركسيّة إلى الصوفيّة الكاثوليكيّة وينادي بضرورة الحوار بين الحضارات. أعتقد أنّ التحوّل الفكريّ هذا استهوى الكاهن البولُسيّ الذي كان يبحث في الجامعات الأُروبّيّة عن فكر مسيحيّ إنسيّ (humaniste) معاصر يحاول أن يجعل الرجاء المسيحيّ فاعلًا في تغيير بنى الظلم الاقتصاديّ الاجتماعيّ السياسيّ. فكانت اجتهادات غارودي الفلسفيّة، في صيغتها المستنيرة الأولى، مصدرَ إلهام خليق بإرشاد فكر المطران بسترس اللاهوتيّ الذي آثر في ما بعد، على نحو ما سنرى في القسم الثاني من حديثي، أن يربط الفكر اللاهوتيّ بالالتزام التاريخيّ الواقعيّ الملموس.
أراد الأب بسترس في أُروبّا أن يصقل فهمه ويُغني مداركه، فاختار فيلسوفًا حيّر العالم بترحالاته الفكريّة. ومن ثمّ، تصحّ المقارنة العفويّة بين سيلانيّة غارودي في تذبذب أنظومته الفلسفيّة وانزياحات تموضعاته الفكريّة، ورسوخ الأب بسترس الذي آل على نفسه ألّا يدّخر في تنشئته الفكريّة من جهد وكدّ، فصبر على العلم حتّى سلس له وتأتّى للمستعصي المستغرب حتى انقاد، من غير أن يجرّ هذا الثبات عليه تصلّبًا في الفكر أو تحجّرًا في الإدراك. ذهب ليدرس اللاهوت، ولكنّه آثر الاغتراف من ينابيع الفلسفات المسيحيّة المعاصرة، لاسيّما في مجادلتها المذاهبَ الاشتراكيّة والرأسماليّة. أعتقد أنّ دراسة الفلسفة في السبعينيّات من القرن المنصرم كانت تنطوي في الأديار الرهبانيّة الشرقيّة على مخاطر الاستقلال الفكريّ والابتداع العقائديّ. لذلك آثر الأب بسترس أن يدرس اللاهوت في عباءة الفلسفة، فيقتطف من الحقلَين الثمار الناضجة التي تؤهّله لتزيين حديقته الوجدانيّة.

الخلفيّة الفكريّة
في هذا السياق، ينبغي البحث عن العناصر الحاسمة التي أسهمت في رسم الخلفيّة الفكريّة الناظمة في أعمال المطران بسترس. لا ريب في أنّ دراسة اللاهوت في جامعة لوڤَن عاملٌ أساسيّ من هذه العوامل. كذلك التزامه العملَ المسكونيّ مع الكنائس الشرقيّة في صحبة نخبةٍ من علماء اللاهوت الشرقيّ، ومنهم على وجه الخصوص الأب جان كوربون والمطران الياس الزغبي والمطران جورج خضر. لا بدّ أيضًا من ذكر المبادرة الفريدة التي أتى بها الأب البلجيكيّ سرج دسّي، وقد شاء في طور من أطوار مسيرته الكهنوتيّة أن ينشئ مركزَ دراساتٍ لاهوتيّة في الشرق المسيحيّ المعاصر من أجل تعزيز انبثاق لاهوت شرقيّ سياقيّ معاصر يُعنى بتدبّر علامات الشهادة في قرائن المجتمعات العربيّة التي دالت عليها الأيّام بالاضطراب وانقلبت عليها بالشقاء والبؤس والألم. تلقّف الأب بسترس هذه المبادرة، وكان وقتذاك مدير معهد القدّيس بولس، وأيّد توجّهاتها وأسهم في مؤتمراتها الأربعة التأسيسيّة.
لا يفوتني هنا أن أشير إلى حضور المطران يوسف ريّا المغني في حياة الآباء البولُسيّين، وقد شاء أن يحمل إلى كنيسته الملَكيّة عصارة تأمّلاته اللاهوتيّة والروحيّة الرامية إلى بعث الفكر الشرقيّ البيزنطيّ الأصيل وتبيئته وإسلاكه في قرائن المعاناة الوجوديّة الراهنة. اغتنم الأب بسترس هذه الفرصة، وأخذ يواكب الاجتهادات اللاهوتيّة التي أفرج عنها المطران ريّا، وقد اختمرت اختمارَ النضال الراعويّ في سياق التزامه الحيّ من أجل تجديد حياة كنيسة الروم الملكيّين الكاثوليك في الولايات المتّحدة الأمِريكيّة. من الضروريّ أيضًا أن أنوّه بالجهد الذي بذله الأب بسترس في تجويد لغته اللاهوتيّة العربيّة، من بعد أن أتقن الكثير من اللغات الغربيّة، قديمها وحديثها. أظنّ أنّ هذا الجهد تعاظم في سياق اعتنائه بإبلاغ خلاصة تصوّراته اللاهوتيّة في قرائن الثقافة العربيّة التي كان الآباء البولُسيّون في أجيالهم الأوائل يغترفون من كنوزها ومعانيها ما أعانهم على إتقان تعبيرهم العربيّ في الأبحاث والمقالات التي نشروها في مجلّة المسرّة. وما إنْ نضِج فكرُه اللاهوتيّ وصلُب عودُه الإنشائيّ حتّى أكبّ يحرّر المؤلّفات اللاهوتيّة، وفي يقينه أنّ نشر رسالة المسيح باللسان والكلمة يقتضي التفرّغ للكتابة اللاهوتيّة الأكادِميّة الرصينة. فإذا به ينشئ سلسلته اللاهوتيّة الشهيرة التي ذاع صيتها في الجامعات والمعاهد والمنتديات والرعايا، وقد ابتكر لها عنوانًا جليلًا يليق بمقامها الفكريّ الإصلاحيّ التجديديّ: “الفكر المسيحيّ بين الأمس واليوم”.
وعليه، يمكننا القول إنّ المطران بسترس، في كلّ مرحلة من مراحل التزامه الكنسيّ، كان يرتّب أولويّات شهادته الفكريّة. في مرحلة التنشئة اللاهوتيّة الجامعيّة في لبنان وفي أُوربّا، أكبّ يستطلع كنوز الفكر اللاهوتيّ والفلسفيّ الغربيّ. أثناء التدريس اللاهوتيّ في معهد القدّيس بولس انصرف إلى الاعتناء بأصول المكاشفة الفكريّة التربويّة التي غالبًا ما تنشط بين الأستاذ والطالب. فانبثق من هذا التفاعل مشروع نشر الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ في السلسلة المذكورة. وما لبِث أن التفت إلى ضرورات اللاهوت السياقيّ الشرقيّ، خصوصًا بعد إنشاء مركز لاهوت الشرق الأوسط الذي ابتكر فكرته الأب سرج دسّي البلجيكيّ، فعمد إلى عقد المؤتمرات اللاهوتيّة السياقيّة الأوائل في الشرق الأوسط. غنيٌّ عن البيان أنّ إنشاء هذا المركز أتى في ذروة الازدهار الفكريّ والمؤسّسيّ الذي اختبرته الجمعيّة البولُسيّة في معهدها اللاهوتيّ الجامعيّ. حين انتُخب الأب بسترس مطرانًا على بعلبك، اندفع في محاورة المسلمين واستجلاء مواضع التلاقي والاختلاف بين المسيحيّة والإسلام. في غضون الرسالة الأسقفيّة الأمِريكيّة، جعل لاهوت أخلاقيّات الحياة واللاهوت الراعويّ الاغترابيّ محورَ اهتمامه. خلال أسقفيّته في العاصمة اللبنانيّة، أولى الشأن الوطنيّ والفكر السياسيّ مقام الصدارة في نصوصه ومقالاته ومواعظه. في كلّ طور من هذه الأطوار، كان المطران بسترس يعزّز مقامًا لاهوتيًّا من هذه المقامات، معيدًا ترتيب الأولويّات بحسب ضرورات المسؤوليّات التي أنيطت به. بيد أنّه في جميع هذه الأطوار، استمرّت المحاور اللاهوتيّة هذه وموضوعاتها الأساسيّة في صلب اعتناءاته الفكريّة.

تحوّلات ثقافيّة خطيرة
عاصر المطران بسترس، سواء في أُروبّا أو في لبنان، تحوّلاتٍ ثقافيّة خطيرة، فضاعف من يقظته لكي يدرك معناها البعيد، وحبس انتباهه ليتحرّى مراميها الخفيّة. في الستّينيّات والسبعينيّات من القرن المنصرم اختبرت أُروبّا من المذاهب الفلسفيّة المتدافعة البنيويّةَ والماركسيّة والوجوديّة. فحاول أن يتصدّى لها بالاستناد إلى إيمانه المسيحيّ المستنير باجتهادات المجمع الڤاتيكانيّ الثاني وإسهامات اللاهوتيّين الغربيّين المعاصرين. إذا جازفت في الاستدلال على مواضع التأثّر، قلتُ إنّه أخذ عن البنيويّة تفكيك أثقال البنى المستترة التقليديّة المتوارثة التي تعطّل التجديد والتغيير، وعن الماركسيّة حرصها على ربط الفكر بالممارسة التاريخيّة الفاعلة، وعن الوجوديّة اعتناءها باختبارات المعاناة الحياتيّة التي يفترضها التنازع بين رفعة التطويبات الإنجيليّة وترابيّة الوضعيّة الإنسانيّة ورماديّتها الفحماء.
أمّا في لبنان فاختبر التحوّلات الفكريّة التي أصابت المجتمع في جميع حقوله. عاصر ارتدادات الإصلاح المجمعيّ الكاثوليكيّ الرومانيّ الخطيرة، فأدرك أنّ التريّث أفضل من التهوّر. كذلك إذا نظرنا في التيّارات الإيديولوجيّة الغالبة في العالم العربيّ المعاصر وتفحّصنا طبيعة سحرها الإغوائيّ، أدركنا أنّه لم يشأ أن يركب مركب القوميّات العربيّة أو السوريّة، كما فعل بعض الأساقفة واللاهوتيّين الملكيّين وغير الملكيّين، ولم يرضَ أن يهادن الأصوليّات الدِّينيّة بحجّة ضمان البقاء الجسديّ في أسرٍ من الذمّيّة عفتها ريحُ الأزمنة، ولم يستحسن الاستغراق في إصلاحيّةٍ لاهوتيّة جذريّة اختبرتها بعض حركات التحرّر في بيروت في الستّينيّات والسبعينيّات من القرن المنقضي أوشكت أن تقضي على البديهيّات الأساسيّة وتعطّل الانتماء الفرديّ السليم إلى الجماعة. أوجزت بهذا السرد مشهد التحوّلات الجسام التي كانت الكنائس الشرقيّة تواجهها وتحاول أن تتصدّى لآثارها وتداعياتها. ومن ثمّ، تجلّت سماتُ الاعتدال الفكريّ في مواقف المطران بسترس حكمةً وتروّيًا وتدبّرًا صبورًا، خصوصًا إذا ما قورنت ببعض السيَر الكهنوتيّة والأسقفيّة التي اختارت آنذاك نهج الكاريزميّة الإصلاحيّة الصوفيّة أو سبيل التطلّب الجذريّ والتطهّريّة المثاليّة الطوبَويّة، في حين أنّ المطران بسترس ما برح يناضل في خفر عظيم من أجل التغيير التدرّجيّ السلميّ الذي يوازن بين مقتضيات الإصلاح وضرورات صون الهويّة. فلم يؤخذ عليه رأيٌ متطرّف أو موقفٌ حادّ أو انفعالٌ تعطيليّ، بل اتّصفت أقواله ومسالكه بالتبصّر الفطن والهدوء الركين والسلام الوقور.
هذه هي الخلفيّة الفكريّة الناظمة في أعمال المطران بسترس. حاولتُ أن أرسمها رسمًا دقيقًا يبيّن جميع ملامحها من غير أن أستغرق في تفاصيلها وجزئيّاتها. قبل أن أختم، أودّ أن أستصفي بعض الآراء الثمينة التي أفرج عنها المطران بسترس في تعيين مقام اللاهوت وهويّته ووظيفته وتحديد مسؤوليّة علماء اللاهوت، تاركًا للمحاضرين مهمّة الاعتناء بحقول أخرى من اجتهاداته الفكريّة. منذ زمن الدراسة اللاهوتيّة انصرفت إلى قراءة مؤلّفات المطران بسترس. غير أنّي اليوم لن أستنطقها كلّها، بل سأكتفي باستقراء مضامين المحاضرة التي بها استهلّ الأب بسترس أعمال المؤتمر اللاهوتيّ الأوّل المنعقد في معهد القدّيس بولس في تشرين الأوّل 1987 بفضل جهود الأب سِرج دسّي وكوكبة من أساتذة علوم اللاهوت والعلوم الإنسانيّة. ذلك بأنّها تختزن عصارة التصوّر الفكريّ الناظم في جميع أعماله اللاهوتيّة. ميزتها أنّها توجز أساسيّات علم اللاهوت، أو ما يدعى علم الأصول اللاهوتيّة الذي أعرّفه حقلًا من التدبّر الفكريّ يتقصّى تسويغ الإيمان المسيحيّ تسويغًا عقلانيًّا، بحيث يستجيب لمتطلّبات النموذج المعرفيّ السائد في زمن من الأزمنة ويراعي مقتضيات التماسك المنطقيّ الذي يجعل العمارة اللاهوتيّة جديرةً باحترام العقول المستنيرة من غير أن يفضي هذا الاجتهاد حتمًا إلى الإقناع فالتصديق فالمبايعة. إذا فاز المرء بالإدراك التأسيسيّ هذا، استطاع أن يتبصّر في سائر حقول الفكر اللاهوتيّ المبنيّ أصلًا على تعزيز صدقيّة الوحي الإلهيّ. ومن ثمّ، سأكتفي باستجلاء كيفيّات هذا التأصيل من غير أن أخوض في إسهامات بسترس الأخرى المرتبطة باللاهوت العقائديّ واللاهوت الأخلاقيّ واللاهوت المسكونيّ واللاهوت الحواريّ.

الاعتصام بلاهوتٍ تنزيهيّ
في عُرف العلّامة الملَكيّ، اللاهوت فكرٌ يُبنى على سرّ التجسّد الذي يرسم “لأيّ كلام لاهوتيّ موضع الانطلاق ويؤيّده بالأصل الثابت”، على نحو ما جاء في المحاضرة المذكورة. لكي لا يتحوّل الكلام اللاهوتيّ إلى تفكّر فلسفيّ محض أو تأويل إيديولوجيّ مغرض، ينبغي الاعتصام بلاهوتٍ تنزيهيّ يكفّ عن ادّعاء معرفة الله ويقتصد في تعيين المشيئة الإلهيّة: “فلكم من تصوّر بشريّ أفسد وجه الله في تاريخ الأديان! ولكم من خطاب لاهوتيّ شوّه الله حتّى في تاريخ المسيحيّة نفسها!”. ومن ثمّ، يجدر بالمسيحيّين الشرقيّين أن يسألوا أنفسهم عن تصوّرهم اللاهوتيّ الراهن، وكذلك عن مقام اللاهوت في معترك وجودهم التاريخيّ. إذا أردنا أن نستخلص سمات اللاهوت الذي يناصره المطران بسترس، قلنا أوّلًا إنّه لاهوتٌ تنزيهيّ يقتصد اقتصادًا حكيمًا في رصف الأقوال النافلة في الله وطبيعته ومشيئته وتدبيره وخططه. التنزيه ينفي الصفات التجسيميّة، فيحرّر الله من أصنام تصوّراتنا، بحيث نكفّ عن إسناد مشيئتنا إلى الاقتدار الإلهيّ، كأن ننسب إلى الله تشبّثه بهذه العقيدة أو تلك، أو تمجيده هذه الشخصيّة أو تلك، أو تحريمه هذا المسلك أو ذاك، أو تفخيمه هذه الطقوس أو تلك، أو حرصه على استنقاذ هذه المؤسّسة أو تلك. لقد أدرك المطران بسترس أنّ الله ليس كمثله شيء وأنّ حكمته تتخطّى تخيّلاتنا العزيزة على وجداننا، فاعتصم بلاهوت تنزيهيّ شعارُه “الاقتصاد في الاعتقاد”.
أمّا التحدّي الأخطر فيمسك به المطران بسترس حين يهزّ الوجدان المسيحيّ الشرقيّ: “إنّ الشرق المسيحيّ المعاصر يتحدّانا، نحن معشر اللاهوتيّين، الذين وقفوا حياتهم على خدمة التكلّم على الله. إذا كان الله الذي نتكلّم عليه هو الإله الحقّ، فإنّ كلامنا ينبغي أن يكون فاعلًا، أي يجب أن يغيّر بعضًا من واقع هذا العالم”. أعجبني الربط السببيّ هذا بين صحّة الكلام اللاهوتيّ وفاعليّة التغيير الواقعيّ، إذ يجعلنا نستخرج السمة الثانية في لاهوت المطران بسترس، عنيتُ بها صفة الفاعليّة الإصلاحيّة التغييريّة. فاللاهوت إمّا أن يتحوّل إلى فعل ارتداد وإصلاح وإنهاض وتغيير، وإمّا أن يسقط في متاهات النظر التجريديّ العقيم. أعود إلى المعادلة التي صاغها بسترس: فإمّا أن يكون كلامنا في الله خاطئًا لا يُفصح عن الحقّ، وإمّا أن يكون الانتقال من الكلام اللاهوتيّ الصحيح إلى الالتزام الإنجيليّ الإصلاحيّ معطّلًا بأثقال البنى الظالمة الضاغطة وانسداداتها المهلكة. لا ريب في أنّ المجتمعات الإنسانيّة لا تملك القدرة الآنيّة والمسافة التاريخيّة النقديّة اللتَين تتيحان لها أن تحكم على صوابيّة خطابها اللاهوتيّ وتَكلّمها على الله. ما إنْ يدرك الناس أنّ تصوّرهم اللاهوتيّ خاطئ حتّى تكون قرونٌ قد انطوت، وأجيالٌ قد مضت، ونفوسٌ قد زُهقت ، ومواهبُ قد بُترت، ومؤسّساتٌ قد انهارت! ولكن لنفترض أنّ بعضًا من كلامنا اللاهوتيّ صحيح في الزمن التاريخيّ الرديء الذي نعانيه في الشرق المعذّب هذا، فما الذي يمنع، بحسب معادلة المطران بسترس، من أن تقترن صحّة الكلام اللاهوتيّ بنجاعة الفعل التغييريّ؟
في المحاضرة الافتتاحيّة عينها يوضح المطران بسترس أنّ بشرى الإنجيل التي أذاعها السيّد المسيح “ليست بشرى مثاليّة أو تملّصيّة (velléitaire) مُعدّة لمستقبل مجهول، بل بشرى واقعيّة جُعلت للزمن الحاضر الذي يحيا فيه المعوزون”. ولا يلبَث أن يستعين باجتهادات لاهوت التحرّر، معلنًا أنّ صدقيّة البشرى لا تقتصر على إذاعتها، بل تشمل أيضًا إنجازها الفعليّ، إذ “لن تكون هذه البشرى صالحة إلّا على قدر ما تحقّق ما تبشّر به من تحرير المقهورين”. ومن ثمّ، لا يستقيم القول اللاهوتيّ إلّا إذا اقترن بتحرير الإنسان، على غرار المسيح الذي قال الله قولًا بليغًا استثنائيًّا وجعل الله في القول عينه هذا واقعًا متجسّدًا في حياة الناس. لذلك يجب علينا، بحسب المطران بسترس، “أن نعيد بناء لاهوتنا وفاقًا لأبعاد هذ التخطيط، لكي يحلّ الله فعلًا في حياة الناس، ولكي يصبح كلامُه الذي يروم اللاهوتُ أن يُفصح عنه كلامًا يستجيب حقًّا لحاجات الناس الذين يخاطبهم”. واضحٌ إذًا الرباط الوثيق بين الكلام اللاهوتيّ والالتزام الحياتيّ، بحيث يتحوّل الإنسان اللاهوتيّ إلى مناضل سياسيّ يدرك السياسة التزامًا واعيًا مسؤولًا يرمي إلى نصرة قضايا الإنسان الجوهريّة.
في ختام المحاضرة الافتتاحيّة التي تنطوي حقًّا على خلاصة التصوّر اللاهوتيّ الناظم في فكر المطران بسترس، يسأل الأب اللاهوتيّ عن جدوى إنشاء مركز لاهوت جديد في الشرق، في حين أنّ لبنان يعاني ويلات الحروب والتهجير والفقر والاضطراب الاجتماعيّ. أمّا جوابه فأتى مزيّنًا برجاء الإيمان القادر على تغيير الواقع الأليم: “هذه المشكلات واقعيّة تستوجب حلًّا مُلحًّا مستعجَلًا. غير أنّ هذا المركز يرمي، على وجه الدقّة، إلى بناء لاهوت خليق بمساعدتنا في التصدّي للمشكلات المباشرة الملموسة هذه”.
أمّا السمة الثالثة فتتجلّى في البُعد المسكونيّ الذي يتسربل به لاهوت المطران بسترس. لا ريب في أنّ مسكونيّة هذا اللاهوت تجعله يتجاوز الاختلافات العقائديّة النسبيّة ليستصفي جوهر الإيمان المسيحيّ ويقيمه أصلًا مكينًا يهتدي به المسيحيّون في اختبارهم الإيمانيّ الأرحب. في المحاضرة عينها يعلن المطران بسترس أنّ الحقّ الإلهيّ يعلو على النسبيّات التاريخيّة. فيسأل سؤال العارف الساعي إلى المكاشفة الحرّة الهنيّة: “ماذا يعني اليوم أن نذيع كلام الله وأن نذود عن الإيمان المسيحيّ؟ إنّنا جميعًا مدعوّون إلى تدبّر هذه الأسئلة، فنفكّر معًا، نحن معشر الكاثوليك والأورثوذوكس والإنجيليّين، مُرجئين الحُكم على اختلافاتنا العقائديّة. […] نريد أن نتجاوز هذه الاختلافات حتّى نبحث في اللاهوت لنستفسر كيف يمكنه أن يمنح الإنسان المعاصر الحياة أو إلى أيّ عمل مشترك يستحثّنا، على الرغم من اختلافاتنا”. ليس من نصّ لاهوتيّ مسكونيّ أبلغ من هذا القول الذي يُصرّ على استنهاض همم الجميع من أجل إحياء كلمة الله في تضاعيف المعاناة البشريّة، من غير أن تُهمَل مسائل التباين العقائديّ التي يستطيع أهل الاختصاص الدقيق أن يعالجوها في مجالسهم العلميّة، بحسب ما يقترحه بسترس في هذا النصّ. ربّما يسأل بعضكم: من أين أتى اصطلاح “المرجئة” في النصّ الفرنسيّ؟ الحقيقة أنّي ارتأيته أفضل عديلٍ للعبارة الفرنسيّة التي يستخدمها بسترس في نصّه (mettre entre parenthèses). أفلا يجدر بنا أن نضع بين هلالَين، أي بالعربيّة الفصحى أن نعلّق كثيرًا من تصوّراتنا وأحكامنا حتّى ننصرف إلى الشهادة الأشدّ وطأة وإلحاحًا، عنيت بها استنقاذ المعيّة الإنسانيّة في لبنان ومجتمعات الشرق المسيحيّ المعاصر؟
بفضل السمات الثلاث هذه، أخذ المطران بسترس يُعمل فكره اللاهوتيّ باجتهاد حثيث، متدرّعًا بالحصافة والرصانة وثقوب النظر، فأوجد بنضاله شيئًا كان لا بدّ من استحداثه وسدّ بما بذله عوزًا كان لا مناص من سداده. فقام في الناس واعظًا مرشدًا هاديًا، من بعد أن استولت على حياته فكرة الملكوت ينغرس انغراسًا في وعي الإنسان. ومن ثمّ، حين نتحدّث عن عالم اللاهوت الرائد هذا، يمثل أمام أعيننا جزءٌ مشرقٌ من الماضي القريب، عصر الروم الملكيّين الذهبيّ الذي يكاد يُغرقه في لجّة النسيان إهمالُ المسؤولين ولامبالاةُ عمّال الملكوت. وبعد، فماذا أستطيع أن أنقل إليكم من هذا النهر في دقائق محسوبة، وليس في يدي إلّا صَدَفة لا تسع منه سوى بضع قطرات! خليقٌ بنا أن نهتدي بهذا المثال، ونحن، معشر اللبنانيّين على وجه العموم والمسيحيّين على وجه الخصوص والروم الكاثوليك على الأخصّ، ملَلٌ متفرّقة، وأهواء منتشرة، وجماعات مشتّتة. فأيّ شيء أحسنُ ترويضًا لمداركنا من الصفاء اللاهوتيّ هذا وأيّ أمر أعملُ في التقريب بيننا من ثقافة الرقيّ الفكريّ هذه!
***
*القيت كلمة الدكتور مشير باسيل عون في الندوة التي أقيمت في حريصا، بتاريخ 24 تشرين الأوّل 2026، تكريمًا للمطران كيرلّس سليم بسترس، رئيس أساقفة بيروت وجبيل وتوابعهما (سابقًا).



