نعيم ضومط في محترفه… فرادة العمل وأناقة الحضور
جوزف أبي ضاهر
المميزون في عطاءاتهم يعشقون الضوء في أعمالهم، ويعطونه مكان الصدارة في أعمالهم، ولكنهم لا يسعون إليه طمعًا في شهرة. إنّهم نسّاك محترفاتهم، ولوحاتهم ومنحوتاتهم وكتاباتهم، يعملون بجديّة احترافية، لا تؤثر على مزاجية الموهبة، التي تظل هالة لا تلمسها يد غريبة. (https://www.costulessseguros.com/)
مرّ هذا الكلام في بالي وأنا أغادر المحترف الجديد للرسام والنحات والمعلم نعيم ضومط، المنحني على نفسه بصمت الكبار، يبتكر، يؤلف، يبدع، تاركاً الرأي في ما أوجد لاثنين: عشاق الأعمال الراقية، والزمن.

***
زرته في محترفه (في أدونيس) مدفوعًا برغبة اللقاء والمحادثة، وأكثر، برغبة الاطلاع على جديده المستمر، في خط تصاعدي نحو آفاق التطور المعرفي والتقني، وهو ما توقف يومًا، مذ أكمل اختصاصه في ايطاليا، عن مرافقة كل جديد تأتي به التجارب، وبذلك يغني ثقافته، ويسهّل على طلابه اختيار الدّرب المؤدية الى الإفادة من الخبرة والثقافة معًا، فينجح بينهم من أعطى موهبة وصبرًا.

***
الداخل الى المحترف يأخذه البياض لونًا ومساحة، فترتاح العين، وتريح الذات المتلقّية لتقرأ على مهل، وبعمق، أعمالاً توزّعت في كل الأمكنة، لوحات معلقة، ومنحوتات منتصبة على الجنبات، وكلها تنده، وتغري للاقتراب منها، ومحاورتها، ولو صمتًا ظاهريًا، وهي لا تخفي فرادة في الموضوع، ولا في أسلوب التعامل مع المادة، لونًا وخشبًا وبرونزًا وحجرًا (الأقل في المحترف).

***
رسوم نعيم ضومط تتميز بالهدوء في تزاوج لوني بسيط، فلا زخرفة، ولا رقشات حادة أو قويّة صادمة. ولكها تعبّر عن هويتها الدالة على انها مشاريع منحوتات، وربما تشابهًا مع خصوصية المنحوتة في الأحجام وتحديد الضوء والظل والانحناءات التي لا تزيد عن حدّها، وتبقى الخطوط واضحة لمعالم موضوع عام التزم به الفنان، وهو الانسان في وجوه مختلفة، ومراحل متعددة، ومناخات متقاربة أو متباعدة، وأيضًا قد تكون على طرفي نقيض: القوة والغضب والحرب (لوحة أبناء مارس إله الحرب) والحب والجسد والمرأة المتصدّرة رشاقة، والمتجذرة عميقًا في القلم اللوني والريشة و«الضربات» التي لا تبوح بسرعة وضعها في العمل الفني.
حرر نعيم ضومط الألوان من التزاحم بين بعضها بعضًا، وأعطى لكل لون حضوره التام والكامل، وحتى الحبر الصيني، على وفرته، جعله لونًا، ولفت في أعماله الكثيرة المنفذة بقلم «الحبر الناشف» مع إدخال ألوان (باستيل) عليها، وهو في «الكل» ذاته التي لا تتغير ولا تتبدل، ولا تروح في مغامرات خارج المألوف، نراها عند غيره، وتظهر نافرة.

***
الهدوء في شخصية نعيم ضومط، والانشداد الى الأناقة ظهرا في منحوتاته المجسدة أشكالاً لنساء كثيرة، وكلهن واحدة.
عمله في الخشب، على تنوع الخشب، فيه دقة متناهية، وبخاصة حين يجعل «قامة» المنحوتة بحجم «قامة» الزنابق على ضفتي نبع، وهو ارتوى من هذا النبع، وظلت في نفسه رغبة الى القامات المشيقات، حتى إذا أراد أن يترك هذه القامات وحيدة من دون توقيعه، في أمكنة عامّة، ومختلفة يعرف المتطلع فيها أنها له، من صنع يده، وتحمل بعض صفاته، وبعض ملامحه.
نظافة العمل النحتي عند ضومط، هي صفة أساس، مثل الدقة، ومهارة التنفيذ، تلازم الرسم أيضًا، والعمل في البرونز، وحتى في التخطيط الأولي لجدرانيات، تستحق الوقت الكافي للوقوف أمامها، والنظر الى ما يمكن أن تصيره لاحقًا.

***
مئات اللوحات، مئات المنحوتات، مئات التخطيطات… ومئات الأفكار والتصورات، والأحلام، وكلها تمرّ مسرعة أمام زائر المحترف، فينسى الوقت، ويشعر، انه خارج إطار العادي، على كثرته، في حياته اليومية.
وأما حديث ضومط عن الفن، والتدريس، والذكريات والأصدقاء، فيقترب من المشاعر، وتُفتح دفاتر الأيام على الجمالات فكرًا وفنونًا، وهي كانت أساسًا في هويتنا، وما تزال، وبها نستطيع أن نواجه كل البشاعات التي نتعرض لها.
نعيم ضومط في محترفه الجديد، يفتح الباب على أمرين: أن يكون لكل فنان محترفه وهو شبه متحف خاص، وأن تعمد الدولة، بعد استرجاع عافيتها وحضورها، على ايجاد متحف عام يضم كل هذه الثروات من الفنون الجميلة، التي تتباهى بمثيلات لها كل الدول الراقية.







