سجلوا عندكم

العلاّمة الشيخ سُليمان الأحمد مُفجِّر ثورة عقليّة في غياهب البيئة العلويّة!

Views: 1237

  د. مصطفى الحلوة

نائب رئيس “الاتحاد الفلسفي العربي”  

منذُ أسابيع معدودات ، طَلَبَ إِليَّ فضيلةُ الشيخ د. شادي مرعي أن أتناول ، عَبْرَ مُطالعةٍ نقديَّة ، مقاربة العلاّمة الشيخ سليمان الأحمد “لزوميات” أبي العلاء المعرِّي ، فلبّيتُ طِلبتَهُ ، ولنغدوَ إِزاء ما يُدعى عمليّة النقد على النقد . 

هكذا ، أنجزتُ دراسة مُسهبة ، من إحدى وثلاثين صفحةً ، بعنوان : “موقع العلاّمة الشيخ سُليمان الأحمد من الفكر العلائي ، والجديدُ لديه في مُقاربة اللزوميات”. 

لقد دخلتُ معمعة المعرِّي / الأحمد ، حين وقعتُ على النداء ، الذي توجّه به الباحث مرعي ، عبر الجزء الأوّل من موسوعته في العلاّمة الأحمد، داعيًا الشباب العلوي ، أو غيرهم من مُحبِّي الأدب النقدي ، كي يقوموا باستعراض آراء السادة الأدباء، الذين تناولوا الأدب العلائي ، بدراسات أدبيّة مُقارنة مع آراء العلاّمة الأحمد. 

 

إضافة إلى هذا النداء ، الذي فعل فعله فيَّ – وأنا المُبتلى بلوثة النقد الثقافي المعرفي – فإنّ ثمّة دافعًا وجدانيًا حرّضني على خوضِ غمار ذلك التحدِّي ، لم أَبُحْ به للصديق مرعي ، ما فتئ يعتملُ في داخلي ، منذ أن فتحتُ عينيَّ على النور ، في حيٍّ وادعٍ هانئ ، بباب التبّانة ، يُطلقُ عليه “شارع الحاج زكي الإِمام” ، وهو أحدُ مُتفرِّعات “بعل السراقبة”! 

كانت تقطنُ ذلك الحيّ عائلاتٌ ، تنتمي إلى الطائفة السُنِّية ، إلى جانب عائلاتٍ من الطائفة العلويّة ، تتساويان في حجمهما السُكّاني ، حيث نُسجت علاقاتُ وُدٍّ يوميّةٌ تفاعليّةٌ بين هاتين الجماعتين ، شكَّلت إِحدى مشهديّات العيش الوطني الواحد، في طرابلس الفيحاء ! 

وعن سُكنى أهلي ذلك الحيّ ، فقد كان المرحوم جدِّي لأمِّي ، قد ابتنى ، أربعينيات القرن الماضي ، عمارة من أربع طبقات ، خصَّ المرحومة والدتي ، ابنته البكر ، بالطبقة الأخيرة ، مع سطيحة فسيحة ، وذلك حين دخل المرحوم والدي “صهرَ بيت” على عائلة جدّي ، بحسب التعبير الطرابلسي! 

 

في ذلك الحيّ ، عُقدت بين فتيانِهِ صداقاتٌ ، بريئةٌ من دنس المصالح النفعيّة الضيّقة ، زادتها وثوقًا مرحلة التلمذة ، إذْ ضمّتنا “مدرسة لقمان الرسمية للبنين ” ، التي تعاقب على إدارتها المرحوم الحاج سميح المولوي ، والمرحوم الحاج غيّاثي بارودي وسواهما من الرعيل التربوي الأوّل، الذي زرع فينا منظومةً من القيم الأخلاقية السامية ، لعبت دورًا وزانًا ، في تشكيلنا الفكري والخُلُقي ، أحد عناوينها : قبول الآخر المختلف! 

في حزيران من العام 1967 ، تقع الواقعة ، التي أسّست لكل الهزائم العربية المتعاقبة . وقد كابد لبنان الكثير من الويلات ، كونه الخاصرة الرخوة لهذه المنطقة . 

كانت صراعاتٌ اجتاحت ساحتنا ، وأفضت إلى “خربطة” الديموغرافيا اللبنانية، لم ينجُ منها “شارع الحاج زكي الإِمام “. 

راح ذلك الحيّ المتآلف بعائلاته ، يفقد روحه ، حين غادرته العائلات العلويّة تباعًا ، صعودًا إلى جبل محسن ، وتوجّه بعضها إلى الساحل السوري . ومع انطلاقة حرب الستين (1975-1976) ، كان لهذا الحيّ أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ، إذْ راح يفرغ من العائلات السُنيّة البورجوازية ، وكانت أسرتنا قد تركت الحيّ ، في العام 1968 ، فيمّمت شطر الزاهرية ، ومن ثمَّ إلى طريق المئتين . 

ولأنّ الطبيعة تكره الفراغ ، فقد كان البديل من العائلات المغادِرة عائلاتٍ من الأقضية المجاورة ، فتريّف الحيّ ، واتَّسم بنقاء طائفي أحاديّ ، وغدا مرتعًا لعشرات العاطلين عن العمل ، وبؤرةً للمنحرفين ، ووقع في أسار جماعة “مافيوزيّة”، تتحكّم به ، وتعيث فيه فسادًا وإِفسادًا ! 

أيُّها الأحبّاء ، 

لقد شعرتُ ، وأنا المسلمُ السُنِّي ، الفقير إليه تعالى ، بأنّ القَدَرَ قد ندبني لوضع هذه الدراسة ، التي تُسلِّط الأضواء ساطعةً ، على العلاّمة الأحمد ، وهو من كبار علماء الطائفة المسلمة العلويّة ومُصلحيها ، وذلك بدفع وتشجيع من قِبَل عالِمٍ مسلمٍ علويِّ هو د. شادي مرعي ، أخي في الدين ونظيري في الخَلْق ، وكلانا من أرومةٍ “تبّانيةٍ” واحدة ! 

 

هذه الدراسة هي بمنزلة شهادة لروح ذلك الحيّ ، ولكلِّ الأحياء التي تُحاكيه.. ولا عجب، فللأمكنة أرواحٌ تنبضُ بنبض ساكنيها وتُحتضَرُ برحيلهم عنها. 

… وإذْ أعبُرُ إلى الشَقّ الأكاديمي من كلمتي ، ففي مقاربتي العلائيّة/ الأحمديّة، تساءلت : هل أتى العلاّمة سُليمان الأحمد ، أبا العلاء المعرِّي عَرَضًا ، أم أنّه حطّ الرحال لديه ليتعمّقه إِِثر دعوة “علائيّة” ، ضجّت في كيانِهِ ، فلبّى النداء، لما بين الاثنين من استمساك بقيم أخلاقية مشتركة ، وتقاطع في النظر إلى الحياة والمجتمع ، وقطيعة مع الدنيا ، ومن تضلُّع في ميدان الأدب والفلسفة وعلوم الباطن.

إذْ كل أولئك وسَّدَهُما مرتبةً علِيَّةً ، في سُدّة الفكر ، فكانت نظراتٌ مُتبصِّرةٌ، مخرت بهما بعيدًا ، في أوقيانوس المعرفة ، وباتا ، بقدر معيّن، وجهين لـِ “عملةٍ” فكرية واحدة ! 

إنطلاقًا مما سبق ، نجدُنا مسوقين إلى التعرّف على الشخصية “الأحمديّة ، بما تكتنز من نزوع عقلي ، وعمق فكري / فلسفي ، إلى تبحُّر في اللغة وفلسفتها ، لبلوغ معنى المعنى ، ناهيكَ عن الدور الرسالي ، الذي أدّاه ، في المجتمع العلوي ، إِبّان النصف الأول من القرن الماضي ، حيث كانت الغلبة للعقليّة الغيبيّة وللجهل، وللعادات والتقاليد البالية ، التي تدفع بهذا المجتمع إلى مهاوي التخلُّف . 

وإذْ نتقصّى الشخصية الأحمديّة ، لا بُدَّ بداءةً من التوقُّف لمامًا عند “البروفيل” (Profile) العلائي ، إذْ نقرأ فيه الكثير من سِمات هذه الشخصية. 

لقد رأى المعرِّي إلى العقل إِمامًا هاديًا إلى المعرفة الحقّة ، والكشف عن الحقيقة ، مُخضعًا النقلَ للعقل ، ولم يرتضِ سوى العقل حكمًا . هكذا كانت أقوالٌ في الانتصار للعقل ، في رأسها هذا البيت الشعري الجامع “كذبَ الظنُّ لا إِمام سوى العقل / مُشيرًا في صُبحِهِ والمساء ” . ومن موضع آخر ، نقرأ للمعرِّي : “فشاوِرِ العقلَ واترُكْ غيره هدرًا / فالعقل خيرُ مُشيرٍ ضمَّهُ النادي ”  إلخ . 

وفي قبضنا على النزوع العقلي المتأصِّل لدى العلاّمة الأحمد ، ثمّة عشرات الشواهد الشعرية ، التي تكشف اللثام عن اطِّراحه الأوهام ، وكلّ ما هو مُناقضٌ لأحكام العقل . ولقد أعلنها الأحمد حربًا شعواء على الجهل والتخلُّف والتدجيل والكذِب على النساء ، والثورة على بعض الموروثات ، وعلى العقليّة الغيبيّة المُترعة بالخرافات والتُرّهات ، والتصوّرات والتهيّؤات الخادعة ، التي لا تأتلف مع المنطق . 

إِسنادًا لهذا النزوع العقلي ، لدى العلاّمة الأحمد ، يذهب الباحث مرعي إلى أن الأحمد : “حطّم أسوار العالم الغيبي ، من جنٍّ وتوابع ، واخترق أسوار العالَم الروحاني ، من تنجيم وشعوذة ، وما نشأ منها من ترويج مرعب لإصابة العين الحاسدة ، وكرامات ، وقد جاوزت حدّ الخيال ” (أنظر الموسوعة ، الجزء الأول، ص 70 ) .

جرّاء المواجهة الضروس ، مع أصحاب البدع وناشري الخرافات ، لقي الأحمد الأهوال ، وذلك لتسفيهه هؤلاء جميعًا ، و”قطع رزقتهم” ، وخفضِ مكانتهم المعتبرة ، بين جمهورهم الساذج ! 

ومما يمكن التمثُّل به شعرًا ، من لدُن علاّمتنا الأحمد : “خلّوا العقولَ تجولُ في مضمارها / فالشرُّ كلُ الشرِّ في التضييّق ” / ” كلما انحطّت المداركُ تربو / بين أربابها فنون العرافةْ / إنّما الجنُّ والتوابعُ والتنجيمُ / في مذهبي حديثُ خرافةْ/ غلبَ الجهلُ بافتراها على العلم / شيوعًا والجهلُ للعلم آفةْ ” (راجع الموسوعة ، الجزء الأول ، ص 11 ). 

يتجاوز العلاّمة الأحمد البيئة العلويّة ، فيأخذ على الشرق غفلتَهُ ، إذْ تستعبدهُ الخرافات والأوهام : “عارٌ على الشرق أن يبقى بغفلتِهِ/ مُستعبَدًا لخرافاتٍ وأوهامِ ” (من ديوانه ، السفينة ) . 

وعن شهادات شعريّة ، أدلى بها عددٌ من تلامذته ، نكتفي باثنتين منها ، أولاهما للعلامة محمود سليمان الخطيب (1905 – 1978) ، نقتطف من قصيدة له: “بينما التُّرهاتُ تخترقُ البيدَ / وظلماؤها تُغشِّي البيدا / .. فإذا الجنُّ والأضاليلُ والظلمةُ / تهوي إلى الحضيض همودا / وإذا الشيخ ، فوق أنقاضها ، يرفعُ / صرحًا من العلاءِ مَشِيدا ” (الموسوعة ، الجزء الأولى ، ص ص : 17 – 18 ). 

ومن قصيدة تلميذه عبد اللطيف إبراهيم ، مُثنيًا على مواجهته الجهل ، ووضع أبناء جلدته على الطريق القويم ، طريق العقل : “أيّها القائد الذي / حاربَ الجهل وانتصر / إنّ للعلم قوّةً / تبعث الرعب والحذَرْ / أتناسيتَ يومَ كنتَ وحيدًا / تنقلُ الخطوَ في طريقٍ جديد / ضاربًا في الجبال ، تغزو الخرافاتِ / وما دار حولها من جمودِ ” (مسوّدة الموسوعة ، الجزء الثالث ، ص 432) . 

استزادةً من المسألة ، يُثمِّنُ د. ماجد الدرويش النزعة العقلية ، لدى العلاّمة الأحمد ، ومن شهادته نستلّ : كان يُحزنُهُ الوضع العام ، الذي آلت إليه أحوال الطائفة العلويّة ، من الاعتقاد بالخرافات والسحر ، وما شاكل ذلك ، فحمل لواء محاربة الجهل والتخلّف . وقد برز هذا المنحى في شعره : أكلّما جاء دجّالٌ بمخرقةٍ/صدّقتموه ، ولا تصديق إلهام  / جنٌّ وسحرٌ وتنجيمٌ وشعوذةٌ / وتابعٌ لأيامى أو لأيتام ” (الموسوعة ، الجزء الأول ، ص ص : 27-28 ) . 

 

في تصدِّي علاّمتنا الأحمد ، لنتاج المعرِّي ، لاسيما “لزوميّاته” ، لنا أن نتطارح السؤال الآتي – وهنا بيت القصيد العملاني – هل امتلك الأحمد العُدّة المعرفيّة ، من تبحُّر في اللغة العربية وقواعدها ، ومن زادٍ معجميّ زاخر ، وإبحار في مجال الفلسفة وتيّاراتها ، في زمن المعرِّي ؟ ناهيك عن الحركات الباطنيّة ، التي كانت لها يدٌ طولى ، في ساحة المعرفة ، ولاسيّما “إخوان الصفا و خلاّن الوَفا ” . إِضافةً إلى القدرة ، في إطلاق الأحكام الصائبة ، بعد قبضه على الأبعاد المعرفية ، لصاحب اللزوميات ؟ 

ذلك ما أكببنا عليه ، حفرًا وتحليلاً ، في مُراجعتنا النقديّة ، مستحضرين مفكرين مرموقين ، قاربوا المعرِّي ، في عِدادهم طه حسين ، ومعروف الرصافي ، والشيخ عبد الله العلايلي . وهذا الأخير هو أقدرُ من كشف عن حقيقة الأدب العلائي، في كتابه المشتهر ” المعرِّي ذلك المجهول !”. 

هذه المراجعة النقديّة ، وقد غدت مُلكًا مشاعًا ، هي في عُهدة الباحث مرعي، يُموضعُها حيثما يشاء ، في نطاق عمله الفكري الموسوعي الثرّ. 

ختامًا ، في عودٍ على بدء ، وانطلاقًا من إِيماننا بوظائفيَّة الفكر ، غير المؤدلج وغير الدوغمائي ، فإنّ مراجعتنا النقدية ، رُغم اندراجها في الإطار الأكاديمي ، لها ، في عُرفي ، وظيفةٌ ، تتمثّل في الشهادة للعيش الواحد ، بين مكوِّنين طرابلسيّين / شماليّين ، أمضيا أجمل الأيام وأسعدَها ، في رحاب “شارع الحاج زكي الإمام ” . 

ولسوف تكون عودةٌ إليه ، عبر سيرة ذاتية ، تُوثِّق محطّات من عهد الطفولة والحداثة ، عنوانُه – مبدئيًّا – “شارع الحاج زكي الإمام / حين حكى عيشًا وطنيًّا واحدًا!”. 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *