سجلوا عندكم

“يلا ندبك” حين تضرب الأرجلُ الأرضَ فتنتعشُ الذاكرة

Views: 769

د. رفيق أبو غوش

   بين أضواء الاستديو المبهرة وصيحات التصفيق والتشجيع، واجتماع المشاهدين على تنوّع مشاربهم وبلدانهم، يطلُّ برنامج “يلا ندبك” عبر شاشة الـ MTV ليقدّمَ أكثرَ من مجردِ مشهدٍ استعراضيّ ترفيهي، ويشكّلَ استحضارًا للهوية في زمن التشتت، ومحاولة ذكية لتصويبِ مسارِ أجيال “التيك توك” بـتحويلها من الانغماس في علبةِ الشاشة الصغيرة نحو التفاعل الهادف بالتراث، والخبطة التي كانت تهزُّ ساحات القرى اللبنانية قديماً حين كانت العافية وقودَ الشّباب وكبار السّن.إنها روح الضّيعة تتمدّدُ في شريان المدينة التي أثقلتها الحروب والزواريب والاصطفافات، وغيّرت من هويتها على امتداد عقود خلت.

   الجميل في البرنامج هي تلك الشحنة العاطفية التي أفرغها في قلوب المشاهدين، ومساحةُ الفرح التي أوجدها وأدخلها بيوتَ الملايين. والأجملُ، عندما تشاهدُ الشبابَ والصبايا يرتدون الزيَّ التقليدي، ويعيدون إحياءَ تراثِ الآباءِ والأجدادِ، ويتشابكون كتفًا بكتف، وجسدًا بجسد، تشعر أن الدبكة ليست مجرد خطوات تقنية، ولا استعراضاتٍ مشهديّة، إنّما هي رمزٌ للوحدة التي نحتاجها، وللفيء الذي التي يظلّلنا بدفئه في زمنِ تصحّر القلوبِ، واغترابها في صقيعِ المفارق.

   لقد نجح البرنامج في جعل “الدبكة” “ترندًا” (Trend) جميلاً، وأخرجها من إطار المناسبات الضّيقة إلى فضاء المنافسة الجماليّة، وكسرَ رتابةَ البرامج التسليعية والتسلوية الريعية لمصلحة البرامج الهادفة إلى إيصال رسالة السّلام والحبّ، وأوجد لنفسه مساحةً رحبة ازدانت بالمؤثّرات والإيقاعاتِ البصرية المبهرة، وأبرزَ الروح الشّبابية التي تتفاعل مع التّراث بروحٍ جديدة.

    ولم يكن برنامج”يلا ندبك مجردَ خانةٍ جديدة في جدول البرامج الترفيهية، بل جاءَ كفعلِ مقاومةٍ ثقافيةٍ مغلّفةٍ  بالموسيقى والفرح، في وقتٍ يغرق فيه العالم بالأنماط الفنية المعولمة، قرر البرنامج أن يعود بنا إلى الأرض، إلى ذلك الإيقاع الذي يسكن في دواخلنا، ليثبت، أن التراث اللبناني حاضرٌ بحضور أبنائه، ومهيّأٌ للاتّقاد حين تلفحهُ رياح العزيمة والإرادة.

    في “يلا ندبك”، تتجاوز المسألة حدود الرقص. إنها لحظة وجدانية بامتياز حين ترى شابًا في مقتبل العمر يتركُ الإيقاعات “الغريبة ليُفرغ طاقته في دبكة جنوبية، أو بقاعية، أو جبلية متدفّقة من دفاترِ الماضي الجميل.

  والدبكة هنا ليست مجرد حركة أقدام، إنّما هي لغة الأكتاف التي تسند بعضها بعضًا. هي رسالة مفادها أننا، برغم كل الانكسارات، ما زلنا نعرفُ كيف نلامسُ الأرض، ونتشبّثُ بروحها، ونعيدُ هيبة التراث، ونقول للأجداد: ما زلنا على عهد الجمال وعجقة الساحات. فهذه الروح الجماعية التي يبثها البرنامج تعيد إحياء مفهوم “الساحة” (الميدان) في الذاكرة اللبنانية، حيث كانت الدبكة والحوربة من وسائل التعبير عن النصر والابتهاج، والاحتفال بالمواسم وإظهار العنفوان.

   أما من منظور نقدي جمالي فقد نجح البرنامج  في تحويل الدّبكة من رقصة دائرية قد تبدو رتيبة أمام الكاميرا، إلى لوحات سينمائية استعراضية استخدام فيها المخرج زوايا التصوير المنخفضة التي أعطت الراقصين حضورًا مضاعفًا، وجعلَ “الخبطة” تبدو وكأنها تسونامي يجتاح الشاشة، ما جذب جيل الشباب الذي يبحث دائماً عن الإبهار والحضور، وأبان البعد الاغترابي (الجسر العابر للحدود). فالبرنامج لم يكن موجهاً إلى الداخل فقط، بل كان رسالة حب إلى المغتربين الذين رأوا فيه عودةً ولاّدةً إلى الجذور، وكأن الدبكة هي الحبل السري الذي يربطهم بأرضهم رغم المسافات، وقد نجح البرنامج في خلقِ حالةٍ شعبيةٍ؛ فلم تعد الدبكة حكراً على الاستديو، بل انتقلت إلى الشّوارع والمقاهي والسّاحات، ما يعني أن البرنامج نجح في “تأميم” الفرح وجعله متاحاً أمامَ الجميع.

    أما الموسيقى فقد وصلت جسرًا بين زمنين: التوزيع الموسيقي بحيث حافظ البرنامج على الآلات الأساسية (المجوز، الدّف، المنجيرة، والطبل وغيرها)، إلا أنهُ أدخل عليها توليفة معاصرة جعلها تليق بمسارح الإضاءة الحديثة دون أن تفقد بحّتها القروية الأصيلة. أما الإخراج والسينوغرافيا كعادة الـمحطّة فقد كان الإبهار البصري حاضرًا بقوة، وشلالات الأضواء تتدفّق من الجنباتِ كافّةً، والكاميرا تلاحق حركات الأرجل بدقة متناهية بحيث تضع المشاهد في قلب السّاحة.

   ويُحسبُ للبرنامج أنه سلّط الضوء على تنوّع الدّبكات، فلم يحصرها في قالب واحد، بل استعرضَ العرجة والموردة، والبداوية، والطيّارة. وهذا التّوسّع أعطى البرنامج بعدًا تثقيفيّاً، ووازنَ ما بين التقييم التقني الصّارم الذي أبداه الحكّام، والتشجيع المحفّز على التجديد والتّقدّم، وعكس دور”القيادة” لا التبعية بتركيزه على دور الرئيس (قائد الدبكة) في البرنامج، وكيف يعكس هذا الدور رمزية القيادة الشبابية الواعية التي تعرف متى تُقدم ومتى تُحجم، ومتى تتمايلُ مع الإيقاع، ما يعطي بعداً تربوياً قيادياً. وبين الدّعم المعنوي الذي لم يفارق الآراء التي طُرحتْ، والتقديم الأنيق الذي مارسهُ المقدّمان، ما أبعدَ البرنامج من فخ السّقوط في السّردية المملة التي قد تسيء إلى أصول التراث والحداثة على السّواء.

   إنه “مانيفستو” ثقافي عن الهويّة والذاكرة أعادنا إلى أيام الزمن الجميل حيث العافية والصّحة ومواسم لبنان الجميل.

                                                                                             

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *