سجلوا عندكم

أحمد قعبور: حين يغدو الصوت وطناً لا يرحل

Views: 1207

أسامة حجاج

يرحل الكبار في سكونٍ مهيب، لكن “رنين” أصواتهم يظلُّ عالقاً في هواء المدن، شاهداً على زمنٍ لم تكن فيه الأغنية ترفاً، بل كانت “ضرورةً وجودية”. رحل عن عالمنا أحمد قعبور، الفنان الذي لم يبع حنجرته في أسواق “الصخب” العابر، بل جعل منها بوصلة تشير دوماً نحو الإنسان، ونحو بيروت، ونحو فلسطين التي استوطنت أوتاره قبل أن تستوطن شعاراته. يغادرنا اليوم وللحنِ في غيابه غُصّة، وللكلمةِ يُتم، لكنه يترك خلفه إرثاً عصياً على النسيان، وعصياً على المحو.

“أناديكم”.. صرخة الوعي ونداء الأرض

حين أطلق قعبور لحنه لقصيدة توفيق زياد “أناديكم” في منتصف السبعينيات، لم يكن يقدم أغنية للمدرجات وللحشود، بل كان يفتتح مرحلة من الوعي الجمعي. في تلك اللحظة الفارقة، تحولت الموسيقى من وسيلةٍ للترفيه إلى “فعل مقاومة”. لقد استطاع بعبقريته الفنية أن يصوغ لحناً يتسم بـ “السهل الممتنع”؛ بسيطاً لدرجة أن يردده الطفل في مدرسته والمقاتل في خندقه، وعميقاً لدرجة أن يُدرّس في المعاهد الموسيقية كنموذجٍ للغناء الذي ينحاز للإنسان دون أن يسقط في فخ المباشرة الفجة. أحمد قعبور لم يكن يغني “للناس”، بل كان يغني “باسمهم”، مستخرجاً من صدورهم أنيناً تحول على يديه إلى نشيد للكرامة. فكانت “أناديكم” (1975) أهو المحطات والعمل الذي وحّد الوجدان العربي وأصبح نشيداً للتحرر. 

بيروت والبحث عن “الهوية الضائعة”

في مسيرته الممتدة، كان قعبور “عاشقاً بيروتياً” من طرازٍ فريد. غنّى للمدينة في انكسارها، ورافقها في نهوضها، فكانت أعماله مثل “يا رايح صوب بلادي” و”أحبك يا لبنان” مناجاةً روحيةً لترابٍ يرفض الاستسلام. تميزت مدرسته الموسيقية بالترفع عن الابتذال، مدركاً بوعيه الثقافي أن “الكلمة المسؤولة” هي وحدها التي تبقى خالدةً حين تصمت المدافع وتجف دموع الفقد. لقد كان صوته بمثابة “الخريطة الروحية” لجيلٍ كامل، يبحث عن ملامحه وسط ضجيج الحروب.

 

الفن كموقف صلب في زمن الانكسار

اليوم، ولبنان يواجه عواصف عاتية ومحاولاتٍ لا تنتهي لاقتلاع جذوره، يبرز تراث أحمد قعبور كـ “حائط صد” معنوي. إن ارتباط صوته بمقاومة المحتل لم يكن يوماً “موضةً” سياسية أو استجابةً لظرفٍ عابر، بل كان انحيازاً أخلاقياً ووجودياً مطلقاً. لقد علّمنا قعبور أن “الشفاء والعبور من الهزيمة” لا يكون بالعودة إلى الوراء، بل بالانطلاق نحو نضجٍ فني يحترم وعي المستمع ويخاطب كبرياءه. كان يزن “المقام الموسيقي” بميزان “المقام الإنساني”، فلم يخدع جمهوره بلحنٍ رخيص، ولم يخدع نفسه بكلمةٍ لا يعتنقها.

المسيرة والمنهج

اعتمد مدرسة “التجديد من داخل الأصالة”، حيث حافظ على الآلات الشرقية والروح اللبنانية الرصينة، مع ضخ دماءٍ معاصرة في التوزيع الموسيقي، رافضاً الانسياق وراء موجات التغريب الاستهلاكية. فكان ملحنا، ومغنٍّيا، ومبدعا مسرحيا، يُعد من أبرز أعمدة “الأغنية الملتزمة” والقومية في العالم العربي. كان لقعبور مشروع تربوي رائد قدّم فيه أرقى الألحان للأجيال الناشئة، إيماناً منه بأن الجمال يُبنى منذ الصغر.

سيكولوجية الصوت: لماذا ينادينا قعبور؟

من منظور مشروعنا “وعي الشاشة”، لا نقرأ صوت قعبور كترددات فيزيائية، بل كـ “خريطة انفعالية” رممت الشروخ النفسية في وعي المتلقي. تقنياً، تتميز الخامة الصوتية لقعبور بما نسميه (الرنين الصادق)؛ إذ يبتعد عن الزخارف الموسيقية المفتعلة، ليعتمد على “القرار” العميق الذي يمنح المستمع شعوراً بالأمان والثقة. إن الترددات المنخفضة في صوته تخاطب الذاكرة طويلة الأمد؛ مما يجعل صوته يلتصق بالعقل لا كأغنية، بل كـ “حدث حياتي” شكّل ملامحنا .

الصوت كحائط صد ثقافي

لقد واجه قعبور، بصمته وصوته، محاولات طمس الهوية الجمالية للإنسان المقاوم. إن استخدامه لـ “النبرة الخشنة” الممزوجة بالشجن يعطي إيحاءً بالصدق النضالي والقرب من آلام الناس، وهو ما يفسر تحول صوته إلى أيقونة سمعية قادرة على توحيد الوعي ضد التشويه الثقافي والابتذال البصري. في كل نبرة، كان هناك “وعي بصري” يرافق الكلمة؛ فالمستمع لصوته يرى بيروت، يرى فلسطين، ويرى الإنسان وهو يستعيد كرامته.

 الميثاق الوجداني المستمر

في عالمٍ تزدحم فيه الشاشات بضجيج العابرين وتشويه الهويات، يبرز صوت أحمد قعبور لا كمجرد ظاهرة غنائية، بل كحالةٍ من “سيكولوجية التعبير الأسمى” التي استعصت على النسيان. إن رحيل الجسد في قانون الفن الملتزم ليس غياباً، بل هو تحولٌ من الحضور المادي إلى “الوعي الجمعي” المستقر في وجدان الأمة.

رحل أحمد قعبور والوطن في أمسّ الحاجة لصوتٍ يشبهه في صدقه وعنفوانه. رحل بجسده، لكنه ترك خلفه “جيشاً من الألحان” يحرس الذاكرة الوطنية، ويؤكد أن الفن الحقيقي هو الذي يسكن الوجدان قبل الفكر، وهو الذي يبقى حياً نابضاً في وجه المحتل، يغسل تعب الأيام، ويعيد للروح نقاءها الأول الذي لا يُهزم.

 رغم رحيل الجسد، يبقى النداء: “يا نبض الضفة لا تهدأ”. هذا ليس مجرد هتاف، بل هو “ميثاق وجداني” يرفض الترويض والأيقونة التي وثقت التحامه العضوي بالقضية الفلسطينية.

رحل أحمد قعبور جسداً، لكنه ترك لنا “وطناً من النغم” لا يرحل، ومسؤوليةً فكريةً تحتم علينا حماية هذا الإرث، ومواصلة البحث في أعماق هذا الأثر السمعي الذي شكل ملامحنا الإنسانية

نم قرير العين يا صاحب “النداء”.. فمن غنّى للأرض صار جزءاً من ترابها، ومن غنّى للحرية صار شريكاً في خلودها.

***

*فنان وباحث في الثقافة البصرية والسمعية – مؤسس مشروع “وعي الشاشة”

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *