سجلوا عندكم

عرش الوفاء في قصيدة “كان عندي بيت” لـ مريم رعيدي الدويهي

Views: 206

د. جوزاف ياغي الجميل

من زمان ما رجعتْ/تا غنّي تحت العريشه/والهوا ياخد المطرح/وياخدني من حالي…/والقمر ينزل من السما/تا يمشي قبالي.

من زمان ما تعلّمت حروف/وما طارو من دفتري الأخضر/جوقة عصافير/وغطّو عا حورة الشير…/وما شفت جبل عالي/وشمس عم تشلح/عا سطح البيت/ بلوزتها الحرير.

من زمان كان بيّي/يزرع بالسهل تفّاح/وعنب غالي/وكان الدهب يطلع بالحْقالي…/والجوهرجيّه/فلاّحين من ضياعنا الجبليّه…

وكانو بنات وصبيان/يهربو من المدرسه/تا يلحقو الرعيان…/وكنت إشرب من العين/اللي فوق حارتنا/ويتغزّل فيّي ابن جارتنا…/ويركض ورايي/عالدرب حفيان…

بتذكّر الغيمه/كيف كانت توقف/ عا باب الخيمه/تا تحكي معنا…/ومن وقت ما تودّعنا…/لا بتعرف وين صرنا/ولا بتسأل عن وجعنا…

من زمان كان عندي بيت/وهلّق صار البيت مهجور/وما في حدا/إلاّ سطيْحة منتور/بتلعب فيها الريح/وبتنصب مراجيح/ومرجوحتي أنا السفر…/ومركبي عا شطّ بعيد/مكْسور.

مريم رعيدي الدويهي

***

في القصيدة بنيتان تتصارعان، تتكاملان، تتوازيان. هما بنية الأمس/اليوم، وبنية البيت/البحر.

في قصيدة مريم رعيدي الدويهي رحلتان في الزمان والمكان.

الرحلة الزمانية سفر مزدوج الاتجاهين: من الماضي إلى الحاضر في مسار تصاعد ي، عبر السفر. ومن الحاضر إلى الماضي، عبر الذكريات. أما الرحلة المكانية فهي في اتجاه واحد، إلى ما وراء البحر،إلى الشاطئ البعيد، حيث انكسر المركب، وفقدت الشاعرة الأمل بالعودة.

في قصيدة الدويهي تواز بين الحلم والواقع.  الحلم يعيدها إلى موطنها، بيتها. والبيت له موقع في القلب والضمير. إنه البيت الأول، والحب الأول. (https://shlohmo.com) البيت الذي قال فيه الشاعر العربي:

“كم منزل في الأرض يألفه الفتى/وحنينه أبدا لأول منزل”.

ولكن بيت الشاعرة انتقل من الحلم إلى الواقع، من أحلام الطفولة إلى واقع الشباب. غدا بيتا مهجورا، طللا دارسا تقف عليه الشاعرة، تبكي وتستبكي، وتثير فيها الذكريات الحنين.

بنية القصيدة تتكون من ستة مقاطع بعدد أيام الخلق. ولكن الشاعرة لم ترتح في اليوم السابع، بل بدأت مرحلة العذاب. مقاطع قصيدتها الستة أصبحت بالنسبة إليها أشبه بالوحش الأسطوري سكيللا الذي واجهه أوديسيوس في الأوديسة. وحش له ستة أعناق طويلة، تحمل السم الزعاف، سم الهجرة والبعد عن بينلوبي الوطن/ البيت الخالي إلا من الرياح.

مريم الدويهي في قصيدة حنينها هذه تحاكي أوديسيوس. ولكن الفارق بينهما أنه أبحر عائدا إلى وطنه وبيته. أما الشاعرة فمركب عودتها مكسور، ومرمي على الشاطئ البعيد.

في عملية  الخلق الإلهي، في ستة أيام، تم خلق الكون، بما فيه من كائنات وصولا إلى الإنسان. 

أما فعل الخلق الدويهي فكانت نتيجته خلق قصيدة الحلم والغربة والحنين. خمسة مقاطع للماضي/الحلم الجميل ومقطع سادس فيه عودة إلى أرض الواقع، إلى مكانين فارغين يختصران غربة الشاعرة وحنينها: بيت مهجور في الوطن

“ما في حدا” ومركب مكسور وراء البحر/ومركبي عا شطّ بعيد/مكْسور”.

المركب وسيلة العودة، الرابط الوحيد بين الغربة والوطن. وقد انكسر فانتهى حلم العودة. ولكن إلى أين تعود؟ وبيتها صار مهجورا تعشش فيه الرياح. والرياح عنصر هوائي يدل على اضطراب وفراغ. إنها مشاعر الإنسان الصاخبة، تعبر الأمكنة، تغير معالمها، وتحمل أوراق الأشجار الى البعيد. قد تتحول إعصارا لا يبقي ولا يذر. وهكذا الغربة.

في أرض الحلم “العريشة.. والقمر.. وجوقة عصافير، وجبل عال وشمس. والدها والعنب والفلاحون والرعيان والعين والغيمة…

في أرض الحلم لقاء بين عالمي الأرض والسماء، الطبيعة اللبنانية القروية بجمالاتها النقية التي لم تشوهها المدنية المزيفة. طبيعةٌ أبطالُها الرعيان الذين ظهر لهم الملاك، مبشّرا بولادة المخلص. قادتُها الفلاحون الذين بخيمياء قلوبهم الطاهرة، ونواياهم الصادقة،يحولون العناقيد، بل التراب، إلى ذهب محبة وألق إبداع.

وفي الأعلى غيمة تظلل الذكريات. إنها غيمة الذكريات- بل أمل العودة- تلوح في الأفق، مرهصة بعودة كريمة، قريبة، إلى سماء الوطن/ الحب/ الأحلام.

أما في أرض الواقع، فليس هناك سوى مركب مكسور. إنه مركب القلب الشريد، في عالم بلا قلب، سطحي الأفكار، حيث لا “سطيحة منثور” ولا “مراجيح” تعبث بها الريح. والريح روح الأمكنة، بل عبقها، في القلب والضمير.

مريم رعيدي الدويهي، عميق حزن غربتك، ومؤلم. رائع حنين محبتك، ومولم. تنشدين لنا سمفونية الحنين والأنين. تعزفين على أوتار محبتك أناشيد العاشقين. ويزهر الرجاء وسط دوامة/أرجوحة  الشك واليقين، على أمل أن يصلح المركب المكسور، فتعودي إلينا، بل يعود إلينا الوطن الجنان، فيجلد  لصوص الهيكل، وتصدق الأحلام.

كان لك بيت هو الوطن، عبثت به الأعاصير/الأحقاد. خطفه البحر القرصان. ولكنه سيعود،  “قطعة سما ع الأرض”، بفضل إبداعك والآلاء، بفضل أبنائه الأنقياء.  وإلى ذلك الحين، لك في وطن قلوبنا والضمائر، عرش حب وشوق ورجاء، يا مريمة الوفاء والإيمان والفداء. 

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *